-((وأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ، وإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً)).
ورد في الرواية عن الإمام الصادق(عليه السلام): ((المؤمن أعظم حرمة من الكعبة))[1].
وعن الإمام الباقر(عليه السلام): ((إن الله عز وجل أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا والدين، والفلاح في الآخرة، والمهابة في صدور العالمين))[2].
الله عز وجل أعطى لهذا المؤمن العزة، ولكن الإنسان قد تدعوه رغبة من رغباته إلى فعل ما لا يليق به تلبية لرغبته تلك، فيقع في إذلال نفسه ويُضحّي بما وهبه إياه الله عز وجل، وهنا يُرشدنا الإمام(عليه السلام) إلى أن ما نناله جراء التضحية بهذه العزة والكرامة الموهوبة من الله عز وجل لا يعادل ما نأخذه من حطام، فإن من يقدم على ذلك لمغبون، لأنه يبذل الشيء الغالي والنفيس في سبيل الفاني والرخيص.
بل ورد في الرواية أن المؤمن لا ولاية له على أن يُذل نفسه، فقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن الله فوض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا، أما تسمع الله تعالى يقول:
(...وللّه الْعزّةُ ولرسُوله وللْمُؤْمنين ولكنّ الْمُنافقين لا يعْلمُون)[3]))[4].
فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، إن المؤمن أعز من الجبل، لأن الجبلَ يُستقل منه بالمعاول، والمؤمن لا يُستقل من دينه بشيء.
وعنه(عليه السلام): ((المؤمن إذا سُئل أسعف، وإذا سَأل خَفَّف))[5].
-((ولَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وقَدْ جَعَلَكَ اللَّه حُرّاً)).
هذه العبارة من الإمام(عليه السلام) أصبحت من الأمثال التي سار بها الناس، فالمؤمن هو عبد لله عز وجل فقط ولا يمكنه أن يكون عبداً لغيره لأن في ذلك ذلّه، وقد وردت الروايات بالنهي عن أن يؤجر الإنسان المؤمن نفسه عن عمل من الأعمال ولو كان ذلك لأجل الرزق ففي رواية عن الإمام الصادق(عليه السلام): ((من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق))[6]. وفي رواية أخرى: ((وكيف لا يحظره؟! وما أصاب فيه فهو لربه الذي آجره))[7].
-((ومَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ، ويُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ؟!)).
هل الغاية تبرر الوسيلة؟ الجواب الذي تتضمنه هذه الوصية هو النفي، فالإمام(عليه السلام) يؤكد على أن الخير الذي يصل إليه الإنسان عن طريق الشر، لا يكون خيراً، بل هو من الشر، فالمال الذي يحصل عليه الإنسان ولو كان لفعل الخير إذا كان من خلال إذلال المؤمن لنفسه فإنه سوف يكون موجباً لكون ذلك الخير من الشر.
أ- طاعة الله:
عن الإمام الصادق(عليه السلام): ((من أخرجه الله من ذل المعاصية إلى عز التقوى، أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر))[8].
ومن الطاعة التسليم لله عز وجل فيما أمر ونهى، وقد نهي المؤمن عن إذلال نفسه، وإذلال النفس إمّا أن يكون لأجل الحاجة إلى المال، أو إلى العشيرة أو إلى الصداقة والرفقة، فلو أطاع الله لسلك في هذه الثلاثة سبل الطاعة فكان عزيزاً فيها.
وهذا ما يمكن أن يستفاد من الرواية عن أمير المؤمنين(عليه السلام): ((إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة))[9].
ب- اليأس عما في أيدي الناس:
إنما يذل الإنسان نفسه لغيره من الناس متى عاش على أمل أن يجد ما يطلبه عندهم وأما لو قطع الأمل من ذلك في نفسه، وعَلَّق أمله بالله عز وجل فقط فإنه لن يلجأ إلى إذلال نفسه، ولذا ورد في الرواية عن لقمان(عليه السلام) -لابنه وهو يعظه-: ((إن أردت أن تجمع عز الدنيا فاقطع طمعك مما في أيدي الناس، فإنما بلغ الأنبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم))[10].
ج- نصرة الحق:
إن العزة هي في نصرة الحق، وأما لو تخلى الإنسان عن نصرة الحق فإنه سوف يكون مصيره إلى الذل، وقد ورد في الرواية عن الإمام العسكري(عليه السلام): ((ما ترك الحق عزيزٌ إلا ذلَّ، ولا أخذ به ذليلٌ إلا عزَّ))[11].
وعن الإمام علي(عليه السلام): ((فَرَضَ اللَّه... والْجِهَادَ عِزّاً لِلإِسْلَامِ))[12].
د- إكرام الناس:
إن من موجبات كرامة النفس عند النفس ان يتعامل الإنسان بإكرام مع سائر الناس، فقد ورد في الرواية عن الإمام علي(عليه السلام): ((إن مكرمة صنعتها إلى أحد من الناس إنما أكرمتَ بها نفسك وزَيَّنت بها عرضك، فلا تطلب من غيرك شكر ما صنعتَ إلى نفسكَ))[13].
[1] الخصال، الشيخ الصدوق: ص27.
[2] بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج٦٧، ص٧١.
[3] سورة المنافقون: آية٨.
[4] تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي: ج٦، ص١٧٩.
[5] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي: ص22.
[6] الكافي، الشيخ الكليني: ج5، ص90.
[7] المصدر السابق.
[8] الأمالي، الشيخ الطوسي: ص202.
[9] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي: ص134.
[10] بحار الأنوار ، العلامة المجلسي: ج 13، ص420.
[11] المصدر السابق: ج ٧٨، ص٣٧٤.
[12] نهج البلاغة، تحقيق صالح: ص512.
[13] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي: ص154.