تتّجه أنظارُ العالم الإسلامي إلى مدينة النجف الأشرف، مثوى مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومعقلَ العلم ومأرزَ التشيّع، وهي مقبلةٌ على حدثٍ تاريخيٍّ جليل، هو مرورُ ألف عامٍ على قدوم شيخ الطائفة، وثقةِ المحدّثين، آيةِ الله العظمى الشيخ الطوسي (قدس سره) إلى هذه الحاضرة المباركة، وتأسيسه فيها مدرسةً علميةً أصّلت لعلوم أهل البيت (عليهم السلام) ومعارفهم، وأقامت بناءها على أصول البحث والتحقيق والاستدلال.
وكانت تلك الخطوةُ فاتحةَ عهدٍ علميٍّ امتدّ قرنًا بعد قرن، وتعاقبت فيه طبقاتُ العلماء، وتتابعت حلقاتُ الدرس، وتوارثت الأجيالُ علومَ أهل البيت (عليهم السلام)، حتى غدت النجفُ الأشرف حاضرةَ الفقه والكلام، ومدرسةَ الأصول والاستنباط، ومَعقِلَ أهل التحقيق والتحصيل. وهكذا بقي العلمُ فيها متصلَ الأصول، متعاقبَ الرجال، محفوظَ الرواية، راسخَ الدراية؛ يحملُ المتأخرُ ما انتهى إليه المتقدم، ويزيدُ في بنيانه من نظره وتحقيقه، حتى اتصلت حلقاتُ هذه المدرسة، وتلاحقت طبقاتُ رجالها، واستقام لها مناهجُها وأصولُها.
وكان لجوار أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الأرض أثرُه في تكوين هذه الحاضرة العلمية، فاجتمعت للنجف قداسةُ المكان وشرفُ الجوار وميراثُ العلم؛ وأقبل إليها العلماءُ وطلابُ المعرفة، واستقرّت فيها حلقاتُ الفقه، ونمت فيها مباحثُ الأصول والكلام والتفسير والحديث، حتى أصبحت على امتداد القرون موئلًا للفقاهة، ومجمعًا لأهل النظر، وحاضنةً لعلوم العترة الطاهرة (عليهم السلام).
وتوالت على هذه الأرض طبقاتُ العلماء، فكان كلُّ جيلٍ يُسلّمُ أمانةَ العلم إلى من بعده، ويضيفُ إلى ما تلقّاه ثمرةَ بحثه ونظره، حتى غدت الحوزةُ النجفيةُ سلسلةً متصلةَ الحلقات، يرجعُ آخرُها إلى أولها، ويتصلُ حاضرُها بماضيها، وتحملُ في أصولها آثارَ مدرسةِ أهل البيت (عليهم السلام)، وفي مناهجها ثمرةَ قرونٍ من التحقيق والاستنباط.
ومن هنا تأتي عنايةُ العتبةِ العلويةِ المقدسةِ بهذه الألفية؛ فإنها، وهي في جوار صاحب هذه المدرسة الكبرى أمير المؤمنين عليه السلام، ترى في إحياء ذكراها وفاءً لمسيرةٍ علميةٍ نشأت في رحاب هذه الحاضرة، وتكريمًا لرجالٍ بذلوا الأعمار في حفظ الشريعة، ونشر علوم العترة، وإقامة معالم الفقه والاجتهاد. وهي مناسبةٌ تستدعي استحضار تلك السلسلة المباركة من العلماء الذين تعاقبوا على خدمة العلم، وصيانة تراث أهل البيت (عليهم السلام)، وإبقاء جذوة الاجتهاد متقدةً في هذه الدار.
وهذه الألفيةُ شاهدٌ على اتصال المسيرة، وثمرةُ جهادٍ علميٍّ طويل، حفظ للأمة جانبًا من ميراث النبوة والإمامة، وأقام للفقه وأصوله صرحًا شامخًا، وأخرج من هذه المدرسة رجالًا كان لهم في العلم والتحقيق والتربية والإصلاح شأنٌ مشهود.
فهي ألفيةُ علمٍ ورجال، وألفيةُ درسٍ وتحقيق، وألفيةُ حفظٍ وأداء؛ امتدت فيها يدُ السلف إلى الخلف، وبقيت أمانةُ العلم موروثةً بين أهله، حتى غدت النجفُ الأشرف من أجلِّ حواضر العلم في تاريخ المسلمين، مقترنًا ذكرُها بذكر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبذكر العلماء الربانيين، والمتعلّمين على سبيل النجاة.