عُرف الإمام علي (عليه السلام) في أثناء حكمه بحرصه على المبادئ والقواعد الأساسية للإسلام، إذ كان (عليه السلام) نفس ابن عمه الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، فقد ارتفع عن مستوى المصالح الشخصية والقضايا الضيقة خدمة للإسلام والمسلمين، وقد مثّل أمير المؤمنين (عليه السلام) أنموذج الحكم الإسلامي المثالي.
أولى الإمام علي (عليه السلام) العدالة عناية كبرى، لأثرها الكبير في فض النزاعات الإجتماعية وتحقيق العدالة بين الناس، والعدل غاية الأديان، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل؛ ومن ذلك قوله (إن الله يأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإِيتَآئِ ذي القربى)(النحل:90)، والعدل أصل من أصول الدين، وقد جسّد الإمام علي (عليه السلام) العدالة قولاً وعملاً، فأشعر رعيته الرحمة كل الرحمة، كما أكد (عليه السلام) أن يكون أمر الناس عند الولاة في الحق سواء(1)، وهذا ما نستخلصه من حديثه، الذي وجهه إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان، إذ قال (عليه السلام): ((أما بعد فإن الوالي اذا اختلف هواه منعه ذلك كثيراً من العدل، فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء، فأنه ليس في الجور عوض من العدل))(2).
كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قدوة في إقامة العدل ، فقد ورد عن ابن بابويه في الأمالي، عن أبي حمزة الثمالي، عن الأصبغ بن نباتة، أنه قال: ((كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا جاءه المال، أدخله بيت مال المسلمين، ثم جمع المستحقين، وبسط يده في المال فنثره يمينًا وشمالًا، وهو يقول:"يا صفراء، يا بيضاء، لا تغريني، غري غيري" وكان لا يغادر بيت المال حتى يوزع ما فيه بالكامل، ويعطي كل ذي حق حقه، ثم يأمر بتنظيف المكان ورشه بالماء، ويصلي فيه ركعتين، ثم يقول بعد التسليم، معلنًا زهده: "اللهم إني طلقتها ثلاثًا، فلا رجعة لي فيها))(3).
ومن أقواله (عليه السلام) في العدل:
((العدل قوام الرعية وجمال الولاة))(4).
((العدل فضيلة السلطان))(5).
((إنّ العدل ميزان الله سبحانه الذي وضعه في الخلق، ونصبه لإقامة الحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه))(6).
اتبع الإمام علي (عليه السلام) أسلوب الأمانة والصدق في إدارة الأمور السياسية، فنجده (عليه السلام) لم يهادن أو يصالح الأشخاص الذين لم يكونوا يتحركون ضمن خطّه ومسيرته، ورفض الأهواء التي تعارض الحق والعدل، وهذا الأمر ميزه (عليه السلام) عن الحكام، الذين كانوا مستعدين للتحالف مع أي طرف لأجل مصالحهم(7).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه لمالك الاشتر: ((وَإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثَّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبُّ الْإِطْرَاءِ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فَرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَو التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتَتَّبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ، وَالتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ الله وَالنَّاسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)(8).
يروي لنا التأريخ كيف كان يتصرف القادة الفاتحون مع خصومهم المهزومين، إذ غالبًا ما كانوا يتجاهلون الجوانب الأخلاقية في تعاملهم، فقد كانت أساليب الضرب، والقتل، والغارات، والمجازر الجماعية، من الوسائل الشائعة التي يلجؤون إليها لتحقيق السيطرة وترسيخ النصر(9)، أما علي (عليه السلام) فقد التزم في تعامله مع أعدائه بأصول الإسلام وسننه، فعقب انتصاره في معركة الجمل، أعلن العفو العام عن أهل البصرة، من دون أن يتعقب الفارين أو يؤذيهم، محافظًا على أرواح المنهزمين وأموالهم، ومنع جنوده من التعرض لهم بأي شكل، في زمن كانت فيه الغنائم هدفًا لكثيرين بعد المعارك، إذ رفض الإمام علي (عليه السلام) ممارسات الاستيلاء على أموال الناس أو أسر النساء، مؤكدًا التزامه بالمبادئ الإسلامية في أرقى صورها(10).
أراد الإمام علي (عليه السلام) إنشاء دولة قائمة على المودة والمحبة، دولة غير مستبدة، لا تبنى سياستها على الإرهاب والقمع، فقد كان يرى أنّ أساس بناء المجتمع الصالح هو الإحسان إلى الرعية والإحسان أكبر من العدل(11)، كما جاء في كتابه (عليه السلام) إلى مالك الاشتر: ((وأَشْعِر قَلْبِكِ الرَّحمة للرعية والمحبة لهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبْعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّين ِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَاكَ ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، وَابْتَلَاكَ بِهِمْ، وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ، وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْرٍ، وَلَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ، وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُومَةً، وَلَا تَقُولَنَّ : إِنِّي مُؤْمِرٌ آمُرُ فَأَطَاعُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبُ مِنَ الْغِيَرُ))(12).
وخير دليل على نظام الشورى هو الآيتان الكريمتان:
الأولى: قوله تعالى:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين)[آل عمران: 159].
والثانية : قوله جل وعلا : (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ)[الشورى: 36- 39].
وجاء في خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) مشيراً لذلك بالقول: ((أيها الناس، إنّ أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه، فأن شغب شاغب استعتب فأن أبى قوتل، ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها، ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار))(13).
نظراً لما للسلطات من صلاحيات واسعة من حيث المال والقوة والأمر النافذ، فإن احتمالية اتباع الشهوات والرغبات النفسية أمر وارد جداً بحكم الطبيعة البشرية(14)، لذا نجد أن امير المؤمنين (عليه السلام) كان حريصاً على تنظيم الجانب الإداري والمالي بما ينفع المسلمين، والوقوف بالمرصاد لكل فساد إداري أو مالي من شأنه أن يمس الفرد والمجتمع على حد سواء، كما جاء في نص من عهده لمالك الأشتر: ((وَتَفَقَدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وصلاحِهِمْ صلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ، لِأَنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ. وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ، لأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْحَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا. فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلًا أَوْ عِلَّةً ، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ اعْتَمَرَهَا غَرَقُ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٍ، خَفَفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ ؛ وَلَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ ولَا يَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وَتَبَجَّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ، بِما ذَخَرْتَ عِنْدَهُم مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ، وَالثَّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّتْهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبُمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ به ؛ فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلُ ما حَمَلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوَلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ ، وَسُوءِ ظَنْهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ))(15).
في ضوء ما تقدم، يتبين أن فكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يشكل منظومة متكاملة في إدارة الدولة، تتسم بالرحمة في التعامل مع الرعية، والعدل في الحكم، والنزاهة في التصرف بالمال العام، والتوازن بين السلطة والرقابة الذاتية، وأنّ وصاياه لمالك الأشتر التي تمثل دستوراً أخلاقياً وسياسياً متقدماً، تمثّل فهماً عميقاً لطبيعة الإنسان ومجتمعه، وتؤكد أن ممارسة السلطة ليست امتيازاً بل تكليفٌ مشروطٌ بالمسؤولية والرعاية، كما أنّ استحضار قيم الشورى ورفض الاستبداد، ومقارعة الفساد الإداري والمالي؛ يرسخ مفهوم الحكم الصالح المبني على أسس العدالة الإجتماعية والتنمية المستدامة، بما يحقق الاستقرار ويضمن كرامة الإنسان، ومن ثم، فإن هذه المبادئ تمثّل مرجعية فكرية، يمكن الإفادة منها في بناء نماذج حوكمة رشيدة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتظل صالحة للاستلهام في كل العصور.
---------------------
1) سعيد جعفر كاظم، دولة الامام علي (عليه السلام) نظامها السياسي: 61.
2) المجلسي، بحار الانوار: 33/511.
3) الشريف الرضي، خصائص الائمة: 79.
4) محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/1838
5) المصدر نفسه: 3/1839 .
6) المصدر نفسه: 3/1838.
7) مركز نون للتأليف والترجمة، بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت(عليهم السلام): 48.
8) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 17/١١٣.
9) مجموعة الامام علي (عليه السلام) القدوة الحسنة، الاخلاق السياسية عند الامام علي (عليه السلام): 15.
10) المصدر نفسه: 17.
11) خمائل، الفكر الإداري للإمام علي(عليه السلام) في سياسة الدولة: 250 .
12) نهج البلاغة: 3/84.
13) ابن ابي الجديد، شرح نهج البلاغة: 9/238.
14) خمائل شاكر الجمالي، الفكر الإداري للإمام علي(عليه السلام) في سياسة الدولة: 245.
15) نهج البلاغة: 3/96.