أ.د عصام كاظم الغالبيّ
جامعة الكوفة/ كلية التربية الأساسية
المصدر: مجلة الولاية – العدد 195 – الصفحة (9)
وصَفَ الله تعـــالى نفسَه في القرآن الكريم بصفات كثيرة تجــــــــاوزت المائة، اصطُلِح عليهــا أســــــــماء وصفات أو خلطوا بينها في المصطلح، وهذه الصفات منها ما لم يرد في القرآن الكريم إلا وصفًا خاصّا بالله تعالى انفرد به نحو الرحمن والصمد والخالق والرزّاق وغيرها، ومنها ما كان صفة مشتركة بين الله تعالى وغيره من خلقه وأشياء أخرى، نحو الآخِر والعظيم والكريم وغيرها.
واستنادًا إلى قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير﴾ [الشورى: 11]، وجب أن يكون ثمة اختلاف بين صفاته سبحانه وتعالى المشتركة، ويمكننا تعريف الصفات المشتركة بأنها الصفات التي وردت وصفًا لله تعالى ولغيره من خلقه وأشياء أخرى، ولم تكن خاصة بالله تعالى، نحو الآخِر والأبقى والحسيب والعليم والكريم وغيرها، ولا أقصد بمصطلح الصفة هنا المصطلح المتعارف عليه عند النحويين بل المقصود بها الصفة عند اللغويين بالمصطلح العام، أي: ليس بالضرورة أن تُعرب الكلمة صفة أو نعتًا حتى تدخل في مقالتنا هذه، وإنما قد تكون صفة، وقد تكون خبرًا أو فاعلًا أو مفعولًا أو اسمًا مجرورًا أو غير ذلك مع احتفاظها بكونها صفة، فالنور في قوله تعالى: ﴿اللّـَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35] صفة وإن كان يُعرَب خبرًا، و(أبقى) في قوله تعالى: ﴿وَاللَّـهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 73]، صفة وإن كان يُعرَب اسمًا معطوفًا، و(حسيبًا) في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6] صفة وإن كان يُعرَب تمييزًا.
وقد تحدّث المفسّرون عن صفات الله وأسمائه، وذكروا ما هو خاصّ منها بالله تعالى، وما هو عامّ له سبحانه ولغيره، قال الطبري: "وكانَ لله جلَّ ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها، خَصَّ بها نفسه دونهم، وذلك مثلُ الله والرحمن والخالق، وأسماءٌ أباحَ لهم أن يُسمِّيَ بعضُهم بعضًا بها، وذلك: كالرحيم والسميع والبصير والكريم، وما أشبه ذلك من الأسماء"(1).
ثم جاؤوا إلى تلك الصفات المشتركة وحاولوا أن يفرّقوا في معانيها حين تكون لله تارة ولغيره تارة أخرى، فذكر الطوسي أن "معنى الوكيل في صفات الله المتولّي للقيام بتدبير خلقه؛ لأنه مالكهم رحيم بهم، والوكيل في صفة غيره إنما يُعقَد بالتوكيل(2)، وقال في معنى (الوليّ):"والوليّ النصير بما يتولّى من المعاونة، فإذا وُصف تعالى بأنه وليّ المؤمن، فلأنه ينصره بما يتولّى من معونته وحياطته، وإذا وُصِف المؤمن بأنه وليّ الله، فلأن الله ينصره بمعونته، فتجري الصفة على هذا المعنى"(3)، وذكر أن الجبار في صفات الله صفة التعظيم؛ لأنه يفيد الاقتدار، وأن الجبار في صفة المخلوقين صفة ذمّ، لأنه يتعظم بما ليس له من العظمة، فإن العظمة لله تعالى(4)، وحين شرح (التكبّر) قال: "إظهار كبر النفس على جميع الأشياء، فهو في صفة العباد ذمّ، وفي صفة الله مدحٌ"(5)، وقال في المتكبّر: "فأما المتكبر في أوصاف الله... فإن له أعلى مراتب الكبر، وهو صفة ذمٍّ في العباد ومدحٍ في صفة اللـه تعــالى"(6).
وقال الثعلبي: "إن المالك والملك هو القادر على استخراج الأعيان من العدم إلى الوجود، ولا يقدر في الحقيقة على إخراجها إلّا الله المالك،... فأما غيره، فيسمّى مالكًا ومَلكًا على المجاز، والمراد بذلك: أنه مأذون له في التصرّف فيه"(7).
وذكر ابن عاشور في (الملك) أنه "الحاكِم في الناس، ولا مَلِك على الإِطلاق إلاّ الله تعالى، وأما وصف غيره بالمَلِك فهو بالإِضافة إلى طائفة معيَّنة مـن النـاس"(8).
ويقول ابن الجوزي شارحًا معنى (الرقيب): "فأما الرقيب، فقال ابن عباس ومجاهد: الرقيب: الحافظ، وقال الخطابي: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وهو في نعوت الآدميين المُوكَل بحفظ الشيء، المترصّد له، المتحرّز عن الغفلة فيه، يقال منه: رقبت الشيء أرقبه رقبـة"(9).
وذكر الراغب الأصفهاني أن "الكرم إذا وُصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، نحو قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل/40]، وإذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال: هو كريم حتى يظهر ذلك منه،... وكل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان/10]، ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَـامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان/26]، ﴿إِنَّهُ لَقُــرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة/77]، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾[الإسراء/23]"(10).
وقال ابن كثير: "وأما الرحيم فإنه تعالى وَصف به غيرَه حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]... والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يُسمّى به غيرُه، ومنها ما لا يُسمَّى به غيره كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك"(11).
ومما سبق يتبيَّن أن ثمّة اختلافًا دلاليًا في الصفات المشتركة يصل إلى حدّ التناقض كما في الجبّار والمتكبّر؛ إذ هما في صفة الله مدحٌ وفي صفة الإنسان ذمّ، وأن من دلالات الصفات ما يكون بين المطلق والمقيد نحو الحيّ والملك؛ إذ هما في صفة الله تعالى على نحو الإطلاق وفي صفة غيره على نحو جهة التقييد، وأن ثمّة شيئًا من الترادف الدلالي بين عدد من تلك الصفات مع احتفاظ الباري تعالى بخصوصيّته، نحو العظيم والكريم والكبير في بعض مواضع ورودها، وقد اكتسبت بعض الألفاظ صفةً مشتركة مع الله تعالى؛ لأنها بسببه ومرتبطة به، منها (القرآن) حين وُصف بالكريم.
ــــــــــــــــ
1. جامع البيان ت شاكر: 1/ 133.
2. التبيان في تفسير القرآن: 3/ 53.
3. م، ن: 6/ 200.
4. ظ: م، ن: 3/ 485.
5. م، ن: 4/ 360.
6. م، ن: 5/ 412.
7. الكشف والبيان عن تفسير القرآن: 1/ 115.
8. التحرير والتنوير: 15/ 17.
9. زاد المسير في علم التفسير: 1/ 367.
10. تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 293.
11. تفسير ابن كثير، ط العلمية: 1/ 40.