د. علي عبد العظيم هادي الخاقاني
مديرية تربية النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 207 – الصفحة (41)
تتعدد أشكال الرعاية المفروضة على الإنسان للغير في التشريع الإسلامي، فقد تأتي على نحو المسؤولية الشخصية عن فئات معينة في تحمّل تبعات أفعالهم، كما في العمال، والأُجراء، والجنود ونحو ذلك، والذي يحدده مبدأ التبعية، وقد تأتي على نحو الإنفاق والإعالة، كما في الإنفاق على الزوجة، والأولاد، والأقارب، والمماليك، والحيوانات.
وهذه الأشكال من الإنفاق مبتنية على أسس ثلاثة هي(1):
1- التوسعة على العيال: فالتوسعة على العيال من المندوبات، وقد وردت بها روايات كثيرة، من جملتها:
ما رواه معمر بن خلاد عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: ((ينبغي للرجل أن يوسع على عياله لئلا يتمنوا موته، وتلا هذه الآية:(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8]، قال: الأسير عيال الرجل، ينبغي إذا زِيد في النعمة أن يزيد أُسراءه في السعة عليهم))(2).
2- عدم التقتير: ورد ذم التقتير على العيال في روايات عديدة، منها ما رواه الصدوق بإسناده عن العياشي، قال: ((استأذنت الرضا (عليه السلام) في النفقة على العيال، فقال: ((بين المكروهين)) قلت: لا أعرف المكروهين، قال: ((إن الله كره الإسراف وكره الإقتار، فقال: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[الفرقان: 67] ))(3).
3 - الاعتدال وعدم الإسراف: ورد الترغيب في الاعتدال في الإنفاق بصورة مطلقة، فمن جملة ذلك ما رواه ابن أبي عمير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عز وجل: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}) [البقرة: 219] قال: ((العفو: الوسط))(4).
والحاصل من هذه الأسس الثلاثة هو الإنفاق على نحو القصد والاعتدال - مراعى فيه جانب التوسعة على العيال- من دون إسراف ولا تقتير.
حكمة تشريع النفقة:
شرّع الله تعالى النفقة على من تلزمه نفقته لحِكَمٍ عدة، منها:
أولًا- شُرّعت النفقة على الزوجة؛ لكونها محبوسة عنده عن الكسب، فجعل الله لها نفقة على زوجها.
ثانيًا- شُرّعت النفقة على الأولاد؛ كونهم عيال المرء، وحق على المرء كفاية حاجات عياله.
ثالثًا- شُرّعت النفقة على الوالدين عند حاجتهما للنفقة؛ إحسانًا وبرًا لهما.
رابعًا- شُرّعت النفقة على الأقارب الفقراء؛ لأنها صلة ومواساة من حقوق القرابة، وقد جعل الله للقرابة حقًا.
وقد جاء في التشريع الإسلامي: عدم جواز إعطاء الزكاة إلى من تجب نفقته؛ كون تلك الأصناف مكفولي الرعاية والإنفاق، ويجب على الإنسان كفاية حاجاتهم الأساسية، وإغنائهم عن المسألة إلى المخلوقين.
وبما أن المقام يقتضي علينا الاختصار، سنتناول جانبًا واحدًا من هذه الأشكال، ألا وهي النفقة على الزوجة؛ لأن نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الأقارب، المستفادة من قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)[النساء:34]، ولمزيد من الإحاطة نقول:
النَّفَقةُ لُغةً: الإنفاقِ، بمعنى الإخراجِ والنَّفادِ، يُقال: نَفِقَ مالُه ودِرهَمُه وطَعامُه، أي: نَفِدَ وفَنِيَ وذَهَب. والنَّفقة: ما أُنِفق، والجمع نِفاق. حكى اللحياني: نَفِدت نِفاقُ القوم ونفَقَاتهم، إذا نفدت وفنيت. ونَفِقَ الزاد يَنْفَقُ نَفَقًا أي: نفد. ورجل مِنْفاقٌ أي: كثير النَّفَقة. والنَّفَقة: ما أَنفَقْت، واستنفقت على العيال وعلى نفسك(5).
النَّفَقةُ اصطلاحًا: الكلفة، أو المصروف (التكاليف)، أو الجعل، أو الأجر، والإنفاق: هو ما ينفقه الإنسان على عياله. وفي الفقه: ما يُفرض للزوجة على زوجها من مال للطعام والكساء، والسكنى، والحضانة، وآلة التنظيف، وسائر ما تحتاج إليه بحسب حالها(6).
مرجع الإنفاق:
الأصلُ في النَّفَقةِ على الزَّوجةِ تَلبيةُ حاجتِها بالمعروفِ فيما تحتاجُ إليه من أدواتِ التَّنظيفِ، والأثاثِ، وأدواتِ الزِّينةِ، وغَيرِها، وحاجةُ الزَّوجةِ تختَلِفُ مِن عَصرٍ لآخَرَ، ومِن بِيئةٍ لأخرى، ومِن رَجُلٍ لآخَرَ، وتتنَوَّعُ بتنوع حالِ الزَّوجةِ في حاجتِها، وبتنَوُّعِ الزَّمانِ والمكانِ، وبتنَوُّعِ حالِ الزَّوج في يَسارِه وإعسارِه، وأنَّ المرجِعَ فيها هو العُرفُ.
شرط الإنفاق:
تثبت النفقة على الزوج بعد تحقق شروط وجوبها، وأبرزها الآتي:
1. أن تكون الزوجة في عصمة الزوج.
2. أن يكون عقد الزواج صحيحًا.
3. ألّا تكون الزوجة ناشزًا، ولا تمنع حقًا من حقوقه.
4. أن تكون الزوجة مسلمة.
5. التمكين: تجب النفقة بعد تحقق التمكين، أي: إذا مكّنت المرأة الرجل من نفسها، فإن امتنعت فلا نفقة لها، ويجب أن يُنفق عليها عند الولادة وعلى ولدها، والحدّ الواجب في النفقة: هو الإطعام، والكسوة، والمسكن، على قدر الزوجة وحال الزوج بالعدل، على أن الواجب من النفقة بحسب سد الخلة، فما زاد فندب ما لم يبلغ حد الإسراف(7).
6. الاستطاعة العرفية: فهي من تحدد آلية الإنفاق وحجمه وكذلك حدوده بأن لا تتعدى المعقول العرفي، ويتبين ذلك في قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) [النساء:3] يعني: لا يكثر من تعولون، فلو لم تكن النفقة واجبة، والمؤنة عليه، ما حذره من كثرتها عليه.
وقيل(8): إنّ معنى (ألا تعولوا): ألا تجوروا، يقال عال يعول إذا جار، وأعال إذا كثر عياله وقد قيل: إنّ عال يعول مشترك بين جار وبين كثر عياله، وعال يعيل إذا افتقر ومنه قوله: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)[الضحى: 7].
ماهية النفقة: النفقة اسم عام يشتمل على أمور عدة هي: (المسكن، الطعام، الشراب، الملبس، العلاج، الخادم).
أدلة تشريع النفقة:
أولًا- القرآن الكريم:
1. قال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) [الطلاق: 6].
2. قال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)[الطلاق: 7].
3. قال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة:233]، والمولود له هو الزوج، وأن عليه رزق الوالدة وكسوتها.
ثانيًا- السنة النبوية:
1. قال النبي (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع: ((أيها الناس إنّ لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حقا، حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، وأن لا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإنّ الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإذا انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكتاب الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا))(9).
2. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))(10).
3. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((عيال الرجل أُسراؤه، وأحب العباد إلى الله عزّ وجلّ أحسنهم صنعًا إلى أسرائه))(11).
4. قال أبو الحسن(عليه السلام): ((عيال الرجل أسراؤه فمن أنعم الله عليه بنعمة فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول))(12).
أسباب الإعفاء عن النفقة:
بعد تحقق موجبات النفقة على الإنسان شرعًا، يأتي زمان تتوافر فيه أسباب سقوط النفقة الواجبة، ليتحرر من هذا الواجب، وهذه الإعالة الزوجية، وأبرز تلك الأسباب ما يأتي:
1. النشوز: والنشوز يكون بالامتناع من فراش الزوج، وبالامتناع من الانتقال معه إلى مسكن مثلها، وبالامتناع من السفر معه، أو الخروج بدون إذنه، وبدون مسوغ شرعي.
2. سفر الزوجة: إذا سافرت الزوجة بغير إذن زوجها سقطت نفقتها عنه.
3. التطوع بغير إذن الزوج: كالحج، أو الصوم، أو غيرهما من النوافل، لأنها ممنوعة عن التطوع بغير إذن الزوج؛ كونها بذلك قد تفوت عليه حقا من حقوقه.
4. صغر الزوجة: لا تجب النفقة للزوجة على زوجها إذا كانت صغيرة بحيث لا تصلح للرجال، ولا تشتهى للوقاع.
5. مرض الزوجة: إذا مرضت الزوجة قبل الزفاف بحيث لا يمكنها الانتقال إلى بيت الزوج، فلا تستحق النفقة.
6. حبس الزوجة: فإن من حُبس لحق غيره، فنفقته واجبة على ذلك الغير.
7. إعسار الزوج: فإذا ثبت إعسار الزوج خيرت بين ثلاثة أشياء: بين أن تفسخ النكاح، أو أن تقيم معه وتمكنه من الاستمتاع بها ويثبت لها في ذمته ما يجب على المعسر من النفقة والأدم والكسوة ونفقة الخادم إلى أن يوسر، أو أن يقيم على النكاح، ولكن لا يلزمها أن تمكنه من نفسها، وإنما تخرج من منزله؛ لأنّ التمكين إنما يجب عليها ببذل النفقة، ولا نفقة هناك، ولا تستحق في ذمته نفقة في وقت انفرادها عنه؛ لأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع ولا تمكين منها له.
8. طلاق الزوجة ثلاثًا: فالطلاق البائن لا نفقة لها فيه.
9. المعتدة من وفاة: ليس للمتوفى عنها زوجها وهي حامل نفقة على الحمل في ماله، ولا على العدة، وحكم من ليست بحامل في عدة الوفاة حكم الحامل في سقوط النفقة عليها من تركة المتوفى، وتنفقان على نفسيهما من أموالهما خاصة من دون تركة الزوج
10. المعتدة بالخلع: إذا أبان الرجل زوجته بالخلع فلا نفقة لها، فإن ظهر بها حمل فلها النفقة سواء قيل إن النفقة لها أم للحمل، وعليه أن ينفق يوما بيوم.
11. الملاعنة: لأن المرأة تبين عن زوجها بالملاعنة من غير طلاق، والبائنة ليس لها نفقة.
12. رِدّة الزوجة: وهنا المفروض سقوط النفقة زمان ردتها، فإن رجعت في العدّة، عادت لما يُستقبل، لانفساخ العقد في الحال، فكان بمنزلة الطلاق البائن فلا نفقة لها فيه.
الخاتمة:
وفي نهاية الكلام المختصر عن هذه الفريضة، تبيّن أنّ تشريع النفقة يأتي ضمن سلسلة الإجراءات الشرعية التي تقضي بناء أسرة مطمئنة، ومستقرة، لا يعكر صفو حياتها العوز المادي، والتخبط في الإدارة؛ كون تحديد المسؤوليات وتشخيصها من شأنه الذهاب إلى نتائج مرضية للجميع، وكذلك مراعاة التكوين -الفيسيولوجي- لجسم كل من الزوجين يفرض أن تكون هكذا الفروض والواجبات وإلا فلا، تسليمًا وإيمانًا بحكمة الخالق، والمشرّع سبحانه.
------------------------