الشيخ الدكتور جلال دشر العقابي
جامعة الكوفة/ كلية الفقه
المصدر: مجلة الولاية – العدد 200 – الصفحة (9)
إن رؤية الهلال علامة على دخول الشهر القمري الجديد باتفاق المسلمين(1)، وتعدّ رؤية الهلال موضوعًا لبعض الأحكام الشرعية، منها الصوم والعيد والحج، لقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة/ 188]، وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): ((إنه سئل عن الأهلة؟ فقال: هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فافطر))(2).
وقد ذكر الفقهاء(3) أنّ من علامات دخول شهر رمضان وغيره رؤية الهلال، بيد أنه وقع بين الفقهاء كلام في الطريقة التي تثبت بها رؤية الهلال، فهل يقتصر فيها على الرؤية بالعين المجردة؟ كما هو المشهور بين الفقهاء، أم يتعدى الى الرؤية بالآلات المقربة الحديثة ومنها المنظار والتلسكوب؟ وهو رأي بعض المعاصرين(4).
استدل القائلون بكفاية الرؤية بالعين المسلحة – الآلات الحديثة - بأدلة منها:
أولًا: إنّ النصوص الروائية العامة دلت على دخول الشهر برؤية الهلال، ففي الحديث عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا...))، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((الصوم للرؤية والفطر للرؤية، وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون))(5)، والرؤية فيها إطلاق وشمول للرؤية بالعين المجردة والعين المسلحة، فأصالة الإطلاق جارية ولم يرد مقيّد لها(6).
فكما أن الرؤية بـ (العوينات الطبية) يصدق عليها رؤية عرفًا، كذلك رؤية الهلال بـ (التلسكوب)(7).
ثانيًا: دلالة بعض الروايات الخاصة على كفاية مطلق الرؤية، ففي كتاب عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: ((سألتُه عمَّنْ يرى هلال شهر رمضان وحده ولا يبصره غيره، ألَهُ أن يصوم؟ فقال: إذا لم يشكّ فيه فليصُمْ وحده، وإلاّ يصوم مع الناس إذا صاموا))(8).
والتعبير بقوله: (يبصره وحده، ولا يبصره غيره) ظاهرٌ في انفراده بالإبصار، بحيث أنّ غيره لا يبصر، لا أنّه لم يبصر، فيدلّ ـ ولو بإطلاقه ـ على أنّه حتّى مع عدم إمكان إبصار غيره من الناس ـ كما إذا كانت عينه غير متعارفة في الإبصارـ أيضًا حكمه ذلك، فلا وجه لاشتراط الإبصار بالرؤية بالعين المتعارفة أو العادية(9).
فالرواية دالة على حجية الرؤية بشكل مطلق، وإن كانت غير متعارفة لعامة الناس.
واعترض على الأدلة المتقدمة بما يأتي:
أولًا: إن الإطلاق المدّعى في النصوص الشرعية منصرف عن الرؤية بالعين المسلحة، ويكون المقصود بالرؤية في الروايات هي الرؤية بالعين المجردة(10)، فلا يصح التمسك بإطلاق الروايات على شمول الرؤية للعين المسلحة أيضًا، من جهة أنّ الهلال كان عند العرب ميقاتًا يبتدئون به الشهر القمري، الذي اعتمدوا عليه في مختلف شؤون حياتهم، ولما جاء الدين الإسلامي الحنيف أقرّهم على ذلك، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج﴾، ومن المؤكّد أن ما يصلح أن يكون ميقاتًا للناس بصورة عامة هو الهلال الذي يظهر على الأفق المحلّي بنحوٍ قابل للرؤية بالعين المتعارفة المجردة، وأمّا ما لا يُرى إلاّ بالأدوات المقرّبة، أو ما لا يراه إلّا نادرٌ من الناس، يمتاز برؤيةٍ بصرية حادّة، فهو لا يصلح أن يكون ميقاتًا للناس عامّة(11).
فالإطلاق هنا يُصرف للمتعارف، وهذا له نظائر في الفقه، كما إذا نظّف السمكة ممّا فيها من الدم ــ وهو ما يحرم أكله وإن كان طاهرًا ــ ولكن لاحظ بالمجهر بقاء جزيئات صغيرة جدًّا من الدم فيها بحيث لا ترى بالعين المجرّدة، فإنّه لا يضرّ ذلك بجواز أكلها، لأنّ موضوع حرمة الأكل هو ما يعدّ دمًا بالنظر العرفي، وتلك الجزيئات لا تعدّ كذلك(12).
وكذلك في مسألة حد الترخص، وعلامته على رأي بعض الفقهاء بخفاء الجدران، وهو ما يمكن تشخيصه بالعين المجردة، وهو المنصرف من الأدلة إلى العين المجردة، أما لوكان الشمول حتى بالأجهزة، فسوف لا يتحقق حد الترخص، حتى وإن بلغ 20 كم(13)، فالميزان هو الرؤية الاعتيادية لا بالأجهزة المقرِّبة.
ثانيًا: أمّا صحيحة علي بن جعفر، فالمراد بقول الراوي فيها: (ولا يبصره غيره) هو أنّ الرؤية لم تتحقق ولم تحصل من غيره، ولا يعني عدم تمكُّن غيره من الإبصار، بل لعل المراد عدم إبصارهم من جهة وجود سُحب في السماء، أو عدم تجربتهم لرؤية الهلال، وعدم قوّة إبصارهم، فالأشخاص - وإن اختلفوا من حيث قوّة البصر وضعفه- كلّهم داخلون في المتعارف.
وعلى تقدير كون بصر شخص فوق المتعارف، لكنّه لا وجه للتعدّي إلى التلسكوب، فإن إلغاء الخصوصية يحتاج إلى إحراز ذلك، ولا يكفي الشكّ فيه(14).
ويمكن أن يراد من الرواية معنى آخر، ذلك بأنها (مسوقةٌ لبيان أن رؤية المتفرّد بها حجّة لنفسه، دون غيره، ولا ينعقد لها الإطلاق من جهة كون الهلال غير قابل للرؤية بالعين المتعارفة)(15).
ثالثًا: إنّ تعريف الهلال في اللغة:(غرّة القمر حين يُهِلُّهُ الناس في غرّة الشهر... وسمّي الهلال هلالًا؛ لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه)(16) ، وفي هذا شاهد على أنّ التسمية مشروط برؤيته عند نوع الناس.
رابعًا: مضافًا إلى أنّه لو بني على كون المناط في دخول الشهر بظهور الهلال في الأفق بنحو قابل للرؤية، ولو بأقوى التلسكوبات والأدوات المقرّبة؛ لاقتضى ذلك أنّ صيام النبي (صلى الله عليه وآله)والأئمة (عليهم السلام) وفطرهم وحجّهم وسائر أعمالهم التي لها أيّام خاصّة من الشهور لم تكن تقع في كثير من الحالات في أيّامها الحقيقية؛ لوضوح أنّهم (عليهم السلام) كانوا يعتمدون على الرؤية المتعارفة في تعيين بدايات الأشهر الهلالية، مع أنّهم ــ وكذلك كثير من أهل النباهة في عصرهم ــ كانوا على علمٍ بأنّه قلّما يُرى الهلال بالعين المجرّدة واضحًا ومرتفعًا في ليلة، إلّا يكون في الليلة السابقة عليها قابلًا للرؤية بأداة مقرّبة قويّة لو كانت متوافّرة، فلماذا لم يعهد منهم ولا من غيرهم التعويل على ذلك في عدّ الهلال لليلتين، عندما يُرى لأوّل مرّة واضحًا ومرتفعًا؟!(17).
يبقى شيء: وهو الاختلاف بين مسألة الرؤية بالعوينات الطبية والرؤية بالتلسكوب، لأن العوينات الطبية تصحح النظر الى المستوى المتعارف لمن هو دون المستوى الطبيعي، بخلاف التلسكوب الذي يعطي ميزة فوق النظر الطبيعي.
الخلاصة: أن المعتبر هو ما ذهب اليه مشهور الفقهاء، من اشتراط الرؤية بالعين المجرد من دون العين المسلحة. والحمد لله أولًا وآخرًا.
---------------------
1.ظ: العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء: 6/117-118.
2.الحر العاملي، وسائل الشيعة: 10/252.
3.ظ: المحقق الحلي، شرائع الإسلام: 1/ 148 ؛ والخوئي، منهاج الصالحين: 1/278؛ والسيستاني، منهاج الصالحين: 1/335.
4.ظ: اللنكراني، محمد جواد الفاضل، الموقع الالكتروني الرسمي / رسالة في اعتبار الأجهزة الحديثة في رؤية الهلال fazellankarani.com ؛ والهاشمي، محمود: ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلدٍ آخر، مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام): 31/ 64.
5.الحر العاملي، وسائل الشيعة: 10/253.
6.ظ: اللنكراني، محمد جواد الفاضل: المصدر السابق؛ والهاشمي، محمود: المصدر السابق.
7.ظ: المصدر نفسه.
8.الحر العاملي، وسائل الشيعة: 10/261.
9.الهاشمي: المصدر السابق.
10.السبحاني، الصوم في الشريعة الغراء: 144-145.
11.أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها، وفق ما أفاده سماحة السيد السيستاني، مكتب النجف الأشرف: 40.
12.ظ: الموقع الرسمي، السيد السيستاني، الاستفتاءات، رؤية الهلال.
13.السبحاني، جعفر، رسائل فقهية: 7/ 131.
14.ظ: الشهيدي، محمد تقي، المسائل المستحدثة، رؤية الهلال بالعين المسلحة، الدرس الرابع 8 ـ 8 ـ 1388هـ. ش.
15.أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها، مكتب السيد السيستاني: 41.
16.ابن منظور: لسان العرب: 6/ 349.
17.أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها، وفق ما أفاده سماحة السيد السيستاني: 42.