في جوف الليل ومع كتابة هذه السطور، تراءت لي كلمات سيدنا ومولانا الإمام عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) على وجه الصفحات، ومن الضوء المنكسر على ظلّه، وعلى الجدران الكئيبة التي جلّلها السواد.
"إلى الآن تجري يا فرات وقد قتل عندك ابن بنت رسول اللّه ظمآناً؟ إلى الآن تجري يا فرات وقد سقط آل رسول اللّه إلى جانبك"؟!
وكأن الفرات بمائهِ وموجهِ وضفافهِ طمى على الأوراق والسطور، وتفجّر من محبرتي كأنه رؤوس الهيدر، فمنذ ألف وأربعمائة عام وهو يمور من كمدهِ وغيظهِ حنقًا على الذين حالوا بينه وبين ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنذ ألف وأربعمائة عام ولم تجف دموعه على ضفتيه.
وما أشبه الفرات في جريانه بتاريخ هذه النهضة المباركة؛ فكما لا يتوقف النهر عن الجريان، لا تتوقف معاني عاشوراء عن العطاء، تستقي منها الأجيال دروس الصبر والثبات والبصيرة، وتجد فيها الأمة منارًا تهتدي به عند اشتداد الفتن واختلاط السبل.
وللمؤمنين من محبّي آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقول:
كهذا النهر الحزين، الزموا البكاء على الحسين (عليه السلام) ما حييتم، ولا تلتفتوا لأقوال المخالفين والمتخالفين وأفعالهم، فإنَّ لهذا البكاء فوائد عبادية واعتقادية، لا تعد ولا ترد، فهو يطهّر القلوب ويحطّ الذنوب، ويثبّت العقائد ويوحّد المقاصد.
قبّح الله العيش بعدك يا حسين، وعند الله نحتسبك يا أبا عبد الله.