الباحث: أحمد السهلاني
صلاح الدين
المصدر: مجلة الولاية – العدد 196 – الصفحة (54)
علي بن أبي طالب(عليه السلام) رجل الإسلام الأول بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقد كان الوصي الشرعي لخاتم المرسلين وهادِ الأمة، ووليها من بعده(صلى الله عليه وآله)، جعل الله تعالى امامته متممة لرسالة الإسلام، فقد قال عز وجل في محكم التنزيل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾[المائدة:3].
لقد سبق الإمام علي(عليه السلام) عصره في كل مجال، وتميز وتفوق في شتى المجالات العلمية والدينية والأدبية والاقتصادية، فما من علمٍ إلا وكان لأمير المؤمنين(عليه السلام) فيه السبق، إذ وضع أُسسه، وبيَّن مبادئه، ورسم حدوده، وأرسى نظرياته التي أصبحت مرتكزًا لمن جاء بعده.
الولاية لعلي(عليه السلام):
روي عن جابر الجعفي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: ((قال رسول الله لما أسري بي إلى السماء قال لي العزيز الجبار: يا محمد، إني اطلعت إلى الأرض اطلاعه فاخترتك منها، واشتققت لك اسماً من أسمائي، لا أُذكر في مكان إلاّ ذكرتَ معي، فأنا محمود وأنت محمد، ثم اطلعت الثانية اطلاعه فاخترت منها علياً، واشتققت لـه اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي، يا محمد خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين أشباح نور من نوري، وعرضت ولايتكم على السماوات وعلى الأرضين ومن فيهن، فمن قَبِلَ ولايتكم كان عندي من الأظفرين، ومن جحدها كان عندي من الكفار، يا محمد لو أن عبداً عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت لـه حتى يقر بولايتكم))(1).
وعن سالم الحناط قال: ((قلت للأمام الجواد(عليه السلام) أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِين * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾[الشعراء:193-195]، قال هي الولاية لأمير المؤمنين))(2).
روي عن عبد الله بن كثير، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) في قولـه تعالى ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾[النبأ:1-2] قال: ((النبأ العظيم الولاية؛ وسألته عن قوله: ﴿هُنالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلّـَهِ الْحَقِّ﴾[الكهف :44] قال: ولاية أمير المؤمنين))(3)، وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ((بُني الإسلام على خمس على: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم ينادَ بشيء كما نودي بالولاية))(4).
لقد كان النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) يؤكد دائماً على ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) في مختلف المناسبات، حتى آخر لحظة من حياته الشريفة، وكان من أهمها يوم الغدير، إذ قال(صلى الله عليه وآله): ((يا عليّ، أنت ولي كل مؤمن بعدي، وهذا حديث رواه الفريقان))(5).
وقال(صلى الله عليه وآله) أيضاً: ((من سرّه أن يجوز على الصراط كالريح العاصف، ويلج الجنة بغير حساب، فليتول وليي ووصيي وصاحبي وخليفتي على أهلي وأمتي علي بن أبي طالب، ومن سرّه أن يلج النار فليترك ولايته، فوعزة ربي وجلاله إنه لباب الله الذي لا يؤتى إلاّ منه، وإنه الصراط المستقيم، وإنه الذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة(6).
الدستور العلوي:
إن كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) سيد الفصحاء وإمام البلغاء بعد كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله) فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، فمن ضمن رؤية الإمام علي(عليه السلام) لبناء الدولة اعتبر الإسلام منهج حياة ورسالة ختامية، تتضمن نظامًا متكاملًا، يُعد مصدرًا أساسيًا للتشريعات العامة وقوانين الأحوال الشخصية، ومع ذلك فإن هذه الصفة لا تعني أن الدولة تتبنى نظامًا ثيوقراطيًا كهنوتيًا، يحكم باسم الدين بطريقة تسلطية تتجاهل مبادئ الحق ومقاصد العدل وحرية الاختيار، وأنها لا تعني إدارة شؤون الناس من دون قوانين وأسس وضوابط واضحة، وبناءً على هذا المبدأ كتب الإمام علي(عليه السلام) عهداً لمالك الأشتر النخعي بتأكيد تقوى الله وضرورة طاعته واتباعه، وأن جميع فئات المجتمع بمختلف طبقاتهم وشرائحهم وأديانهم ومذاهبهم متساوون أمام الشريعة والقانون في هذه الدولة الاسلامية، وأن أموالهم ودماءهم وأعراضهم تُعتبر محرمة، ويجب حمايتها وصونها ؛ من دون أي تمييز أو تفضيل بينهم، فالإنسان بما هو إنسان هو المكرّم في مدرسة أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، ولم يفرق في ذلك بين المسلم والكافر والمخالف والمؤالف، ومن اراء المستشرقين في تراث الامام علي(عليه السلام)المقولة المشهورة: ((أن الإمام علي لم ير المشرق أميراً أكثر مِنْهُ فَضِيلَة))(7).
ومن الكلمات الخالدة لمولى المتقين وقائد الغر المحجلين التي صيغت وقدمت للمجتمع بعد قرون من الزمن بعبارات أخرى هو قوله(عليه السلام) في الناس: ((فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرُ لَكَ فِي الْخُلْقِ)) كتب ذلك في عهده(عليه السلام) لمالك الاشتر عند توليه مصر، إذ جاءت المادة الأولى من الاعلان العالمي لحقوق الانسان بالآتي ((يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم ان يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء))(8).
ترى نظريات قيمة العمل الحداثوية أن العمل هو مصدر جميع القيم الاقتصادية، ومنها وجهة نظر (ديفيد ريكاردو وآدم سميث وغيرهما - من خبراء الاقتصاد التقليديين) وهي قائمة على التمييز بين (عبيد الأجور) و(العبيد الحقيقيين) في هذه النظرية مع النظر إلى كليهما بوصفهما سلعًا، وجاء التقييم على مبدأ أخلاقي، لأن (عبيد الأجور) يقدمون طوعًا قوى عملهم الخاصة للمشتري مقابل سعرٍ زهيد، في حين أن (العبيد الحقيقيين) وفقًا (لماركس) لا يتمتعون بمثل هذه الحقوق، مع أن (مذهب التجاريين) أي: التجار هو مبدأٌ يدعو إليه الاقتصاد الكلاسيكي، فإنه يُعد مبهمًا أخلاقيًا في المؤلفات الأكاديمية(9).
وقبل هذا كله شخّص الإمام علي(عليه السلام) هذه النظريات، ووضع الحلول لها، فعندما يصبح الأمر حتمياً يتضح الانحراف بشكل كبير، ما يعيق عمل السلطات ويقيدها عن أداء واجباتها، ويعدّ الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) من أوائل المصلحين على وجه الأرض، ومن المعروف أن نظرة الإسلام للإصلاح تتسم بالشمولية، إذ تهتم بالحاجات المعنوية والإيمانية إلى جانب الحاجات المادية، فعندما تولى أمير المؤمنين(عليه السلام) خلافة الامة الإسلامية بدأ بإصلاحات إدارية واقتصادية لمواجهة الانحراف الكبير الذي شهدته الأمة عن المسار المستقيم، الذي رسمه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، فقد وطّد الامام علي(عليه السلام) نُظم الحماية الاجتماعية، وفي مجتمع الكفاف، الذي كان سائداً في دار الإسلام، التفت الإمام علي(عليه السلام) إلى أهمية تأسيس نظام للحماية الاجتماعية لجميع الفئات، بصرف النظر عن الهوية القومية والعرقية والدينية، تأسيساً على قاعدة الناس ((إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)) التي كان ملتزماً بها، ويطبقها في جميع المواقف.
وفي عصر عمر بن الخطاب أقترح الإمام (عليه السلام) أن تكون هناك أموال تخصص للضمان الاجتماعي، كما كان سائداً في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله)، تؤخذ من الفائض بعد توزيع العطاء للفئات المستحقة للزكاة، ممن لا يضمن عطاؤهم العيش الكريم لهم ولأسرهم، لذا اقترح(عليه السلام) مبدأ الضمان الاجتماعي، وطبقه في سنوات خلافته المباركة، أما الفئات المشمولة بالضمان الاجتماعي فهم (اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين والسجناء والفقراء غير المسلمين)، فقد كان يدعو اليتامى من أجل أخذ حصصهم من أموال بيت المال، التي يتم تحصيلها وقد كان يباشر هذه الأمور بنفسه(10).
وإذا نظرنا إلى أبرز التعريفات المعاصرة للتنمية المستدامة يمكننا وصفها بأنها ميثاق شامل ومتوازن يشارك فيه الجميع، بدءًا من القاعدة وصولًا إلى القمة، أي من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي، وتؤكد أهمية تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية، فضلا عن العدالة بين الأجيال المتعاقبة في تلبية الاحتياجات الأساسية لضمان الرفاهية والعيش الكريم، وتركز التنمية المستدامة على ثلاثة أبعاد رئيسة:
- البعد الاقتصادي (النمو).
- البعد الاجتماعي (العدالة).
- البعد البيئي (حمايته).
إذ تتناول التغيرات في المجالات الزراعية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية(11)، أضف إلى ذلك تُعدّ البيئة الإدارية الأكثر عرضة للفساد المالي والإداري؛ نظرًا لقربها من المال والسلطة وتفاعلها المستمر مع الجمهور، فالمسؤول الذي يستفيد من هذا الفساد لا يمكنه أن يسهم في الإصلاح، بل يصبح عائقًا أمــامه.
تُعد النزاهة شرف الفرد وعنوان مروءته ويُعتبر الإمام علي(عليه السلام) رمزًا بارزًا للنزاهة وقائدها في مواجهة التحديات وصعوبات الطريق، ولطهارة نفسه وقربه من الله عزوجل ورسوله(صلى الله عليه وآله) لم يدخر جهدًا في مكافحة الفساد المالي والإداري، سواء مع ولاة الأمر البعيدين أم المقربين منه، والحوادث كثيرة على اثبات وتبيان ذلك، سواء في المدينة المنورة أم الكوفة أم في غيرها من بقاع المعمورة.
ــــــــــــــــ
1. بحار الأنوار: للمجلسي 16/ 361-362.
2. الشيخ الكليني، الكافي: 1 /412.
3. المصدر نفسه: 1/418.
4. المصدر نفسه: 2/18.
5. القندوزي، ينابيع المودة: 2 / 86.
6. الصدوق، الامالي: 288.
7. جوهان يعقوب ريسكي، أسبوع وليد الكعبة.
8. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
9. Unequal Freedoms the Global Market as an Ethical System: John Mc Murty 94-95 Adam Smith and the Ethics of Contemporary Capitalism: Jones Bassiry12\8:621-627.
10. الشرهاني، التغيير في السياسة المالية في خلافة الإمام علي بن أبي طالب: 272 - 277.
11. http://ansd.info/main/print.php?id=10540.