100%
بلسانٍ علويٍّ مُبين

تجليات الفكر الإنساني والسياسي في نهج البلاغة دراسة في منهج الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)

م.م تمار رزاق الشرماني

 جامعة الكوفة - كلية الآداب

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 203 – الصفحة (39)

 

حظي نهج البلاغة، ولا سيما عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر بدراسات واسعة، تناولت أبعاده السياسية وآليات الحكم الرشيد فيه، ولم يكن ذلك الاهتمام وليد العاطفة الدينية فحسب، بل لأن هذا العهد يعد نظاماً تأسيسياً في الفكر السياسي الإسلامي، الذي قدم رؤية متكاملة لإدارة الدولة، تقوم على أسس أخلاقية ومؤسساتية في آن واحد.

وفي سياق اختيار الولاة والعمال، يضع الإمام معيارين حاكمين لا غنى عنهما، هما الكفاءة والنزاهة، فهو يؤكد البعد الأخلاقي حين يقول: ثم الصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة.

 

 

يُعد كتاب "نهج البلاغة"، الذي جمعه الشريف الرضي، مدونةً فكريةً شاملة تمثّل فلسفة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الوجود، والحكم، والنفس البشرية، وينفرد الفكر العلوي في هذا الكتاب بكونه مزيجاً بين النص الوحياني (تأثراً بالقرآن والسنة) وبين العقل البرهاني، مما جعله مرجعاً ليس للمسلمين فحسب، بل للمفكرين الإنسانيين باختلاف مشاربهم.

 

الرؤية الكونية والفلسفة الإلهية (المنطق التوحيدي):

لم يكن الإمام علي (عليه السلام) يعرض التوحيد كمسألة عقدية جافة، بل كفلسفة وجودية عميقة، في خطبه (ومنها الخطبة الأولى)، يتناول مفهوم الذات الإلهية بعيداً عن التشبيه والتجسيم، مؤصلاً لمدرسة عقلية في معرفة الله:

-التنزيه المطلق: "كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه"، ويقصد هنا الصفات الزائدة على الذات التي تقتضي التعدد.

-العلاقة بين الخالق والمخلوق: يعرض الإمام فكرة "البينونة" (أي الانفصال في الماهية والاتصال في الإحاطة)، وهو ما يُعرف في الفلسفة الإسلامية لاحقاً بـ "وحدة الشهود" أو الإحاطة القيومة(1).

الفلسفة السياسية والعدالة الاجتماعية:

يُعتبر فكر أمير المؤمنين (عليه السلام) السياسي في نهج البلاغة، ولاسيما في عهده لمالك الأشتر، قمة ما وصل إليه الفكر الإداري والسياسي:

-الإنسانية فوق الأيديولوجيا: في مقولته الشهيرة: "فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق"، هذه القاعدة أسست لمفهوم "المواطنة العالمية" قبل تدوين مواثيق حقوق الإنسان بقرون.

-تلازم الحق والواجب: يرى الإمام(عليه السلام)أن السلطة ليست امتيازاً بل مسؤولية، وأن "الحق لا يجري لأحد إلا جرى عليه"(2).

-الرقابة والطبقات الاجتماعية: ركز الإمام (عليه السلام) على حماية "الطبقة الفقيرة" (المساكين والمحتاجين) كمعيار لنجاح الدولة أو فشلها(2).

الزهد الفعال ومنظومة القيم الأخلاقية:

الزهد عند الإمام علي (عليه السلام)في نهج البلاغة ليس "رهبنة" أو اعتزالاً للحياة، بل هو حرية نفسية:

- تعريف الزهد: "الزهد كله بين كلمتين من القرآن:﴿ّلِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾[الحديد: 23]".

-نقد الدنيا: يصور الإمام (عليه السلام) الدنيا كـ"دار ممر لا دار مقر"، والهدف من هذا التصوير هو كسر طغيان المادة على الروح؛ لتمكين الإنسان من اتخاذ قرارات أخلاقية شجاعة من دون خوف من فقدان المكاسب المادية(3).

 

العقل والعلم في المنهج العلوي:

يحتل "العقل" مكانة مركزية في نهج البلاغة، (صلى الله عليه وآله) اعتبره الإمام(عليه السلام) "رسول الحق" و"أصل الإنسان":

- التمييز بين العقل المطبوع والمسموع: يرى (عليه السلام)  أن العلم لا ينفع إذا لم يكن هناك استعداد عقلي فطري لاستيعابه وتطبيقه.

-الحث على التجربة: "وفي التجارب علم مستأنف"، مما يؤصل للمنهج التجريبي في فهم سنن الحياة والتاريخ.

 

عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر:

 هذا العهد لا يُنظر إليه اليوم كمجرد وثيقة دينية، بل بوصفه أول "ميثاق للحوكمة" في التاريخ، ويتم تدريسه في بعض الجامعات الغربية كنماذج متقدمة في الإدارة.

 

الإدارة والسياسة في عهد مالك الأشتر: تحليل مقارن مع نظريات الإدارة الحديثة

يُعد هذا العهد (الرسالة رقم 53 في نهج البلاغة) وثيقة دستورية متكاملة، ويمكننا تفكيكها إلى عدة محاور إدارية حديثة:

1. فلسفة الحوكمة الشاملة:

في الإدارة الحديثة، نتحدث عن "المسؤولية الاجتماعية" و"حقوق أصحاب المصلحة"، والإمام علي (عليه السلام) وضع القاعدة الذهبية:

((وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم... فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق))

المنظور الإداري: هذا هو جوهر إدارة التنوع، إذ إن الحاكم أو المدير الناجح لا يميز بين الأفراد بناءً على خلفياتهم، بل بناءً على "المواطنة" أو "العضوية" في المنظمة(5).

2. معايير الاختيار والتوظيف:

وضع الإمام (عليه السلام) شروطاً دقيقة لاختيار الوزراء والموظفين، وهي تتطابق مع معايير الموارد البشرية المعاصرة:

-تجنب "البطانة الفاسدة": حذر (عليه السلام)من اختيار مَنْ كان للظلمة وزيراً.

-الاختيار على أساس الخبرة "توخَّ منهم أهل التجربة والحياء".

-الكفاية المالية: "ثم أسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم".

المنظور الإداري: هذه هي "نظرية الحوافز"؛ توفير حياة كريمة للموظف، يمنع الفساد الإداري والارتشاء(6).

3. التنمية المستدامة والسياسة المالية:

في مبحث "الخراج" (الضرائب)، قدم الإمام رؤية اقتصادية تسبق زمانها:

((وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استبراء الخراج، لأن ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة؛ ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد))

المنظور الإداري: هذا هو الفرق بين الإدارة الجبائية والإدارة التنموية، يؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام)أن "الاستثمار في البنية التحتية" هو الذي يولد الدخل المستدام، وليس مجرد تحصيل الرسوم(8).

4. الرقابة والشفافية:

أسس الإمام لنظام "الرقابة السرية" لضمان جودة الأداء:

((ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية))

المنظور الإداري: هذا ما نسميه اليوم التدقيق الداخلي أو "المتسوق الخفي" لضمان جودة الخدمة الحكومية ومكافحة البيروقراطية(عليه السلام) (9).

تحليل هيكلي لطبقات المجتمع:

قسّم الإمام علي (عليه السلام) المجتمع إلى طبقات (الجنود، القضاة، العمال، التجار، الطبقة السفلى)، وأوضح أن صلاح كل طبقة مرتبط بصلاح الأخرى (10).

 

الخلاصة:

إن فكر الإمام علي في كتاب نهج البلاغة يتجاوز الزمان والمكان؛ لأنه خاطب "الجوهر الإنساني"، لقد نجح الكتاب في تقديم أنموذج للمثقف العضوي الذي يجمع بين عمق الميتافيزيقيا وواقعية السياسة وصلابة الأخلاق.

 

 

 

--------------------------

1.الشريف الرضي، نهج البلاغة: 20- 38.

2.ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج : 53.

3.جورج جرداق، علي وصوت العدالة الإنسانية : 51-68.

4.مرتضى مطهري، في رحاب نهج البلاغة: 28.

5.هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية: 15.

6.الأمم المتحدة (تقرير التنمية البشرية لعام 2002)، أشار التقرير إلى عهد الإمام علي (عليه السلام) كنموذج لنشر المعرفة وتعزيز الحوكمة: 1-4

7.كوفي عنان (أمين عام الأمم المتحدة الأسبق): له قول مشهور في الاستشهاد بهذه الوثيقة كأعدل وثيقة حقوقية بعد القرآن: 1.

8.عباس العقاد، عبقرية الإمام علي: 8.

9.زكي نجيب محمود، قيم من التراث: 45-50.

10.سليمان كتاني، الإمام علي نبراس ومتراس: 73.