د. جنان الزيدي
مديرية الوقف الشيعي/ النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (9)
كان الإمام الجواد (عليه السلام) مهوى قلوب القاصدين لطلب المعرفة الإلهية، لجلاء ما يحيّرهم من المسائل العويصة، التي لا يمكن فهمها من دون تلك المعرفة الخاصّة بكتاب الله العظيم، ومن طريق ما أجاب عنه الإمام الجواد (عليه السلام) وصلت إلينا ثروة قرآنية عظيمة، وهو يُبيّن القرآن الكريم على المستوى العقدي والفقهي والأخلاقي، ومن جملة ما وصلنا منه (عليه السلام)ما تناوله في شأن النبي (صلى الله عليه وآله) وتنزيهه عن النقص، المتوهم عن جهلٍ أو المزعوم عن قصدٍ.
فقد روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) (ت: 381هـ) بسندٍ متصلٍ قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله محمد بن خالد البرقي، عن جعفر بن محمد الصوفي، قال: ((سألت أبا جعفر محمد بن علي الرضا (عليهما السلام)، فقلت له: يا ابن رسول الله! لمَ سُمي النبي (صلى الله عليه وآله) الأُمي؟ فقال: ما يقول الناس؟ قلت: يزعمون أنه سُمي الأُمي؛ لأنه لم يكتب، فقال (عليه السلام): كذبوا، عليهم لعنة الله، أنى ذلك، والله عز وجل يقول في محكم كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّـينَ رَسُولا مِّنهُم يَتلُواْ عَلَيهِم ءَايَٰتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَٰبَ وَالحِكمَةَ﴾ [الجمعة: 2] فكيف كان يعلمهم ما لا يُحسن؟ والله لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقرأ ويكتب باثنين وسبعين، أو قال: بثلاثة وسبعين لسانًا، وإنما سُمي الأُمي؛ لأنه كان من أهل مكة، ومكة من أُمهات القُرى، وذلك قول الله عز وجل: ﴿ِّتُنذِرَ أُمَّ القُرَىٰ وَمَن حَولَهَا﴾ [الشورى: 7]))(1).
وبقراءة متأنية للرواية نستنج من كلام الإمام الجواد (عليه السلام) عددًا من المعارف القرآنية المتفردة القائمة على دفع شبهة النقص لشخص رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نُشير إلى أهمها على النحو الآتي:
أولًا: الردّ على زعم المخالفين بأن نبيّنا محمداً (صلى الله عليه وآله) لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وإثبات معرفته (صلى الله عليه وآله) بهما، من طريق استنطاق السائل وتوجيه سؤالٍ له قبل الإجابة عن سؤاله: (ما يقول الناس؟) في رؤية علمية مقصودة منه (عليه السلام) لمعالجة ما يدور على ألسن المخالفين لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) آنذاك، وهو على علمٍ به، فالإمام الجواد (عليه السلام)كان بإمكانه الإجابة مباشرةً وبشكلٍ محدودٍ بحسب السؤال الموجّه إليه، لكنه (عليه السلام) بهذا الأسلوب استطاع أن يستثمر الفرصة المناسبة في الردّ على شبهةٍ عقدية وإشكالٍ معرفي لطالما توهم الناس فيه.
ثانيًا: إثبات استحقاق الطرد من رحمة الله عز وجل عقوبة لمَن يعتقد بذلك، بقوله (عليه السلام): (كذبوا، عليهم لعنة الله)، فالكذب بحد ذاته معصية تستوجب العقوبة، وإثبات صفة الكذب على الأنبياء معصية أكبر، زيادةً على ذلك أن هذا الاعتقاد يُفضي إلى نسبة النقص إلى أكمل إنسان في الوجود نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو ما لا يمكن تصوره، فضلا عن انعدام إمكان تحققه في الواقع، والمحصلة جاء اللعن للكذب على النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو حتمًا مما يؤذيه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنيَا وَالأٓخِرَةِ﴾ [الأحزاب: 57].
ثالثًا: قبل البدء بالجواب يُقدِّم الإمام الجواد (عليه السلام) أداة الاستفهام: (أنّى ذلك) وتعني: (كيف ذلك؟) وتستعمل أحيانًا في التعجُب من كيفية حدوث أمرٍ يمكن وصفه بأنه بدهي؛ كونه يُستدل عليه بالعقل، وهو أسلوب قرآني أيضًا قال تعالى: ﴿فَأَنَّىٰ لَهُم إِذَا جَآءَتهُم ذِكرَىٰهُم﴾ [محمد: 18]، وبعد تهيئة العقل وتحفيزه بالتفكُّر في الرأي المزعوم يستشهد الإمام الجواد (عليه السلام) على نفي ما يزعم القوم بأعلى مستويات الاستشهاد النصّي، بتقديم الدليل القرآني القطعي بقوله تعالى:﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَٰبَ وَالحِكمَةَ﴾، ويُعقِب بمنطق العقل بقوله (عليه السلام): (فكيف كان يعلمهم ما لا يُحسن؟)، فالأمر البدهي يقضي بأن فاقد الشيء لا يُعطيه.
رابعًا: يُشير الإمام (عليه السلام) إلى نكتةٍ معرفية في حقل علوم القرآن وتفسيره؛ وذلك ببيان الفرق بين ما يُستشهد به من آيات القرآن الكريم وتوظيف الآيات المحكمة الدالة على معنى واضح لا مجال أن ترد عليه الاحتمالات، أو تتعدد فيه المعاني، بخلاف الآيات المتشابهة التي يتردد تحديد معناها، فلا يمكن الاحتكام إليها، فيقول: (والله عز وجل يقول في محكم كتابه)، فالأمر الذي يدعو إلى أن يكون الاستشهاد القرآني-في هذه المسألة- لا يمكن الإشكال عليه أو مناقشته والنظر فيه.
خامسًا: توظيف طريقة تفسيرية لطالما اعتمدها أهل البيت (عليهم السلام) في قطع الشك في بيان المراد الإلهي عند السائلين من المخالفين وغيرهم، وهي ما يُسمى بمنهج تفسير القرآن بالقرآن، وهو من أفضل المناهج التفسيرية، فورد السؤال عن معنى الأُمي في سياق يُشير إلى نصٍ قرآني مستتر لم يُصرّح به وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم فِي التَّورَىٰةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]، فالإمام الجواد (عليه السلام) يستعين في بيان مراد الله عز وجل من لفظة (الأُمي) بنصٍ قرآنيٍ آخر يستبطن وظيفتين معًا، الأولى تعمل على إثبات وصف الأُمية للعرب جميعًا ممن يُحسن القراءة والكتابة أو مَن لا يُحسنهما؛ لأن الواقع يقضي بمعرفة بعض العرب للقراءة والكتابة حتمًا، ومع ذاك يصفهم القرآن الكريم بأنهم أُميّون، والثانية تعمل على إثبات تعليم النبي (صلى الله عليه وآله) الكتاب والحكمة للمسلمين، فالنص المُستشهد به اختير بعناية لأداء هاتين الوظيفتين.
سادسًا: إثبات معرفة النبي(صلى الله عليه وآله) باللغات الأخرى، فقد بيّن الإمام الجواد (عليه السلام) لنا أن جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) كان يُحسن القراءة والكتابة لا بلغة واحدة فحسب، بل بثلاث وسبعين لغة، إلا أنه لم يُرَ من قِبل معاصريه أنه كذلك، ولم يحضر مجلس علم أو تتلمذ على يد أحد؛ لئلا يتخذها كفار قريش ذريعةً لاتهامه بأنه تعلّم من غيره، فيُشككون بما جاء به هو من طريق تعلّمه الخاص، ففوّت عليهم ذلك بحكمة إلهية، ولعلّه (صلى الله عليه وآله) كان يُرى كأنه أُميٌّ -لا يقرأ ولا يكتب-، والواقع أنه لو أراد القراءة والكتابة لفعل، ولكنه لم يُنقل أنه فعل ذلك؛ حِفظًا على سلامة القرآن من التشكيك فيه، ودعمًا لموضع إعجازه، إذ صدوره على يد شخصٍ من مجتمعٍ لا عهد له بالعلم والتعلّم، وعدم رؤيته يقرأ أو يكتب لا ينفي عنه معرفتهما، فقد لا يكتب الكتاب مَن يُحسنه، كما لا يكتب مَن لا يُحسنه؛ ذلك لأنّ القدرة على الكتابة والقراءة كمال، ولا يخلو النبيّ (صلى الله عليه وآله) من هذا الكمال، فهو سيد الخلق وأكملهم أجمعين، كما أنّ الأمّية عيّ ونقص يتحاشاه مقام النبوّة الكريم(2)، وتتمثل الحكمة في عدم كتابة الرسول(صلى الله عليه وآله) وقراءته في قوله تعالى: ﴿ّوَمَا كُنتَ تَتلُواْ مِن قَبلِه مِن كِتَٰب وَلَا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ إِذا لّارتَابَ المُبطِلُون﴾ [العنكبوت: 48].
كما نفى عنه قول الشعر، في حين كان أغلب العرب يُحسنون قول الشعر، وهو من صنائعهم المتقنة التي يتفاخرون بها، فكيف بمن هو أفصحهم (صلى الله عليه وآله)؟ ولكن لحكمة الله تعالى جعل النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقل شعراً؛ كي لا يُنال من مقام القرآن الكريم، ويُتهم بأنه من تأليفه، كونه شاعرًا وله القابلية على الإتيان بمثل القرآن الكريم، ويتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿ّوَمَا عَلَّم انَٰهُ الشِّعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلَّا ذِكرا وَقُرءَان مُّبِين﴾ [يس: 69]، فنفي الشعر وعدم نظمه لا يُعدُّ منقصةً في حق النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما لحكمة.
سابعًا: تقديم السبب المنطقي لوصف النبي (صلى الله عليه وآله) بالأمّي، وحصره بأداة الحصر (إنما) وهو نسبة إلى أم القرى أي مكة، من دون غيره من الأسباب المُتكلّفة، فيكون المعنى أنه نبي مكّي، ويُقدِّم الدليل القرآني عليه بقوله تعالى: ﴿هُو َالذي بَعَثَ فِي الأمّيينَ﴾ فوصف جميع المكيين بأنهم أميّون، مع أنهم ما كانوا جميعًا لا يحسنون القراءة والكتابة، وإنما وصفهم بذلك نسبة إلى مكة المكرمة لا غير، فمعنى ﴿رَسُولا مِّنهُم﴾ أي: من جنسهم عربيًا، يعرفون نسبه وصدقه، وليس غريبًا عنهم، فيحسم الإمام(عليه السلام) الأمر بالتعليل القرآني لتسمية النبي (صلى الله عليه وآله) بالأُمي نسبةً إلى مكة (أُم القُرى)، ومرة أخرى يُوظف الإمام المنهج القرآني بالتفسير بقوله: (لأنه كان من أهل مكة، ومكة من أُمهات القُرى)، ثم يأتي بالنص القرآني المثبت لهذه التسمية، وهي تسمية معروفة تاريخيًا عند العرب ممن عاصر نزول القرآن الكريم، فقد روي عن ابن عباس قوله: ((الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب))(3)، ومن هذا النص التاريخي لابن عباس نستطيع القول:(إن الأميين هم العرب؛ لأنهم كانوا أهل شرك، وليس لهم كتاب، وليس للفظة صلة بالأمية التي تعني الجهل بالقراءة والكتابة، وعند التحقيق بلفظة (أُميّ) و(أُميّة) نجد أنها لم تكن تعني عند الجاهليين معنى عدم القراءة والكتابة والجهل بهما، وإنما كانت تعني عندهم: مشركين ووثنيين، وهو المعنى الذي ورد في القرآن الكريم، والذي نعت الرسول فيه بالأُمي؛ لأنه من العرب، ومن قوم ليس لهم كتاب، عرفوا بذلك من قبل أهل الكتاب اليهود، أما تفسيرها بالجهل بالكتابة والقراءة، فقد وقع في الإسلام)، أخذوه من ظاهر معنى لفظة "الكتاب" الواردة في القرآن، فظنوا أنها تعني "الكتابة" بينما المراد منها الكتاب المُنزل، لعدم انسجام تفسيرها بالكتابة مع معنى الآية، ودليل ذلك أنهم لما فسروا (الأُمية) بمعنى عدم القراءة والكتابة حاروا في إيجاد مخرج لهذا التفسير، فقالوا ما قالوه في تفسيرها من أنها سميت بالأمية؛ لأنها على خلقة الأمة؛ أو لأنها على الجبلة والفطرة، وأصل ولادة الأمهات وما شاكل ذلك من تفاسير مضطربة باردة، تخبر أن علماء اللغة لم يجدوا لها أصلًا ووجودًا عند الجاهليين، فلجأوا إلى هذه التعليلات(4).
ومن موقف الإمام الجواد (عليه السلام) المتقدم يتبين اختصاص أهل البيت (عليهم السلام) بالعلم اللدني والمعرفة القرآنية، لبيان مفهوم (الأُميّة) في القرآن الكريم؛ دفعًا لما يتوهّمه الجاهلون أو يتخرّصه المخالفون في نفي معرفة النبي (صلى الله عليه وآله) بالقراءة والكتابة، وأقصى ما أراده القرآن الكريم هو عدم اظهارهما أمام المشركين المبطلين، لا لأنه لم يكن يعرفهما، بل لحكمة في إخفائهما، علّلته الآية في ذيلها بالمنع من ارتيابهم وقطع الطريق أمامهم في التشكيك في إعجاز القرآن الكريم.
----------------
1.الصدوق، معاني الأخبار: 53، ظ: الصفار، بصائر الدرجات: 5/246.
2.ظ: الطوسي، التبيان: 8/193، ظ: معرفة، تلخيص التمهيد:1/ 118.
3.القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 18/ 91.
4.ظ: جواد علي، المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام: 15/ 104-105.