محمّد علي بردى
لبنان
المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (87)
كما بينا في الحلقتين الأولى والثانية مفهوم الهجرة في الإسلام وأبعادها، ثم مفهوم التعرب بعد الهجرة، والهجرة في المنظور الفقهي، وتم توضيح الإشكالات حول استقرار المؤمنين في بلاد الغرب، ثم المخاوف على المؤمنين وأهليهم في بلاد الكفار والوقوع في الحرج، ونستكمل الحديث بالاتي :
* إنّه لا بُدَّ من وجود من يبلّغ تعاليم الإسلام في بلاد الغرب.
نقول: لا شكّ في أنّ تبليغ المعارف والأحكام الإسلاميّة من أهمّ الواجبات، لا سيّما إذا كان المبلّغ قادراً على التّبليغ في بلاد الشّرك أكثر من بلاد الإسلام، وهو ما ورد في بعض الأخبار أيضاً، فقد روى الشيخ الطّوسيّ بإسناده عن حمّاد السّمندريّ، قال: قلت لأبي عبدالله جعفر بن مُحمّد (عليه السلام): إنّي أدخل بلاد الشّرك، وإنّ من عندنا يقول: إنّ متّ ثَمّ حشرت معهم. فقال (عليه السلام) لي: "يا حمّاد، إن كنت ثَمّ تذكر أمرنا وتدعو إليه؟" قلت: نعم. قال (عليه السلام): "فإذا كنت في هذه المُدُن – مُدُن الإسلام – تذكر أمرنا وتدعو إليه؟" قلت: لا. فقال (عليه السلام) لي: "إنّك إن متّ ثَمّ حُشرت أُمّةً وحدك، وسعى نورك بين يديك"(1).
ذلك أنّ الإقامة في دار الكفر ليست قبيحة في ذاتها. قال الشيخ أبو الصّلاح الحلبيّ: "الإقامة لو قبحت بحيث يقع الكفر المتعذّر إنكاره مع كراهيّة، لقبحت الإقامة في كلّ دار وقع فيها كفر ما أو فسق لا يتمكّن المقيم من إنكاره بيده ولسانه، وقد أجمع المسلمون على خلاف ذلك. يوضّحه علمنا بإقامة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكّة، وهي دار كفر مع تعذُّر الإنكار وكذلك حال أمير المؤمنين (عليه السلام) في المدينة في خلافة المتقدّمين عليه في مقام الإمامة، وحال ذرِّيَّته بكلّ دار دخلوها من دور أهل الضّلال، وحال جميع علماء القبلة وعبادها. وذلك برهان على أنّ الإقامة بدار الكفر لا يقبح من حيث كانت إقامة بها، وإنّما يقبح إذا كانت مقيّدة، وإن كان الأولى تجنُّبها إلّا أن يكون المقيم متمكّناً من المظاهرة بالحقّ ونصرته بالحُجّة، فيكون الإقامة أفضل"(2).
أمّا أن تُترك نُصرة الحقّ وأن يُقتصر على ما لا يزاحم الطّواغيت ووُلاة الجور ففيه كلام من جهتين: أوّلاً: من جهة حكم سكوت العلماء وتركهم للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وثانياً من جهة خطر رضى النّاس بأفعال وُلاة الجور وتأثير ذلك في عاقبتهم. والجهة الثّانية تعود إلى الأُولى في الواقع باعتبار أنّ الضّامن لعدم انقلاب الحقّ إلى باطل وجهل النّاس به هو وفاء العلماء بما أخذ الله تعالى عليهم "أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم"(3)، وما يجب عليهم من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر،
لذا قال الشيخ أبو الصّلاح الحلبيّ: "إن كان مظهر الإيمان والحُجّة به ومنكر الكفر والممتنع من إظهار شعائره في رتبة من يكون ذلك منه إعزازاً للدّين كرؤساء المسلمين في العلم والدّين والعبادة وتنفيذ الأحكام، فالأولى به إظهار الإيمان والامتناع من كلمة الكفر، فإن قُتل على ذلك فهو شهيد، ويجوز له ما أُكره عليه. وإن كان من أطراف النّاس وممّن لا يؤثر فعله ما أُكره عليه أو اجتنابه عزًّا في الدّين ففرضه ما دُعي إليه فليورِ بكلامه ما يخرج به عن الكذب، ولا يحلّ له ما جاز لمن ذكرناه من رؤساء الملّة على حال"(4).
وقال الإمام الخمينيّ: "لو كان سكوت علماء الدّين ورؤساء المذهب أعلى اللَّه كلمتهم موجباً لجرأة الظّلمة على ارتكاب سائر المحرّمات وإبداع البدع، يحرم عليهم السّكوت، ويجب عليهم الإنكار، وإن لم يكن مؤثّراً في رفع الحرام الذي يرتكب"(5)، كما أفتى في المسألة التي بعدها قائلاً: "لو كان سكوت علماء الدّين ورؤساء المذهب أعلى اللَّه كلمتهم موجباً لإساءة الظنّ بهم وهتكهم وانتسابهم إلى ما لا يصحّ ولا يجوز الانتساب إليهم(6)، ككونهم نعوذ باللَّه أعوان الظّلمة، يجب عليهم الإنكار لدفع العار عن ساحتهم ولو لم يكن مؤثّراً في رفع الظّلم"(7).
وأمّا الجهة الثّانية، فقد جاء في الرّوايات ما يؤكّد خطورة هذه المسألة، إذ روى الشيخ الكلينيّ بإسناده عن أبي عبدالله عليه السَّلام، قال: "إنّ الله لا يستحيي أن يعذّب أُمّةً دانت بإمام ليس من الله، وإن كانت في أعمالها برّةً تقيّة، وإنّ الله ليستحيي أن يعذّب أُمّةً دانت بإمام من الله، وإن كانت في أعمالها ظالمةً مسيئة"(8).
وروى الشيخ النّعمانيّ بإسناده عن عبدالله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي أخالط النّاس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولّونكم - ويتولّون فلاناً وفلاناً - لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولّونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصّدق. فاستوى أبو عبدالله (عليه السلام)جالساً وأقبل عليّ كالمغضب، ثمّ قال: "لا دين لمن دان بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله". قلت: لا دين لأُولئك، ولا عتب على هؤلاء؟! قال (عليه السلام): "نعم، لا دين لأُولئك، ولا عتب على هؤلاء"، ثمّ قال (عليه السلام): "أما تسمع قول الله عزّ وجلّ: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾يعني من ظلمات الذّنوب إلى نور التّوبة والمغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل من الله، ثمّ قال:﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ فأيّ نور يكون للكافر فيخرج منه، إنّما عني بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام، فلمّا تولّوا كلّ إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إيّاهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النّار مع الكفّار، فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(9).
* إنّ المنوط على التّربية الأُسريّة، فإذا صلحت صلحت الأجيال وإلّا فلا، بدون فرق في ذلك بين البلاد الإسلاميّة وبلاد الشّرك.
هذا ما ذُكر في أواخر المحاضرة من أجل معالجة القضيّة، وهو صحيح إجمالاً، إلّا أنّه يقع الكلام في توافُر او عدم توافُر عوامل ومقوّمات هذه التّربية الإسلاميّة في المحيط العام، كوسائل تحصيل المعرفة الدّينيّة الكافية لردّ الشُّبهات العقديّة ودفع الانحرافات الفكريّة والثّقافيّة، أو ما يعالج نقوص اللُّغة العربيّة من جيل إلى جيل وصيرورة مصادر الثّقافة الدّينيّة محدودة أكثر فأكثر، ونحو ذلك. ثُمّ لا يخفى أنّ التّربية الصّحيحة وحدها لا تُحقّق البُعد القياديّ والاجتماعيّ للهجرة؛ لأنّها لا تعالج العوامل الخارجيّة المانعة عادةً من الحضور الفاعل في اللّحظات المصيريّة، كما لو وجب الدِّفاع عن بيضة الإسلام والمسلمين – أي أصلهم ومجتمعهم وحوزتهم وموضع سلطانهم – أو مقاطعة بضائع ومنتجات عدوّ من أعداء المسلمين.
مع أنّنا نعلم: أنّ المؤمنين في بلاد الغرب معنيّون بذلك، ليس لأجل وجوب الاهتمام بأُمور المسلمين فحسب، بل لما يُحتمل من عدم تحصيل الكفاية في الدِّفاع في بعض الحالات مثلاً. قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء في القسم الرّابع من أقسام الجهاد: "الجهاد لدفعهم عن بُلدان المسلمين وقُراهم وأراضيهم، وإخراجهم منها بعد التَّسلُّط عليها، وإصلاح بيضة الإسلام بعد كسرها، وإصلاحها بعد ثلمها، والسّعي في نجاة المسلمين من أيدي الكَفَرَة الملاعين. ويجب على المسلمين الحاضرين والغائبين إن لم يكن في الثّغور من يقوم بدفعهم عن أرضهم أن يتركوا عيالهم وأطفالهم وأموالهم، ويهاجروا إلى دفع أعداء الله عن أولياء الله. فمن كان عنده جاه بذل جاهه، أو مال بذل ماله، أو سلاح بذل سلاحه، أو حيلة أو تدبير صرفها في هذا المقام، لحفظ بيضة الإسلام، وأهل الإسلام من تسلُّط الكفرة اللّئام"(10).
وهذا تبرز قيمة الهجرة بوصفها سبيلاً إلى الحضور، حيث يجب، وآليّة لتحرير المؤمنين من موانع اندماجهم في المشروع الإسلاميّ الكبير، الأمر الذي يرشدنا إلى العلاقة بين الهجرة والانتظار.
دور الهجرة في قضيّة الانتظار
يتّضح دور الهجرة في قضيّة الانتظار عبر الالتفات إلى أنّ سبب غيبة الإمام # لا يُمكن أن يكون من جهة ربّ العالمين، لأنّه لا يفعل القبيح ولا يُخلّ بواجب، ولا من جهة الإمام نفسه لأنّه معصوم، فلا بُدّ أن يكون من جهتنا، أي لكثرة العدوّ والكافر، وقلّة النّاصر. فإنّ عدم ظهوره وقيام دولة الحقّ معلّل بهذه الأُمور، ولولا ظلم الظّالمين وعناد النّاس وعدم نصرتهم لدين الله تعالى لظهر صاحب العصر والزّمان عجّل الله فرجه. ومعنى ذلك أنّ محور تكليف المؤمنين في عصر الغيبة تحقيق أسباب النُّصرة التي بتحقُّقها تُرفع العلل المانعة من ظهوره عجّل الله فرجه الشّريف. وهذا ما أشار إليه السَّيِّد المرتضى(11)، وشيخ الطّائفة(12)، والمُحقّق الطّوسيّ(13)، والشيخ أبو الصّلاح(14)، والمحقّق اللّاهيجيّ(15)، والسَّيِّد الخوئيّ(16)، وغيرهم من الأعلام. والهجرة طريق إلى ذلك كما اتّضح بما تقدّم.
خطر ترك الهجرة
ومنه تعلم خطر ترك الهجرة في حال وجوبها، بل في حال استحبابها، كيف لا وهو إخلال بالتّسلسل الطّبيعيّ الذي ورد تكراره في جملة من الآيات القرآنيّة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله وَالله غَفُورٌ رَّحِيم ﴾ [البقرة: 215]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 72] وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التّوبة: 20].
وقد استظهر بعض الفقهاء المعاصرين من هذه الآيات أنّ ثمّة علاقة عضويّة وترتيباً طبيعيّا بين الإيمان والهجرة والجهاد، وبتعبيره: "إنّ الإيمان يؤدّي إلى الهجرة، والهجرة تؤدّي إلى الجهاد، ولا يمكن فصل بعضها عن بعض، ولا يمكن الإخلال بالتّسلسل القائم فيما بينها"(17).
خاتمة
في الوقت الذي لا ينبغي الشَّكُّ في ضرورة التفات المؤمنين إلى أبعاد قضيّة الهجرة، وملاحظة العوامل الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة، التي لها تأثير في تشخيصهم للموقف العمليّ الصّحيح في هذا الموضوع، فإنّه كذلك لا ينبغي أن يتحوّل الحوار حول الهجرة إلى فرصة للمزايدة على الغير، بل لا بُدَّ من اختيار الأُسلوب الحسن والمناسب لشرف الغرض، الذي هو استنهاض المؤمنين للبراءة من الطّواغيت، ونُصرة دين الله سبحانه وتعالى. ومن المعلوم أنّ المؤمنين في بعض الجاليات في الغرب قد حقّقوا إنجازات كبيرة في هذا المجال، إذ إنّ المتابع لشؤونهم يجد في بعض المُدن التي أقاموا فيها واستقرّوا أنّهم قد أسّسوا الأسواق الإسلاميّة، وبنوا المساجد والمراكز الدّينيّة والمدارس والمؤسّسات الخيريّة، وغيرها. فما ذُكر في هذا البحث لا يصحّ أن يؤدّي إلى الاستخفاف بجهودهم المباركة، بل يلزم أن يكون محفّزاً حقيقيًّا على الاهتمام بأُمورهم وفهم أبعاد قضايا الأُمّة. فيجدر بنا أن ندعو للمؤمنين في تلك البلاد لا سيّما أنّ بعضهم يتعرّض لأنواع البلاء والمضايقات، ومع ذلك فإنّ فيهم من أهل الهِمّة واليقين، مَن لا يتوانى عن خدمة الدّين وأهله.
--------------------
1.الشيخ الطّوسيّ، الأمالي: 46.
2.الشيخ أبو الصّلاح الحلبيّ، الكافي في الفقه: 271-272.
3.الشريف الرّضيّ، نهج البلاغة: 50.
4.الشيخ أبو الصّلاح الحلبيّ، الكافي في الفقه: 271.
5.الإمام الخمينيّ، تحرير الوسيلة: 370.
6.الظّاهر أنّ المقصود: ولا يجوز نسبته إليهم.
7.الإمام الخمينيّ، تحرير الوسيلة: 370.
8.الشيخ الكلينيّ، الكافي: 376.
9.الشيخ النّعمانيّ، الغيبة: 129-130.
10.الشيخ جعفر كاشف الغطاء، كشف الغطاء: 288.
11.السَّيِّد المرتضى، الذّخيرة في علم الكلام: 415-416.
12.الشيخ الطّوسيّ، العقائد الجعفريّة: 7.
13.الخواجه نصير الدّين الطّوسيّ، تجريد الإعتقاد: 221.
14.الشيخ أبو الصّلاح الحلبيّ، تقريب المعارف: 440-442.
15.راجع: السَّيِّد محسن الخرّازيّ، بداية المعارف الإلهيّة: 2/149.
16.السَّيِّد محمّد مهدي الموسويّ الخلخاليّ، أُصول فقه الشّيعة: 5/253.
17.الشيخ محمّد مهدي الآصفيّ، في رحاب القرآن: 12/11-12.