100%
ذاكرة الأمم

غزوة مؤتة

 

هيئة التحرير

المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (107)

 

  في اليوم السادس من جمادى الأولى سنة 8 هجرية، كانت غزوة مؤتة ومقتل جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) (1).

 

   قال الزهري: لما قدم جعفر بن أبي طالب(عليه السلام)من بلاد الحبشة، بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى مؤتة، واستعمله على الجيش مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، فحضر الناس معهم حتى كانوا بتخوم البلقاء، فلقيهم جموع هرقل من الروم والعرب، فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها واقتتلوا قتالاً شديداً، وكان اللواء يومئذٍ مع زيد بن حارثة، فقاتل به حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذه جعفر فقاتل به قتالاً شديداً، ثم اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها وقاتل حتى قُتل.

   قال: وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر فرسه في الإسلام، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل، وأنفذ رجل من المسلمين يقال له عبد الرحمن بن سمرة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بالخبر، فقال عبد الرحمن: فصرت إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما وصلت إلى المسجد قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله): على رسلك يا عبد الرحمن، ثم قال (صلى الله عليه وآله): أخذ اللواء زيد فقاتل به فقتل، رحم الله زيداً، ثم أخذ اللواء جعفر وقاتل وقتل، رحم الله جعفراً. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وقاتل وقتل، فرحم الله عبد الله.

  قال: فبكى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم حوله، فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): وما يبكيكم؟ فقالوا: وما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منّا؟ فقال لهم(صلى الله عليه وآله): لا تبكوا، فإنما مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح، رواكبها وبنى مساكنها وحلق سعفها. فأطعمت عاماً فوجاً، ثم عاماً فوجاً، فلعل آخرها طعماً أن يكون أجودها قنواناً، وأطولها شمراخاً أما والذي بعثني بالحق نبياً ليجدن عيسى بن مريم في أمتي خلفاً من حواريه(2).

  وسبب الغزوة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعث الحارث بن عمير الأزدي في سنة ثمان إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال: الشام، قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم. فأمر به فأوثق رباطاً، ثم قدمه فضرب عنقه صبراً، ولم يُقتل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) رسول غيره. وبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاشتد عليه، وندب الناس وأخبرهم بقتل الحارث فأسرعوا وخرجوا فعسكروا بالجرف. فلما أجمع المسير وعقد رسول الله (صلى الله عليه وآله)لهم اللواء دفعه إلى زيد بن حارثة، وهو لواء أبيض، ومشى الناس إلى أمراء رسول الله (صلى الله عليه وآله) يودعونهم ويدعون لهم، وكانوا ثلاثة آلاف(3).

 وروي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أتاه قتل جعفر وزيد بمؤتة بكى، وقال: أخواي ومؤنساي ومحدثاي(4). وكان جعفر بن أبي طالب أسلم قبل أن يدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله)دار الأرقم ويدعو فيها. فكان ثاني رجل من المسلمين، إذ الأول أمير المؤمنين (عليه السلام)، والثاني جعفر، ذلك أنّ أبا طالب لما رأى النبي(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) يصليان، أمر جعفرا بالالتحاق برسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال له: صل جناح ابن عمك. وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، ومعه امرأته أسماء بنت عميس. وولد له هناك عبد الله وعون ومحمد، فلم يزل بأرض الحبشة حتى هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله)إلى المدينة، ثم قدم عليه جعفر من أرض الحبشة، وهو بخيبر سنة سبع، فالتزمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبّل ما بين عينيه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أفرح؟ بقدوم جعفر، أو بفتح خيبر(5).

 ومروي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نبئ يوم الاثنين. وآمن به علي(عليه السلام) يوم الثلاثاء، ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم أسلم بعد علي (عليه السلام) جعفر وزيد. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي بعلي وجعفر وزيد، وخديجة خلفهم (6).

------------------------

(1) وقائع الشهور والأيام: 94.

(2) مقاتل الطالبيين: 6.

(3) بحار الأنوار: 21/59.

(4) أنساب الأشراف: 44.

(5) مستدرك الحاكم: 3/208.

(6) سعد السعود: 86.