الباحث: عمار الطريحي
النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 198 – الصفحة (63)
حين يقف الإنسان إزاء شخصيةٍ بحجم شخصية أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يجد نفسه إزاء بحرٍ لا يُدرك له ساحل، ونورٍ لا يخبو ضياؤه، ومجدٍ لا تُحصى فضائله، فهو الإنسان الذي جمع في ذاته عبقرية الفكر وصفاء الروح، وشجاعة الموقف وعدالة الكلمة، وزهد العارفين وعمق العالِمين.
لقد عاش الإمام علي (عليه السلام) الإسلام بكل جوارحه، فكان قلبه معلقًا بالله، ولسانه ناطقًا بالحكمة، ويده سيفًا في وجه الظلم، وفعله ترجمةً حيةً للقرآن الكريم.
إن شخصية الإمام علي(عليه السلام) ليست تاريخًا يُروى فحسب، بل هي مشروعٌ إنساني متكامل لبناء الفرد والمجتمع على أسس الإيمان، والعقل، والعدالة، والرحمة. فمنه يستلهم الأحرار مبادئهم، والعلماء معارفهم، والمصلحون طريقهم في مواجهة التحديات.
القدوة التي لا تنطفئ:
لم يعرف التاريخ بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنسانًا أسمى قدرًا، ولا أوسع علمًا، ولا أصدق موقفًا من الإمام علي (عليه السلام)، كما قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((لو اجتمع الناس على حب علي لما خلق الله النار))(1)، كلمة تختصر مكانته في ميزان العدل الإلهي، فهو مظهر المحبة والوفاء، ومثال العدالة التي لا تعرف التحيّز.
كان الإمام علي(عليه السلام) يرى في الحكم وسيلةً لإقامة العدل، لا طريقًا للسلطة وفي العلم بابًا للهداية، لا وسيلةً للتفاخر وفي الزهد قوةً لا ضعفًا، وحريةً لا حرمانًا، وهكذا جسّد (عليه السلام) الإسلام في أبهى صوره، فغدت سيرته مدرسةً مفتوحة للقلوب والعقول، فكانت حياته رسالةً أخلاقية وإنسانية خالدة، تنير دروب البشرية إلى يومنا هذا.
الصبر والالتزام بالمبدأ:
لقد تعلمنا من الإمام علي(عليه السلام) أن الصبر ليس ضعفًا، بل هو قمّة القوة، وأن الثبات على المبدأ هو جوهر الإيمان، إذ قال (عليه السلام): ((مَن أحَبّنا أهل البيت فليستعد عدّة للبَلاء))(2)، وهي وصية عميقة تدعو إلى الإيمان الواعي لا الانتماء السطحي.
لقد واجه الإمام علي (عليه السلام) أشدّ المِحن، لكنه لم يتراجع عن خط الحقّ قيد أنملة، فقد عاش مظلومًا، لكنه لم يسمح للظلم أن يُطفئ عدله أو يغيّر مبادئه،إذ قال (عليه السلام): ((اطلبوا الحوائج بعزّ الأنفس، فإن قضاءها على الله)) (3)، فهنا دعوة إلى الإباء والكرامة، وإلى التوكل على الله دون خنوع أو تذلل.
بهذا الفهم العلويّ للصبر والمبدأ، يتكوّن الفرد المؤمن الواعي، الذي لا تزعزعه الشدائد، ولا تشتريه الدنيا، ولا تغيّره الظروف، فالصبر عند الإمام علي (عليه السلام) هو نضجٌ في الوعي، وثقةٌ بالله، وسلاحٌ في مواجهة الفساد.
سعة الصدر أساس القيادة:
قال الإمام علي (عليه السلام): ((آلةُ الرئاسةِ سَعةُ الصدر))(4)، فبهذه الكلمات القليلة وضع القاعدة الذهبية في فن القيادة، فالقائد الحقيقي هو الذي يملك قلبًا واسعًا، وعقلاً متزنًا، ونفسًا متسامحة.
إن القيادة عند الإمام علي (عليه السلام) ليست سلطة، بل مسؤولية أمام الله والناس، وهي لا تُقاس بالهيبة الظاهرية، بل بقدرة القائد على ضبط انفعالاته، وسماع الآخرين، واتخاذ القرار بحكمة وعدل، ففي عهده لمالك الأشتر، يكتب(عليه السلام): ((واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم))(5)، فهنا رؤية تُقدّم للإنسان المعاصر أنموذج الحاكم الذي يُوازن بين القوة والرحمة، وبين الحزم واللين، فيكون خادمًا لشعبه لا سيدًا عليهم.
الرحمة والتواضع:
من أعظم صفات الإمام علي (عليه السلام) تواضعه وحنانه على الضعفاء، فقد كان يجلس(عليه السلام) مع الأيتام على التراب، ويطعمهم بيده، ويبكي لحالهم، رغم أنه خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، وكان يلبس لباس البسطاء، ويمشي بلا حرسٍ ولا مظاهر، إذ يقول: ((أأبيتُ مبطانًا وحولي بطونٌ غرثى؟!))(6)، فهذه كلمة تهزّ ضمير كل مسؤولٍ وكل إنسانٍ يملك قدرةً على العطاء.
لقد ترجم الإمام علي(عليه السلام)مفهوم الرحمة من مبدأ إلى ممارسة، كانت إنسانيته جزءًا من عبادته، وعدالته مزيجًا من الحزم والعطف، وهذه الروح الرحيمة المتواضعة هي ما جعلته يملك القلوب قبل العروش.
معرفة الله تحصين للنفس:
يرى الإمام علي (عليه السلام) أن معرفة الله هي السور الذي يحمي النفس من الانزلاق في شهوات الدنيا، فقد قال: ((ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك، ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك))(7)، وبهذا الفهم العميق للعبادة جعل الإمام علي (عليه السلام) العلاقة مع الله أساسًا للتحرر لا للتقييد، للسمو لا للخوف.
أليس أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي ساوى بين الناس جميعًا بقوله (عليه السلام): ((الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)) (8).
لقد عاش (عليه السلام) العدل حتى في أدق التفاصيل، حين رفض أن يمنح أخاه عقيلًا مالًا زائدًا من بيت المال، وأحرق له جمرةً ليُدرك حرارة الظلم، ففي هذا الموقف تتجلى روح العدالة، التي لا تعرف مجاملة الأقارب أو الأقوياء، بل تزن الأمور بميزان الحق وحده.
مدرسة الإنسانية والعدل:
إن مدرسة الإمام علي(عليه السلام) ليست فكرًا محدودًا بزمن أو مكان، بل هي مشروع إنساني عالمي، قال (عليه السلام): ((ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني، والله سائلهم عن ذلك))(9)، فهذه الكلمات توجز فلسفة العدالة الاجتماعية، التي تُلزم الأغنياء بمسؤوليتهم تجاه الفقراء، وتُحمّل الحاكم مسؤولية كل مظلوم في دولته.
إنها رؤية إصلاحية تتجاوز التاريخ، تصلح أن تكون دستورًا لأية حكومةٍ عادلة في العالم الحديث، فالإمام علي (عليه السلام)لم يكن حاكمًا بالمعنى السياسي، بل قائدٌ أخلاقيٌ، يرسم ملامح الدولة القائمة على الكرامة الإنسانية والعدل.
التقوى روح الثورة على الفساد:
إن التقوى عند الإمام علي(عليه السلام) ليست خوفًا سلبيًا من العقاب، بل وعيٌ وإصرارٌ على الإصلاح. هي موقفٌ ثوريٌّ ضد الفساد، وانتصارٌ للعقل على الهوى.
لقد أراد (عليه السلام) من الإنسان أن يعبد الله حبًا وشكرًا لا رهبةً وطمعًا، فقال (عليه السلام): ((إن قومًا عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجار، وإن قومًا عبدوه رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإن قومًا عبدوه حبًا له فتلك عبادة الأحرار))(10).
هذه الروح الحرة هي جوهر الثورة الأخلاقية في فكر الإمام علي (عليه السلام)، إذ تتحول التقوى إلى وعيٍ اجتماعي وإصلاحٍ دائم في السلوك والمؤسسات.
التوازن بين القوة والرحمة:
جمع الإمام علي(عليه السلام) بين الصلابة في الموقف واللين في المعاملة، فكان رحيماً بالأيتام، شديداً في ساحة الجهاد، متواضعاً مع الفقراء، شامخاً أمام الطغاة، وقد لخّص فلسفته في قوله: ((من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس))(11).
فالتوازن بين القوة والرحمة هو سرّ الشخصية القيادية الناجحة، وسرّ بناء الفرد المتكامل، إذ لا يمكن للمجتمع أن ينهض إلا حين يجتمع في قادته العدل مع الرحمة، والحزم مع الإيمان.
منهج لا ينطفئ:
إن شخصية الإمام علي(عليه السلام) ليست مجرّد سيرة تُروى، بل هي منهج حياةٍ يُهدي إلى الطريق القويم، فهو الإمام الذي جمع بين عبادة الأحرار وعدل الحاكم، وبين علم العارف وشجاعة المجاهد.
لقد أثبت التاريخ أن فكر الإمام علي (عليه السلام) لا يقتصر على المواعظ، بل يمتدّ إلى السلوك العملي في ميادين الحكم، والإدارة، والتربية، والاجتماع، وأنه صوت الضمير الإنساني الحيّ، وأنموذج الإنسان الكامل، الذي يُعلّمنا كيف نعيش لله، وللناس، بكرامةٍ وعدالةٍ وحبٍّ لا ينتهي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)العلامة الحلي، الرسالة السعدية: 23.
(2)المجلسي، بحار الانوار: 34/336 ، 362، 334.
(3)ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة : 20/ ٣١٧.
(4)المصدر نفسه: 18/ 407.
(5)السيد محسن الأمين العاملي، أعيان الشيعة: 1/540.
(6)المحدّث النوري، مستدرك الوسائل: 8/ 428.
(7)المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: 8/ 89.
(8)ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن ال الرسول: 1/ 127.
(9)الشريف الرضي، نهج البلاغة:1/ 533.
(10)المجلسي، بحار الأنوار: 78/69.
(11)الشيخ الحرّ العاملي، وسائل الشيعة:15/298.