100%
الكلم الطيب

مكارم الأخلاق

هيئة التحرير

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 206 – الصفحة (27)

 

إن من أظهر المظاهر التي اتسمت بها شخصية خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) الخُلق العظيم ولين العريكة وحسن العشرة، لأنه ما بُعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق، ويكون الأسوة الحسنة، التي تطيب بشذى عطرها النفوس، وتنهل من عذب معينها القلوب، كيف لا!! وقد قال فيه رب العزة والجلالة: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]

ويحسن بنا في هذا المقام أن نذكر شذرات من أخلاقه الرفيعة وآدابه السامية؛ لنجعلها قبلة لنا في سلوكنا، ومناراً نهتدي به، ونستضيء بنوره، علّنا نحيي بسلوكنا بعض سننه؛ لنحظى بشرف القرب منه ونفوز بعظيم المنزلة لديه، فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً))(1)

أما في تواضعه وحسن عشرته، فقد ورد أنه (صلى الله عليه وآله) كان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويجلس على الأرض، ويركب الحمار، ويردف (يركب شخصاً خلفه)، ولا يمنعه الحياء أن يحمل ما يأخذه من السوق إلى أهله، ويسلم على من استقبله من غني وفقير، وكبير وصغير، ولا يحقّر ما دُعي إليه ولو إلى حشف التمر، وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول الله (صلى الله عليه وآله)يده حتى يكون الرجل هو التارك، وما منع سائلاً قطّ؛ إن كان عنده أعطى وإلا قال: (يأتي الله به)، فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((خمس لا أدعهن حتى الممات، الأكل على الأرض مع العبيد، وركوبي مؤكفاً، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان ليكون سنة من بعدي))(2)، وقوله (صلى الله عليه وآله) أيضاً: ((أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم))(3).

أما في آدابه وسيرته مع أهله وخدمه، فقد كان مثالا تفتخر به الإنسانية على اختلاف مشاربها وأذواقها، كيف لا يكون كذلك!! وهو القائل: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))(4) وقوله (صلى الله عليه وآله) أيضاً: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائه))(5).

لقد كان (صلى الله عليه وآله) لا يترفّع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، وما شتم أحداً بشتمة ولا لعن امرأة ولا خادما بلعنة، وما ضرب خادماً له ولا امرأة ــ بل ما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ــ وكان إذا أصبح مسح على رؤوس ولده وولد ولده، وإذا بُشّر بجارية (ولدت له بنت) قال (صلى الله عليه وآله): ((ريحانة أشمها ورزقها على الله عز وجل))(6).

أما مجالسه فإنها المجالس التي تحنّ إليها القلوب، وتتمناها النفوس، وتشتاقها الأرواح؛ إذ روي أنه (صلى الله عليه وآله): ((كان يعطي كل جلسائه نصيبه، فلا يحسب أحد منهم أن أحداً أكرم عليه منه، وكان يقسّم لحظاته بين أصحابه، فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية، ولم يبسط رجليه بين أصحابه قط، ومن جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته، وكان (صلى الله عليه وآله) فيه دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا ضحّاك ولا فحّاش، ولا عيّاب ولا مدّاح، لا يذم أحداً ولا يعيّره ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجى ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنّ على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده الحديث، وكان (صلى الله عليه وآله)يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه))(7).

---------------------------

1- المتقي الهندي، كنز العمال: 3/10.

2- الشيخ الطوسي، الأمالي: 130.

3- الشيخ الكليني، الكافي: 8/403.

4- الشيخ الطوسي، مكارم الأخلاق: 216.

5- الحر العاملي، وسائل الشيعة: 12/156.

6- الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا: 3/481.

7- المصدر نفسه: 2/284.