100%
ذاكرة الأمم

شهادة الزهراء (عليها السلام)

 

 

هيئة التحرير

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 207 – الصفحة (107)

 

 

   في اليوم الثالث عشر من ربيع الثاني سنة 11 للهجرة (على الرواية الأولى) كانت شهادة الزهراء (عليها السلام)، وقد سايرت العناية الإلهية والكرامات الربانية هذه البضعة الطاهرة منذ ابتداء ولادتها الشريفة وحتى يوم شهادتها، مما أضاف لمكانتها وفضلها رونقا ًوكمالاً، وطوّق مناقبها السنيّة هيبة وجلالاً، بل أنّ هذه العناية الغيبية تكفلت بها قبل الولادة الميمونة، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: ((أنه لما عرج به الله تعالى إلى السماء أخذ بيده جبرئيل(عليه السلام) فأدخله الجنة وناوله من رطبها شيئاً فأكله، فكان منبت الزهراء(عليها السلام) منه))، لذلك ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قوله: ((..فاطمة حوراء إنسية، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة))(1) ، كما أن تسمية الزهراء(عليها السلام) جاءت على يدي الوحي المقدس أيضاً، ما زاد في فضلها وشرفها ومناقبها التي حباها الله سبحانه وتعالى بها، فقد روي عن الإمام الباقر(عليه السلام) قوله: ((لما ولدت فاطمة(عليها السلام) أوحى الله عز وجل إلى ملك، فأنطق به لسان محمد(صلى الله عليه وآله) فسماها فاطمة، وقال: إني قد فطمتك بالعلم، وفطمتك عن الطمث، ثم قال أبو جعفر(عليه السلام): والله لقد فطمها الله تعالى بالعلم وعن الطمث في الميثاق))(2).

ولقد مثّلت سيرة الزهراء(عليها السلام) قدوة مثلى في التربية والسلوك الأخلاقي، وضربت للعالم خير صورة للمنهج العملي والاجتماعي الإسلامي، حتى روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال في مكانتها: ((فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وإنها لتقوم في محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك من المقربين، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم فيقولون: يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين))(3).

    وقد كانت الزهراء(عليها السلام) أول مظلوم وشهيد من أهل البيت (عليهم السلام) الذين قال عنهم الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام): ((ما منا إلا مسموم أو مقتول))، فقد كانت حادثة وفاتها وهي في ريعان الشباب وتشييعها سرًا وهي ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله).. وإخفاء موضع قبرها عن المسلمين من الدلائل الواضحة على ظلامتها(عليها السلام)، مضافاً إلى ما ورد من الحوادث التاريخية في كتب الفريقين تشير إلى معالم مظلوميتها، وما تعرضت له من أذى، على الرغم من أنّ يد تزييف الحقائق وكتم الوقائع عملت جاهدة على تشويه مجمل التاريخ الإسلامي لمصلحة الطغاة والمنافقين.

   على أنّ ظلامتها (عليها السلام) لم تقتصر على حادثة الدار فحسب، بل استمرت بعد ذلك إلى تاريخ وفاتها القريب من شهادة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ قعد الناس عن نصرتها رغم دعوتها لهم بذلك، ومُنعت حقها من ميراث أبيها (صلى الله عليه وآله)، وأرادوا منعها حتى من الحزن عليه (صلى الله عليه وآله) بدعوى أنها آذتهم بكثرة بكائها عليه، وليس بين أظهرهم ذرية لنبيهم أحب منها لديه، ولا أقرب منها نسباً إليه وما زالت (عليها السلام) تعيش الخطوب والمحن بعد رحيل والدها (صلى الله عليه وآله)حتى دنت منيتها، وقد روي أنها بعثت خلف أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلما حضر قالت له: ((يا ابن عم إنه قد نعيت إلي نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي، فقال لها علي (عليه السلام): أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله، فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت، ثم قالت: يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني، فقال (عليه السلام): معاذ الله أنت أعلم بالله وأبر واتقى وأكرم وأشد خوفًا من الله من أن أوبخك بمخالفتي، وقد عزّ عليّ مفارقتك وفقدك، إلا أنه أمر لا بد منه، والله لقد جددت عليّ مصيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد عظمت وفاتك وفقدك فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة، ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها، هذه والله مصيبة لا عزاء عنها ورزية لا خلف لها، ثم بكيا جميعًا ساعة، وأخذ علي(عليه السلام) رأسها وضمها إلى صدره ثم قال: أوصيني بما شئت فإنك تجديني وفيًا أمضي كل ما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري فقالت: جزاك الله عني خير الجزاء...))(4) ثم أوصته (سلام الله عليها) بجميع وصاياها قبل أن تفارق روحها الحياة، وتصعد إلى بارئها شهيدة صابرة محتسبة، فسلام عليها يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّة، تقول: يا ربي ظلمني فلان وفلان.

...................................................................

(1)  الشيخ الصدوق، الأمالي: 546.

(2) المازندراني، شرح أصول الكافي: 7/220.

(3) النيسابوري، روضة الواعظين: 149.

(4)  السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة:1/ 321.