100%
ببليوغرافيا العلوم

كتاب: نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

أخو نهج البلاغة

نزهة الأبصار لعلي بن مهدي الطبري

 

أ.م مهدي مجتهدي

جامعة فردوسي، مشهد، إيران.

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (77)

 

لطالما حظيت كلمات أمير المؤمنين علي (عليه السلام) باهتمام علماء الإسلام منذ القدم، وتم جمعها دائماً من قبل محدثي الشيعة وغيرهم، ولكن العديد من هذه المصادر ضاعت ولم تصل إلينا، وقد جمع السيد الرضي نهج البلاغة بناءً على الأعمال السابقة له، لكنّه نادراً ما أشار إلى المصادر والأسانید.

  

ویمکن أن يُعد كتاب " نزهة الأبصار ومحاسن الآثار" لعلي بن مهدي الطبري المامطيري مصدرا ذا أهمية خاصة، من حیث قدمه، ومن حیث النسخة الخطية الوحيدة المعروفة منه حتى الآن.

نجد نزهة الأبصار، كأحد المصادر التي تشبه رواياتها نهج البلاغة بشكل كبير، وهي مسندة في بعض الحالات، وهذا ما لهُ أهمية كبيرة من هذه الناحية، ويمكن لهذا الكتاب أيضاً أن يؤدي دوراً حاسماً بوصفه مصدراً رئيساً للبحث، لكنّه مع ذلك لم يتم الاهتمام به واستعماله كما ينبغي.

في عام 193٥، نشر جورجيو ليفي دلافيدا، المجلد الأول من فهرس المخطوطات العربية في الفاتيكان، وفي هذا الفهرس هناك مخطوطة تنتمي إلى تراث اليمن، وكتبت بخط يمني بجانب رسالتين صغيرتين في مجموعة واحدة برقم 11٤7، وهي مجموعة تحتوي على 1٦0 ورقة، تم نسخها في القرن الحادي عشر الهجري، وتتضمن ثلاثة أعمال: الرسالة الأولى من الورقة الأولى إلى العاشرة فيها أشعار شعراء اليمن والحكايات، والرسالة الثانية في أربع أوراق فيها قصيدة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، والرسالة الثالثة من الورقة 1٤ إلى 1٤٥ هي كتاب بعنوان نزهة الأبصار ومحاسن الآثار في حياة علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وهناك بعض النواقص في النسخة، وقد كتب الناسخ في نهاية النسخة: "تم الكتاب بمنّ الله وعونه ولطفه، فله الحمد كثيراً بكرة وأصيلا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم"، توفر المكتبة المتخصصة بأميرالمؤمنين علي (عليه السلام) في مشهد المقدسة صورة من نسخة نزهة الأبصار تحت رقم 13171. 

   ويمكن الحصول على نص الكتاب المصحح بقلم المرحوم محمد باقر المحمودي من منشورات مجمع تقريب المذاهب الإسلامية،  وقد تم نشر الكتاب في ٥٤3 صفحة مع مقدمة وفهرس فني في عام ۱٤۳۰ق.

سيرة المؤلِف:

  إنّ أبا الحسن علي بن محمد بن مهدي المامطيري (280-3٦0ق)، من علماء القرن الرابع الهجري، قد ألف كتاب نزهة الأبصار ومحاسن الآثار بهدف جمع أقوال أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) وأهل البیت (عليهم السلام)، لكنّ الواصل إلینا هو ما یخصّ أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وما ورد عن ابن شهرآشوب يشير إلى أنّ كتاب نزهة الأبصار لا يقتصر على أقوال الإمام علي (عليه السلام) فحسب، بل يشمل أهل البيت (عليه السلام) أيضاً، وقد أكمل المحقق نواقص المخطوطة بمصادر أخرى، وذكر الروايات التي لم ترد في النسخة في الحواشي.

   وقد زوّدنا هذا الكتاب، بالإضافة إلى مجموعة من أقوال الإمام علي، بمعلومات تاريخية قيمة عن حياته، ووفقاً لمعظم المصادر فإنّ المامطيري كان عالماً شافعي المذهب، وتلميذاً لأبي الحسن الأشعري المتكلم المعروف، ومما يؤسف له أنّ المعلومات المتعلقة به قليلة، وقد نسب ابن شهر آشوب نزهة الأبصار إلى علي بن المهدي المامطيري ووصفه بأنه زيدي المذهب، ولكنّه لم يرد ذكره في معظم الكتب الزيدية المعروفة، ووفقاً لمعظم المصادر، فانّ المامطيري كان من علماء المذهب الشافعي، وكان تلميذاً لأبي الحسن الأشعري، المتكلم العظيم.

  وكان علي بن المهدي من أهمّ الرواة لكتاب "استحسان الخوض في علم الكلام" لأبي الحسن الأشعري، وكان الراوي علي بن رستم (من اسم والده يتضح أنه كان أيضاً من سكان طبرستان، لأن سكان طبرستان كانوا مغرمين بهذا الاسم) تلقى هذا النص من علي بن المهدي ومنه من الأشعري. وفي هذا الوثيقة، يؤكد الطبري أنه سمع هذا الكتاب من الأشعري شخصياً. وقد أدى ابن مهدي الطبري دوراً بالغ الأهمية في نشر الفكر الديني لأبي الحسن الأشعري، رغم أن مساهمته الظاهرة في تطوير المسائل الكلامية كانت أقل مقارنة بتلامذة الأشعري الآخرين.

   كان علي بن المهدي المامطيري فقيهاً ومتكلماً ونحوياً، فضلا عن ذلك، كانت لديه معرفة بالتفسير والمعاني وأيام العرب، قيل عنه: "ما شُهِد في أيامه مثله"  وقد كان يسافر لطلب العلم، ويؤلف الكتب في مختلف العلوم، وكان ينظم الشعر أيضاً، وأشعاره مبثوثة في المصادر، ويعد ابنُ إسفنديار (٦13 هـ) ابنَ المهدي المامطيري من تلاميذ الناصر الكبير (ت30٤هـ)، إذ قال عند تقديمه لشخصيات طبرستان المشهورة: "من كبار أئمة طبرستان الذين يُعَدُّون من المفاخر، كان الإمام البارع ابن المهدي المامطيري، وقد زرتُ قبره في مامطير".

الكتاب

لقد تناولت العديدُ من الكتب دراسة النصوص السابقة لنهج البلاغة، ووجدت أجزاء مختلفة منه في النصوص القديمة، ومن بين هذه الكتب كتاب عبد الزهراء الحسيني مصادر نهج البلاغة، ولكن من النادر العثور على كتاب تمّ تصنيفه قبل نهج البلاغة على شكل ونمط نهج البلاغة، من حيث شموله لِكمٍّ كبير من أقوال الإمام علي(عليه السلام)، وهذا الكتاب ــ أي نزهة الأبصارــ هو أحد هذه الأمثلة النادرة، ويتميز هذا الكتاب عن نهج البلاغة، بالإضافة إلى تقدّمه الزمني، بأن بعض رواياته مسندة.

   ويشكو المؤلف في مقدمة الكتاب من ابتعاد الناس عن العلم والأدب، وجهلهم بفضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ويذكر أنّ هدفه من تأليف هذا الكتاب هو نشر الأدب بعد ركوده، وقد تم تأليف هذا الكتاب بهدف جمع الأمثلة البلاغية، وهو نفس هدف الرضيّ في نهج البلاغة، بالطبع، هدفه النهائي من  جمع النصوص البلاغية لأهل البيت (عليهم السلام) هو أن يدرك القارئ المكانة الرفيعة والمكانة العلمية والأدبية لأهل البيت (عليهم السلام).

   يقول المؤلف: «إذ كانوا معدن الرسالة، ومظانّ الحكمة، و أهل بيت النبوّة، و كان شرفهم على سائر الناس كشرف الجُمَع على سائر الأيّام، و الشمس على الكواكب، و ليلة القدر على سائر الليالي، و بقعة الحرم على سائر البقاع».

   ثم يشير إلى أنه يعتزم أن يورد في هذا الكتاب أخبار أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأولاده ومحاسن أقوالهم، وما تمّ تأكيد صحة انتسابه من أشعارهم، ونظراً إلى أنّ النص الموجود مخصصٌّ فقط للإمام علي (عليه السلام)، فمن المحتمل أنّ المامطيري لم يوفّق لإكمال الكتاب، كما يُحتمل أنّ بقية النص قد ضاع، وهناك احتمال أكبر، وهو كون هذه النسخة ناقصة، إذ نقل ابن شهر آشوب في كتابيه المناقب والمثالب مواردَ من نزهة الأبصار لا توجد في النسخة الموجودة.

  يتضمن الكتاب 3٦2 حديثاً تم جمعها من دون ترتيب محدد، وتم تكرار بعضها أيضاً، ولا يقتصر الكتاب على نقل الحديث فحسب، بل يتضمن أيضاً بعض سلوكيات الإمام علي (عليه السلام) وبعض الآثار المنسوبة إليه والأحكام الدينية والحكومية، كما أن هناك عدداً من الخطب والأقوال الموجودة في نهج البلاغة لا توجد في هذا الكتاب، وقد ذكرت موضوعات هذا الكتاب من دون أي تقسيم للنص، ومن دون أي ترتيب حروفي ألفبائي أو فصل بين الخطب والكلمات القصار والحكم، بل يذكر الموضوعات من دون ضابطة محدّدة مثل: شجاعة الإمام علي (عليه السلام)، وصف الآخرين له، نسبه وأبناؤه، رسالته إلى مالك الأشتر، أقواله عن المعروف ومكارم الأخلاق، النصائح، المواعظ، خصائصه الفردية، ذكر بعض خطب الإمام ورسائله، الشكوى من قريش، خطبته عن خصائص المتقين، روايات مذكورة عن الإمام (عليه السلام) عن النساء، قول الحسن البصري عنه، شكوى الإمام (عليه السلام)من الناس إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، في فضل الحسنين(عليهما السلام)، عبد الله بن جعفر وزيد بن علي، فضيلة مسجد الكوفة و...

ومن أهم مميزات كتاب نزهة الأبصار أنّ بعض الروايات فيه مسندة، وأنّ المؤلف قد ذكر سبب صدور الرواية أو مخاطبها أو راويها، بمقارنة نص هذا الكتاب مع نهج البلاغة، تبين وجود تطابق جزئي أو كلي في أکثر من ٦۰ موضعاً، وتوزّعت هذه المواضع على خطب نهج البلاغة (17 موضعاً)، ورسائله (1٤ موضعاً)، وغرائبه (موضع واحد)، وحكمه (31 موضعاً)، كما ورد في نزهة الأبصار 10 مواضع بسندها، وموضع واحد براوِيهِ، و٦ مواضع بشأن صدورها، و٤ مواضع بمخاطبها، وموضع واحد بمخاطب مختلف، وأضاف المامطيري شرحاً لأقوال الإمام علي (عليه السلام) في موضعين، وفي بعض الروايات، يتطابق المعنى مع ما في نهج البلاغة ولكنّ العبارات والنصوص الروائية في نزهة الأبصار أكثر اكتمالاً من تلك الواردة في نهج البلاغة.

الخاتمة:

  يتميّز كتاب نزهة الأبصار بأهمية خاصة من حيث قدّمه ومحتواه، ومن حيث إنّه لم تكتشف منه إلّا نسخة خطية واحدة حتى الآن، وقد تم التعرف على هذا الكتاب منذ حوالي عقدين، وبعد مدة قصيرة تم تصحيحه ونشره بناءً على نسخة خطية من مكتبة الفاتيكان، وعلى الرغم من مرور بعض الوقت على تصحيحه ونشره، إلّا أنّه ما يزال مهملاً وغير مستعمل بشكل كبير في الأبحاث العلوية.