حين نتمعن في لغة الزيارات لأهل البيت(عليهم السلام) نجد التهذيب والخلق التربوي؛ للوصول بالنفس الإنسانية إلى مقامات عالية سامية، وكأنّ الزّيارات أُعدّت للتهذيب الروحي.
وتمثل الزيارة في معناها اللغوي الميل والعدول، وقد أشار ابن فارس إلى أنّ» الزاي والواو والراء أصل يدل على الميل والعدول ومنه الزائر»(1).
وتعني: « قصد المزور إكرامًا له وتعظيمًا له واستئناسًا به»(2).
فهو القصد والحضور عند المعصوم، من نبيّ أو إمام، وهي عبارة عن الاستئذان عليه بالدخول، والسلام عليه بما يليق من شأنه، وعلو قدره، والصلاة بعد الزّيارة، وما يلحق المعصوم من وليّ وعالم، وتقيّ ومؤمن فهو بحكم الزيارة(3).
وقد ورد في عدد من الروايات مشروعية زيارة النبي(صلى الله عليه وآله)والأئمة (عليهم السلام)، وشدّ الرحال إليهم، وزيارة قبور الأنبياء والأوصياء والشهداء والعلماء والمؤمنين ما لا يحصى ثوابه، وأمرها عظيم وفضلها جسيم.
وقد ورد على سبيل العموم:« من زار أخاه في اللّه، أي: قصده ابتغاء وجه اللّه، فهو زوره، وحق على اللّه أن يكرم زوره، أي قاصديه»(4).
وفيه أيضًا:((من فعل كذا، فقد زار اللّه في عرشه))(5).
ولهذه الزيارة فضل عظيم، فقد روي عن محمد ابن المشهدي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله:(( إنَ رجلاً من الأعراب أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله إن داري بعيد من دارك، وإنني أشتاق إلى زيارتك ورؤيتك فأقدم إليك زائراً فلا يتيسر رؤيتك فأزور علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيؤنسني بحديثه ومواعظه، ثم أعود مغتما محزونا لما أيست من زيارتك فقال: من زار (علياً (عليه السلام)) فقد زارني، ومن أحبه فقد أحبني، ومن عاداه فقد عاداني، بلِّغه عني إلى قومك ومن أتاه زائراً فقد أتاني، وإني مجزيه يوم القيامة وجبريل وصالح المؤمنين))(6).
وتنقسم هذه الزيارة على ثلاثة مقاطع:
المقطع الأول: (الافتتاح) الاستهلال والتكبير
المقطع الثاني: (نص الزيارة) الدعاء عند الضريح
المقطع الثالث: (الخاتمة) طلب الشفاعة والدعاء
ولزيارة مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام)فضائل ودلالات تربوية عديدة، منها ما يأتي:
1.السَّلام: ((السين واللام والميم معظم بابه من الصحة والعافية، ويكون فيه ما يشذ، والسلامة سلامة الانسان من الأذى والعاهة))(7).
وقد افتتحت هذه الزيارة بالسّلام الخاص على رسول الله (صلى الله عليه وآله):((السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللهِ، السَّلامُ عَلى خِيَرَةِ اللهِ، السَّلامُ عَلى البَشِيرِ النَّذِيرِ السِّراجِ المُنِيرِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ)).
ويتدرج في هذا السّلام من الخصوص إلى عموم الأنبياء والعباد الصالحين ثم الملائكة والانتقال التدريجي بالسلام الخاص ببيان صفات أمير المؤمنين (عليه السلام) ((السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللهِ، السَّلامُ عَلى خِيَرَةِ اللهِ)) ثم ((السَّلامُ عَلى أَنْبِياءِ الله المُرْسَلِينَ وَعِبادِ الله الصَّالِحِينَ، السَّلامُ عَلى مَلائِكَةِ الله الحافِّينَ بِهذا الحَرَمِ وَبِهذا الضَّرِيحِ أَللآئِذِينَ بِه)) .
وقد شكّل السّلام مساحة كبيرة في هذه الزّيارة، ابتداءً من الرسول الأعظم، وعلى العكس من زيارات أهل البيت التي اعتدنا التدرج بها من العموم إلى الخصوص بعد ذكر الأنبياء؛ لأنّه النبي الخاتم والسابق.
وتختتم هذه الزيارة بالسلام الخاص أيضًا على الأمين، والضجيعين (آدم ونوح)، والولدين (الحسن والحسين) بقوله: ((السَّلامُ عَلَيكَ وَعَلى ضَجِيعَيْكَ آدَمَ وَنُوحٍ وَالسَّلامُ عَلَيكَ وَعَلى وَلَدَيْكَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ وَعَلى الأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ)): ثم بيان أوصافه ((الطُّهْرِ الطَّاهِرِ، والعَلَمِ الزَّاهِرِ، والمَنْصُورِ المُؤَيَّدِ)) وكنيته (أَبِي القاسِمِ مُحَمَّدٍ)، ثم يخصص السّلام لأمير المؤمنين بأوجه متكررة، والسلام تحية الاسلام المعروفة، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:((يا أيها الناسُ، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا والناسُ نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام))(8).
ويمثلُ السّلام مرتكزًا من أساس الزيارة وعمادها؛ لأنّ الغرض من الزيارة هو الوصول إلى صاحب المقام ومخاطبته بما يحبّه ويرضاه، ولا يوجد أفضل من السلام؛ لأنَّه تحية الإسلام وأحد الشعارات التي يتميَّز بها المسلم عن غيره(9) .
ومعناه بشكل عام طلب الزائر من الله تعالى السلامة، وفي أغلب الزيارات التي يُزار بها الإمام علي (عليه السلام) نجد فريدة السّلام متميزة عن غيرها((السَّلامُ عَلَيكَ يا مَنْ رُدَّتْ لَهُ الشَّمْسُ فَسامى شَمْعُونَ الصَّفا، السَّلامُ عَلَيكَ يا مَنْ أَنْجى الله سَفِينَةَ نُوحٍ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَخِيهِ حَيْثُ التَطَمَ الماءُ حَوْلَها وَطَمى))
2.الشهادة: التشهد، وهي أدب عام وشائع في مجمل زيارات الإمام الحسين (عليه السلام)؛ والشهادة مشتقة من الفعل الثلاثي(شهد)، وفي أُصوله يقول ابن فارس:((الشِّينُ وَالْهَاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى حُضُورٍ وَعِلْمٍ وَإِعْلَامٍ، لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ فُرُوعِهِ عَنِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. مِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ، يَجْمَعُ الْأُصُولَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنَ الْحُضُورِ، وَالْعِلْمِ، وَالْإِعْلَام))(10).
ومعنى أشهد بالله: أعلم وأحلف بالله، فكأنه شهادة مع اليمين(11)، وكأنّ الزائر يقرُّ بالعلم له في حضوره وإعلام المقابل له بفضله وصفاته، ومن بين الأساليب التي وردت في هذه الزيارة:
أولًا: الأساليب البديعية
1. السجع: السجع: لفظ مشتق من ((سجعَ الرجلُ إذا نطق بكلام له فواصل كقوافي الشعر من غير وزن))(12).
وقد عدّها الرماني عيباً، مفرقا بينها وبين الفواصل بقوله: ((الفواصل بلاغة والأسجاع عيب. وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها))(13) .
وربما يرجع سبب ذلك لاشتقاقها من سجع الحمامة، فليس فيها إلاّ أصوات متشاكلة. وعُرّف بأنَّه الكلمة الأخيرة في القرينة، ويسميها بعضهم قافية النثر(14).
وهو ((توافق الفاصلتين في الحرف الأخير من النثر))(15) .
ويتضح في هذه الزيارة هيمنة السجع على النصوص(16)، وفيه أهمية كبيرة منها: ترغيب السّامع بسماع روي المنتظم، ومنها سرعة الحفظ والاسترسال في متابعة المقاطع الصوتية المتشابهة؛ ولأن الكلام المسجَّع أفصح وأبلغ من غير المسجع، ويتنوع و يتعدد في هذه الزّيارة السَّجع، ومنه:
•السجع المطرف: وهو أن تتفق الكلمتان في حروف السجع لا في الوزن(17).
وعرفه ابن الزملكاني بقوله: «فإن فات الوزن سمي مطرفاً»(18) .
ويصفه عبد العزيز عتيق بأنَّه ما:"اختلفت فيه الفاصلتان أو الفواصل وزنا واتفقت رويا ً"(19) .
•السجع المتوازي: ما اتفقت فيه الفاصلتان في الوزن والتقفية.
•السجع المتوازن: أن تُراعى في الكلمتين الأخيرتين من القرينتين الوزن دون التقفية (السيوطي) فنهاية بيت الشعر تسمى القافية ونهاية النثر سجعاً ونهاية الآية فاصلة، ويتضمن السَجع مؤثرات صوتية نغمية تتردد بشكل سلس، وعن طريقها يستطيع الفرد إيجاد روابط بين طرفي الكلام للمتكلم والمخاطب، فيحدث إيحاءات بلاغية جمالية، وهذا ما يجعل النَّص قوياً متماسكاً غير مجتزئ، إذ تتشابه نهايات الفقرات، وسندرس هذه الأنواع وفقاً للمقاطع الواردة في الزيارة، فيبدأ الزائر بالسّلام الخاص، ففي هذه الزيارة نجد هيمنة السجع المطرف في مقاطعها، وهو الاتفاق في حروف الروي لا في الوزن: ((السَّلامُ عَلَيكَ يا مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ. السَّلامُ عَلَيكَ يا مِيزانَ يَوْمِ الحِسابِ. السَّلامُ عَلَيكَ يا فاصِلَ الحُكْمِ النَّاطِقَ بِالصَّوابِ. السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّها المُتَصَدِّقُ بِالخاتَمِ فِي المِحْرابِ. السَّلامُ عَلَيكَ يا مَنْ كَفى الله المُؤْمِنِينَ القِتالَ بِهِ يَوْمَ الاحْزابِ)).
ونجد التشابه في الفواصل الأخيرة فهي تختتم بحرف الباء،
ءـــَ ل/ كـ ــِـ / تـ ــَــَـ ب
ءـَ ل/ حـ ـــِـ/ ســـَـَـ ب
ص ــَ / و ــَــَ ب
مـ ــِـ حـ / ر ــَــَـ ب
أ ــَـ حـ/ ز ــَــَـ ب
فنهاية المقاطع تختتم بـالمقطع المغلق(تاب، ساب، واب، راب، زاب) وهو مقطع طويل مغلق
وتکرر هذا السجع في المقاطع التالية له: ((السَّلامُ عَلَيكَ يا مَنْ كُتِبَ اسْمُهُ فِي السَّماء عَلى السُّرادِقاتِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا مُظْهِرَ العَجائِبِ وَالآياتِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا أمِيرَ الغَزَواتِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا مُخْبِراً بِما غَبَرَ وَبِما هُوَ آتٍ)).
السرادقات: سـ ـُ / ر ــَــَ /د ــُـ/ قـ ــَــَـ ت
الآيات: ءـــَ لـ / ءـَـــَ / يـ ــَـــَ ت
الغزوات: ءــَ لـ/ غـ ــَـ / ز ــَـ / وــَـــَ ت
أغلقت المقاطع بحرف الروي التاء(قات، يات، وات)، وهو مقطع طويل مغلق.
2.الطباق: ويعني وجود لفظين يحمل أحدهما خلاف المعنى الآخر، وتعددت تسمياته فسُمي بالطباق والمقابلة، ويعدّ أحد أنواع المحسنات البديعية ويعني:» اختلاف دلالة لفظين أو أكثر اختلافاً عكسياً تضادياً متناقضاً»(20)، وقد أفرز التقابل الدلالي ايحاءات ضدِّية فجعل الصور المتناقضة تفسر في كل قول، وكشف جماليات التنوع الفني والموضوعي، ومن أهم أنواعه التي وردت في الزيارة:
1.الطباق بين الأسماء: فقد ورد تقابل بالضد بين (النور والجهل)، و(الدُّنيا والآخرة) فالدنيا دار تكليف وعمل بلا حساب، والآخرة دار حساب وجزاء بلا عمل، و(الولي والعدو): ((ولي لمن والاك وعدو لمن عاداك)) .
2. الطباق بين الأفعال: ورد هذا النوع من الطباق بين: (الحلال والحرام): «وحللت حلال الله وحرمت حرام الله»، و(الركوب والتأخر): «من ركبه نجى ومن تأخر عنه هوى»، و(التوبة والغواية): «تاب الله به وبأخيه على آدم إذ غوى»، و(الكفر والإنابة):(( حجة الله على من كفر وأناب))
3.المساواة: تعرف المساواة بأنّها مساواة اللفظ المراد للمعنى المراد، فتكون الألفاظ على قدر المعاني، لا يزيد بعضها على بعض(21)، وهي مذهب متوسط بين الإيجاز والإطناب(22).
فهو مطابقة اللفظ المعنى من دون زيادة أو نقصان، ومما ورد منه في نص الزيارة((السَّلامُ عَلَيكَ وَعَلى ضَجِيعَيْكَ آدَمَ وَنُوحٍ وَالسَّلامُ عَلَيكَ وَعَلى وَلَدَيْكَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ وَعَلى الأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ)) وفي لفظ الضجيع ما يدلّ على التلازم والقرب، يقول ابن فارس ((وضجيعُك: الذي يُضاجِعك، وهو حسن الضِّجْعة كالرِّكْبة. ومنه: ضجَّع في الأمر، إذا قصَّر، كأنه لم يقُم به واضطجع عنه»(23)، فقد ساوى بين(ضجيعيك: آدم ونوح)= (ولديك: الحسن والحسين)، وتلك منزلة عظيمة يتساوى فيها بين النبوة والإمامة.
ثانيًا: الأساليب الإنشائية
في عموم الزيارات والأدعية نجد الآداب والتوجيه والإرشاد، ونلحظ في الأساليب الانشائية بعض الخصائص الأسلوبية التي ينفرد بها أهل البيت(عليهم السلام)، وما ميزّها أكثر تنوع الأساليب الإنشائية؛ فنجد النداء حاضراً بشكل كبير في هذه الزيارة؛ ليحقق القبول والحضور الفاعل، ومن بعده تتنوع الأساليب بين الأمر والنداء؛ لتحقق المزيد من التأثير في المتلقي.
1.النداء: من أساليب اللغة العربية، ويعني الصوت والدعاء (24).
والندى بعد الصوت وندي الصوت بعيده (25)، ويمثل بعد الصوت بين المنادى والمنادى عليه وأدواته كثيرة، منها (يا) وتعدّ أمّ الأدوات تستعمل للقريب والبعيد (26).
((هي لنداء البعيد، لأنها تنتهي بصوت مد يعين المنادي على إيصال ندائه إلى المنادى البعيد عنه حقيقة وحكماً))(27).
ويمثل النداء في مفهومه العام (طلب الإقبال)، ونادرًا ما يُؤدي هذه المهمة الدَّلالية؛ فنجد نداء العبد إلى مولاه بأسلوب أدبي رفيع طلباً للالتماس أو الدّعاء، وقد تكرر في أكثر من موضع وصفًا للأمير(عليه السلام) فورد على صور متنوعة، من بينها:
|
ت |
المقطع |
صورة النداء |
|
1 |
يا والد الأئمة البررة السَّادات، يا يَعْسُوبَ الدِّينِ، يا وارِثَ عِلْمِ النَّبِيِّينَ، يا فلكَ النجاة |
يا + منادى (اسم) مضاف + م. اليه |
|
2 |
يا مَن وُلد في الكعبة، وزوِّج في السّماء بسيدة النساء، يا من شرفت به مكى ومنى، يا من خصه النبي بجزيل الحباء، يامن بات على فراش خاتم الأنبياء، يا من ردت له الشمس |
يا + اسم موصول (مَن) + صلة الموصول (فعل ماض (وُلد، وشرف، وخص، وبات، وردت)+ الفاعل والمتعلقات) |
|
3 |
أيُّها المتصدق بالخاتم في المحراب |
أيّ + الضمير (ه) + اسم الفاعل |
|
4 |
يا فاصل الحكم، يا قاتل خيبر |
يا + اسم الفاعل+ متعلقات الجملة |
ففي الصورة الأُولى للنداء نجد الاستعمال لحرف النداء (يا) والمنادى (والد، يعسوب، وارث، فلك)، والاستعمال للمنادى هنا فيه مجاز ودلالات عظيمة، منها:
•(الوالد): في أكثر من موضع في هذه الزيارة المباركة، فالصورة المجازية هنا تبني الإمام علياً (عليه السلام) هو منشأ الإمامة؛ لأنّ الإمامة لا تعني سلطة سياسية فحسب، بل تربية وتهذيب روحي، فهو كالأب الذي خرج لتربية هذه الأُمّة ليس في النسب فحسب..
فالوالد هو الأب، ويطلق لفظ الوالد على كل من يحمل الاسم والنسب والرسالة، فالأبّوة هنا معنوية؛ لذلك كان يُقال: «أبو القبيلة» أو «أبو العلم» للدلالة على الريادة والتأسيس.
و(والد الأئمة) كالجذر لشجرة الإمامة، وقد وصفها الإمام علي وصفًا دقيقًا حين قال:((نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائكة وينابيع العلم))(28) فالأصل فيهم ثابت كالشجرة الراسخة بما تحمله من (جذور وساق وأغصان وثمار)
وقد تكرر في أكثر من مقطع:((يا والد الأئمة البررة))، وفي موضع آخر ((ووالد الأئمة المرضيين)) و((والد الأئمة الأطهار)).
• اليعسوب: ورد هذا الوصف مختصا به
أميرالمؤمنين (عليه السلام): ((السَّلامُ عَلَيكَ يا يَعْسُوبَ الدِّينِ وَقائِدَ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ))والعسب: طرق الفرس، والعسيب من النخل: جريدة مستقيمة دقيقة يكشط خوصها. وجمعه عِسبان، واليعسوب: أمير النّحل وفحلها))(29).
قال ابن فارس:((العين والسين والباء كلمات ثلاث متفردة بمعناها، لا يكاد يتفرّع منها شيء،... اليعسوب، يعسوب النَّحل ملكها وجمعه يعاسيب))(30).
وورد هذا اللفظ في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) جمعًا، في قوله(عليه السلام):((فَإنْ كَانَ لاَبُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ، فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُهُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الاْفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الاْمُورِ الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْـمُجَدَاءُ وَالنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ وَيَعَاسِيبِ الْقَبَائِلِ))(31)، وهنا يشير إلى رؤساء القبائل والزعماء، فهم كقائد النحل الذي تتبعه جماعته وتلتف حوله.
• الوارث: اسم فاعل من الفعل الثلاثي (ورث)، والميراث كون الشّيء لقوم ويصير إلى آخرين بسبب أو نسب(32)، وتخصيصه بصفة الوراثة، وهي البقاء بعد فناء الخلق، فمن يرث السموات والأرض وهو اسم من أسماء الله الحسنى وجاء اسم الوارث في القران الكريم في ثلاثة مواضع وكلها بصيغة الجمع(وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ)[ الحجر: 23]، وقوله تعالى:(وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) [الأنبياء: 89] وقوله تعالى:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 58]، وفي ولده الإمام الحسين (عليه السلام) صفة الوراثة من بعد الأنبياء من(آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد وأمير المؤمنين علي وفاطمة) ويدعو الزائر:((يا وارِثَ عِلْمِ النَّبِيِّينَ وَمُسْتَوْدَعَ عِلْمِ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ)) و((السَّلامُ عَلَيكَ يا وارِثَ عِلْمِ خَيْرِ مَوْرُوثٍ)).
•الفلك: وهو کالسفینة طريق للوصول إلى بر الأمان، وأهل البيت(عليهم السلام) هم الأسباب التي توصلنا إلى بر الأمان، وحين يقول الداّعي في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذكرى ولادة النبي (صلى الله عليه وآله):(( السَّلام عليك يا فلك النجاة» تمثيل لرموز الوصول والإنقاذ من الهلاك، فأمير المؤمنين (عليه السلام) مظهر للقيادة الراجحة، وفي هذه الزيارة المخصوصة تمثيل عميق، فالإمامة طريق موصل لرسالة النبي، وحين نقارن بين لفظيّ(السّفينة والفلك) نجد معانيَ متقاربة، فيحمل فيها الرّاكب من الشاطئ إلى البّر، وفي ولايتنا لأهل البيت(عليهم السلام)إنقاذ روحي وتربوي لتلك المبادئ الإسلامية من الضلال إلى الهدى.
وفي مقطع آخر نجد الاستعمال لحرف النداء(يا) متلوًا بالاسم الموصول (مَن) ومن بعده صلة هذا الموصول، التي تمثلت فيها جوانب عديدة تمثل ولادته التي كانت في(مكَّة)، التي تشرفت جدران الكعبة بانشقاق جدرانها لخروج هذا الوليد المبارك، وبيانا لزواجه بسيدة نساء العالمين، فرسم صورة العلاقة الاجتماعية بين بيتيَّ(ببيت نبوة و ببيت إمامة)، ثمّ مبيته المشّرف بمكان النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ففدى نفسه، ففي هذه الزيارة تصوير لتأريخ عظيم ومشّرف بين نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله) وإمامنا أمير المؤمنين(عليه السلام).
•الحواس(العين واليد واللسان): استعمالها في مواضع الزيارة للدلالة على معان مجازية(الرعاية والإحاطة والهداية)، وقد رسمت تلك الصورة المجازية؛ للتعبير عن أسلوب بلاغي في الاستعارة التمثيلية، فيقول الزائر:((السَّلامُ عَلَيكَ يا عَيْنَ الله النَّاظِرَة وَيَدَهُ الباسِطَةَ وَلِسانَهُ المُعَبِّرَ عَنْهُ فِي بَرِيَّتِه”ففي استعمال لفظ (العين) دلالة واضحة على الرِّعاية والعلم، وحين يقال:(عين الله ترعاك)، أي: يحيطك بخيره، وهو موضع نظره ورعايته، أو من يكون سببًا في إظهار علم الله وهدايته لعباده. ومنه قوله تعالى إلى نبيه نوح (عليه السلام):(واصنع الفلك بأعيننا) [هود: 37]، ويعني:الْحِفْظُ مِنَ الْخَلَلِ وَالْخَطَأِ فِي الصُّنْع(33)”.
أمَّا اليد فتدلُّ على القوة والعطاء، وذكر الخليل أن الأيد بلا ياء القوة(34)، والآد والأيد تعني القوة، وعن ابن عباس: القوة في العبادة(35)، وفُسِّر قوله تعالى:( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)[الذاريات 51: 47].
ودلالة اللسان على البيان واللغة والتخاطب والأداء الحسن، ففي" اللام والسين والنون: أصل صحيح يدل على طول لطيف غير واضح، في عضو أو غيره "(36).
ومنه قوله تعالى:(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم)[إبراهيم: 3].
وكلّ تلك الصفات توافرت في شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو الهادي لأمّته والمحيط والحافظ والمبلغ عن نبيهم أحكامه.
-------------------