الشيخ نهاد الفياض
الحوزة العلمية/ النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (34)
لا شكَّ ولا ريب في جواز تقبيل الأبواب والشبابيك في الأضرحة المقدَّسة، بل هو من سنخ تقبيل المصحف الشريف وسائر الأشياء المقدَّسة، كالتربة الحسينيَّة، لما في ذلك من إظهار التعظيم والمودَّة لما عظَّمه الله تعالى.
وإنَّما وقع الكلام والخلاف في مسألة الانحناء لتقبيل العتبات المقدَّسة، من حيث إيهامه السجود للأئمَّة (عليهم السلام)، ولذلك شكَّك بعضهم في مشروعيته وجوازه، غير أنَّ التحقيق يقتضي القول بالجواز، إذْ إنَّ الشيعة ـ أعزَّهم الله تعالى ـ لا يسجدون إلَّا لله تعالى، ولا يعبدون سواه، ولا يخطر ببالهم السجود لغيره، وإنَّما يُقبِّلون العتبات والأرضيات من حيث كونها أماكن شريفة ومقدَّسة ارتبطت بأولياء الله تعالى.
وعلى وفق ما تقدم، يكون الانحناء لأجل تقبيل هذه المواضع المقدَّسة كحال الانحناء لتقبيل المصحف الشريف تمامًا، من دون أنْ يحمل أية دلالة على العبادة أو السجود، بل هو تعبير عن الاحترام والتعظيم المشروعين، هذا مضافًا إلى أنَّ العرف والعقلاء يفرِّقون بوضوح بين السجود بقصد العبادة لله تعالى، وبين الانحناء بقصد التقبيل والتكريم.
ويُستدلُّ على جواز هذا الفعل ورجُحانه بجملة من الأدلَّة، نذكر قسمًا منها جلبًا للاختصار.
لا ريب في أنَّ الانحناء لتقبيل الأعتاب المقدَّسة يندرج ضمن مصاديق إظهار المحبَّة لأهل البيت (عليهم السلام)، التي نصَّ عليها القرآن الكريم صراحةً في قوله تعالى: (قُل لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربى) [الشورى: 23]، إذ جعل الله تعالى مودَّتهم أجر الرسالة، وفرضها على جميع المسلمين بلا استثناء.
ومن المعلوم أنَّ المحبَّة القلبيَّة الصادقة لا تنفك عن مظاهر عمليَّة، تُعبِّر عنها وتترجمها إلى سلوك خارجي، إذْ إنَّ النفس البشرية جُبلت على إظهار التعظيم لمن تحبُّه وتجلُّه، ومن هنا كانت زيارة مراقدهم الشريفة، وتقبيل أضرحتهم، وشبابيك قبورهم، وأعتابهم المطهَّرة من أبرز صور تلك المودَّة المفروضة، لما تحمله هذه الأماكن من رمزيَّة روحيَّة واتصال معنوي بأصحابها(عليهم السلام).
لذلك فإنَّ هذا السلوك لا يُعدُّ عبادةً لغير الله تعالى، ولا خروجًا عن التوحيد كما قلنا، بل هو تعبيرٌ عن الحب والولاء والتقديس لما قدَّسه الله تعالى ورسوله، وتعظيم لشعائر الله تعالى، ولذلك يكون الانحناء لتقبيل الأعتاب المقدَّسة مظهرًا من مظاهر المودَّة الصادقة لأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) ولونًا من ألوان تعظيم الشعائر الإلهية، بحسب ما هو واضح.
ورد في عددٍ من الروايات الشريفة ما يدلُّ على جواز تقبيل أرجل الأئمَّة (عليهم السلام)، أو تقبيل مواضع جلوسهم، مع إقرارهم (عليهم السلام) لذلك وعدم نهيهم عنه، وهو ما يكشف عن جواز هذا الفعل ورجحانه، وبذلك يُستفاد جواز تقبيل عتبات قبورهم الشريفة، إذ لا فرق في هذا الحكم بين حال حياتهم وبعد شهادتهم، عملًا بمقتضى كونهم شهداء عند الله تعالى يرزقون.
من تلك الأخبار:
1ـ ما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسندٍ معتبرٍ عن أبان بن عثمان، عن الصادق جعفر بن محمَّد (عليهما السلام) قال: ((إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر، إنك ستبقى حتَّى تلقى ولدي محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف في التوراة بالباقر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام ... إلى قوله: فقام جابر فوقع على قدميه يقبِّلهما ...))(1).
2ـ ما رواه أيضًا (طاب ثراه) بسنده عن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي قال: حدَّثنا عمِّي قال: حدَّثنا جعفر بن محمَّد الصادق (عليهما السلام) قال: ((كان علي بن الحسين (عليه السلام) لا يسافر إلَّا مع رفقةٍ لا يعرفونه، ويشترط عليهم أنْ يكون من خدم الرفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مرَّة مع قوم فرآه رجلٌ فعرفه، فقال لهم: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا علي بن الحسين (عليه السلام) فوثبوا فقبَّلوا يده ورجله...))(2).
3ـ ما رواه الشيخ الطوسي (طاب ثراه) بسنده عن محمَّد بن سالم قال: ((لما حُمل سيدي موسى بن جعفر (عليهما السلام) إلى هارون، جاء إليه هشام بن إبراهيم العبَّاسي فقال له: يا سيدي، قد كتبت لي صكًا إلى الفضل بن يونس، فسله أنْ يروِّج أمري, قال: فركب إليه أبو الحسن (عليه السلام)، فدخل إليه حاجبه، فقال: يا سيدي، أبو الحسن موسى (عليه السلام) بالباب، فقال: إنْ كنت صادقًا فأنت حرٌّ، ولك كذا وكذا، فخرج الفضل بن يونس حافيًا يعدو حتَّى خرج إليه فوقع على قدميه يقبِّلهما ...))(3).
4ـ ما رواه أيضًا (طاب ثراه) بسنده عن الحسين بن زيد بن علي، عن أبي عبد الله جعفر بن محمَّد الصادق (عليهما السلام)، وفيه: ((أخبرني أبي، عن أبيه علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: كنتُ أمشي خلف عمِّي الحسن وأبي الحسين(عليهما السلام) في بعض طرقات المدينة في العام الذي قُبض فيه عمِّي الحسن (عليه السلام)، وأنا يومئذٍ غلام لم أراهق أو كدت، فلقيهما جابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريان في جماعة من قريش والأنصار، فما تمالك جابر بن عبد الله حتَّى أكبَّ على أيديهما وأرجلهما يقبِّلهما، فقال رجلٌ من قريش كان نسيبًا لمروان: أتصنع هذا يا أبا عبد الله وأنت في سنك هذا، وموضعك من صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! وكان جابر قد شهد بدرًا، فقال له: إليك عني، فلو علمتَ يا أخا قريش من فضلهما ومكانهما ما أعلم لقبَّلت ما تحت أقدامهما من التراب))(4).
5ـ ما رواه أيضًا (طاب ثراه) بسنده عن سُليمان بن جعفر، قال: قال لي علي بن عُبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام): ((أشتهي أنْ أدخل على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أُسلِّم عليه، قلتُ: فما يمنعك من ذلك؟ قال: الإجلال والهيبة له وأتقي عليه. قال: فاعتلَّ أبو الحسن (عليه السلام) علَّة خفيفة وقد عاده الناس، فلقيتُ علي بن عُبيد الله، فقلت: قد جاءك ما تريد، قد اعتلَّ أبو الحسن (عليه السلام) علَّة خفيفة وقد عاده الناس، فإنْ أردت الدخول عليه فاليوم، قال: فجاء إلى أبي الحسن عائدًا فلقيه أبو الحسن (عليه السلام) بكلِّ ما يحب من التكرمة والتعظيم، ففرح بذلك علي بن عُبيد الله فرحًا شديدًا، ثمَّ مرض علي بن عُبيد الله، فعاده أبو الحسن (عليه السلام) وأنا معه، فجلس حتَّى خرج من كان في البيت، فلما خرجنا أخبرتني مولاة لنا: أنَّ أم سلمة امرأة علي بن عُبيد الله كانت من وراء الستر تنظر إليه، فلما خرج خرجت وانكبَّت على الموضع الذي كان أبو الحسن خ فيه جالسًا تقبِّله وتتمسَّح به، قال سُليمان: ثمَّ دخلتُ على علي بن عُبيد الله، فأخبرني بما فعلت أم سلمة، فخبَّرتُ به أبا الحسن خ، فقال: يا سُليمان، إنَّ علي بن عُبيد الله وامرأته وولده من أهل الجنة، يا سُليمان، إنَّ ولد علي وفاطمة(عليهما السلام)إذا عرَّفهم الله هذا الأمر لم يكونوا كالناس))(5).
هذا مضافًا إلى ما ورد في الأخبار الكثيرة الحاكية لانكباب الأئمَّة (عليهم السلام) على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وقبور من قبلهم من الأئمَّة (عليهم السلام) وأولادهم، وتقبيلهم إياه ومسح الخدَّين به، كما لا يخفى على منْ لحظ أخبار الزيارات، وفعلهم لا يكون إلَّا راجحًا، وعدم الفرق بين القبر والعتبة واضح، والمناط فيهما متحدٌ بلا شبهة(6).
ورد في جملة من آداب الاستئذان النص على تقبيل العتبة عند الأضرحة المقدَّسة والأماكن المشرَّفة، مما يعني جواز الانحناء لتقبيل تلك العتبات من دون محذور، نذكر ما عثرنا عليه، منها:
1ـ ما رواه الشهيد الأوَّل (طاب ثراه) عن المفضَّل بن عمر قال: ((جاز الصادق (عليه السلام) بالقائم المائل في طريق الغري فصلَّى ركعتين ... إلى قوله: يا مولاي، أتأذن لي بالدخول أفضل ما أذنت لأحدٍ من أوليائك، فإنْ لم أكن له أهلًا فأنت أهلٌ لذلك. ثمَّ قبِّل العتبة، وقدِّم رجلك اليمنى قبل اليسرى وادخل))(7).
2ـ ما رواه الكفعمي (طاب ثراه)، وفيه: ((فإذا أردت الدخول على النبي (صلى الله عليه وآله) أو أحد مشاهد الأئمَّة(عليهم السلام) فتقول: اللهم إني وقفتُ على بابٍ من أبواب بيوت نبيك (صلى الله عليه وآله)، وقد منعت الناس أنْ يدخلوا إلَّا بإذنه فقلت: (َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) [الأحزاب: 53] ... إلى قوله: ثمَّ قبِّل العتبة وادخل))(8).
3ـ ما رواه المجلسي (طاب ثراه) في الاستئذان على السرداب المقدَّس والأئمَّة (عليهم السلام)، وفيه: ((اللهم إنَّ هذه بقعة طهَّرتها، وعقوة شرَّفتها، ومعالم زكيتها ...إلى قوله: ثمَّ قبِّل العتبة، وادخل خاشعًا باكيًا، فإنه الإذن منهم صلوات الله عليهم أجمعين))(9).
وتقريب الدلالة فيها: أنَّ لفظ (العتبة) في اللغة عبارة عن أُسكفَّة الباب، والأُسكفَّة هي عتبة الباب التي يُوطأ عليها، وعتبات الدرجة وما يشبهها من عتبات الجبال وأشراف الأرض، وكلُّ مرقاة من الدرج عتبة، والجميع العتب، وتقول: عتب لنا عتبة، أي: اتخذ عتبات أي: مرقيات(10).
وإليه يُشير قوله (عليه السلام) أيضًا: ((إذا كان المؤمن يحاسَب تنتظره أزواجه على عتبات الأبواب، كما ينتظرن أزواجهن في الدنيا من الغيبة عند العتبة، قال: فيجيء الرسول فيبشرهن فيقول: قد والله انقلب فلان من الحساب، قال: فيقلن: بالله؟ فيقول: قد والله لقد رأيته انقلب من الحساب. قال: فإذا جاءهن قلن مرحبًا وأهلًا، ما أهلك الذين كنت عندهم في الدنيا بأحق بك منا))(11).
الظاهر من كلمات الفقيه الشيخ محمَّد بن مكِّي العاملي، المعروف بالشهيد الأوَّل (طاب ثراه)، أنَّ سيرة المتشرِّعة جرت على تقبيل العتبات المقدَّسة، وإنْ كان الأولى والأفضل أنْ يكون الانحناء والسجود لشكر الله تعالى على ما وفَّق إليه من شرف زيارة تلك البقاع المطهَّرة، قال (طاب ثراه): "ولا كراهة في تقبيل الضرائح، بل هو سنة عندنا، ولو كان هناك تقية فتركه أولى، وأمَّا تقبيل الأعتاب فلم نقف فيه على نص نعتدُّ به، ولكنْ عليه الإمامية، ولو سجد الزائر ونوى بالسجدة الشكر لله تعالى على بلوغه تلك البقعة كان أولى"(12).
وقال العلَّامة الأميني (طاب ثراه): "يُروى أنَّ شيخ الطائفة الأنصاري قيل له في تقبيل الأعتاب المقدَّسة فقال: إني أقبِّل عتبة مشهد أبي الفضل العبَّاس(عليه السلام) فضلًا عن أعتاب مشاهد الأئمَّة (صلوات الله عليهم) لا بما أنها عتبة مشهده (عليه السلام)، بل بما أنها موطئ أقدام زوَّاره، ولقد شُوهِد زعيم الشيعة آية الله ميرزا محمَّد تقي الشيرازي حين يقبِّل عتبة مشهد الحر بن يزيد الرياحي (رضوان الله عليه)، ولا شكَّ أنَّ سيرة الشيعة قائمةٌ على ذلك"(13).
وسُئل العلّامة الحلّي بما نصّه: "ما يقول سيدنا الإمام العلَّامة في وضع الإنسان وجهه على الأرض عند أبواب المشاهد الشريفة، وتمريغ خده عليها؟ هل يكون ذلك الفعل حرامًا؟ لأنَّ هذا يشبَّه بالسجود، وهذا أمر مختص بالله، وقد بالغ المتصوِّفون وأرباب الطريقة في النهي عن هذا وغيره مما يقاربه، فهل يكون مكروهًا أو هو مستحب في هذه الأماكن المشرَّفة، بيِّن لنا ذلك بيَّن الله لك الهدى وجنَّبك الردى.
الجواب عن ذلك: إنْ قَصَدَ الفاعل أنْ يكون السجود لغير الله تعالى كان عاصيًا، وإنْ قَصَدَ السجود لله تعالى والشكر على وصوله إلى تلك البقعة المباركة الشريفة والتذلُّل للإمام بالتقبيل لتربته كان مثابًا على ذلك"(14).
والنتيجة النهائية من جميع ذلك، أنَّ الانحناء لتقبيل العتبات المقدَّسة غير السجود لله تعالى، وهو أمرٌ راجح شرعًا.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1) الصدوق، الأمالي: 434.
2) الصدوق، عيون أخبار الرضا: 2/156.
3) الطوسي، اختيار معرفة الرجال: 2/790.
4) الطوسي، الأمالي: 499.
5) اختيار معرفة الرجال: 2/856.
6) ظ: المامقاني، إزاحة الوسوسة: 62.
7) الشهيد الأوَّل، المزار: 32 ـ 39.
8) الكفعمي، المصباح: 472.
9) المجلسي، بحار الأنوار: 99/115.
10) ظ: الفراهيدي، العين: 2/75؛ الأزهري، تهذيب اللغة: 10/47.
11) الكوفي، الزهد: 91.
12) الشهيد الأول، الدروس الشرعية: 2/24.
13) الأميني، أدب الزائر لمن يمَّم الحائر: 48.
14) العلامة الحلي، أجوبة المسائل المهنائية: 24.