دراسة فقهية تحليلية في ضوء التعديل الجديد لقانون الأحوال الشخصية الجعفري لعام 2025
السَيَّد مُحمَّد بَاقِر المُقَدَّس الغُرَيفِي
الحوزة العلميّة في النَّجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 199 – الصفحة (23)
أولى الإسلام اهتمامًا بالغًا وعناية خاصة بالأسرة، عبر سنّ مجموعة من القوانين والضوابط، لأجل ديمومتها واستقرارها، فأعطى لكل فرد من أفراد الأسرة مجموعة المسؤوليات والمهام والحقوق، حتى لا يحصل التعدّي عليها، فيؤدي بهم إلى خلخلة أفرادها، ومن الحقوق الزوجية المهمّة هي مسألة المهر أو الصداق، فإنه يعد ركنًا أساسًا في الزواج، وقد فصّلت الشريعة الغرّاء فيه، وسنبحث أحكامها على وفق فقه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
الفرع الأول: المهر أو (الصداق) في الفقه الجعفري – تأصيل نظري
لا ريب كما ورد في آيات القرآن الكريم – يمثل أحد الشروط المكمّلة لعقد النكاح في الفقه الإسلامي، إذ هو من شروط العقد لا من أركانه، بحيث لا يتوقف أصل النكاح على ذكره.
المهر لغة: مهر المرأة، مهرتها أمهرها مهرًا فهي ممهورة، وقد قالوا أيضًا: وأمهرتها إمهارًا فهي ممهرة، وامرأة مَهيرة وممهورة، وجمع مَهيرة مهائر، والمُهْر: الفتيّ من الخيل، والأنثى مُهرة، والجمع مِهار وأمهار(1) ، ويدل على أمرين: أحدهما: أجر في شيء خاص، وهو المهر، مهر المرأة أجرها تقول: مهرتها بغير ألف، فإذا زوجتها من رجل على مهر قلت: امهرتها، وثانيهما: شيء من الحيوان(2).
وفي المثل: أَحمقُ من المَمْهُورة إِحدى خَدَمَتَيْها؛ يضرب مثلًا للأَحمق البالغ في الحمق الغايةَ؛ وذلك أَنّ رجلًا تزوج امرأَة فلما دخل عليها قالت: لا أُطيعك أَو تُعطِيَني مهري، فنزع إِحدى خدمتَيْها (خَلْخَالها) من رجلها ودفعها إِليها فرضيت بذلك لحمقها(3).
ووجه تسميته "بالمهر" من المهارة في الشيء، فكأنّ كلّ واحد من الزوجين يكون ماهرًا في عمله بسبب إعطاء المهر، أمّا وجه تسميته "بالصداق" فلأنّه سبب لصداقة الزوجين، وكونه أجرًا واضحًا، وقد سمي أيضًا "بالفريضة" لأنّه فرض من الله تعالى، وسمي كذلك "بالنحلة" بمعنى الهديّة، فكأنّه هديّة منه إليها(4).
أمّا اصطلاحا: فقد عرّفه الفقهاء بتعريفات متعددة منها: هو مال يجب بوطء غير زنا منها ولا ملك يمين(5) ، ومنها: أن المهر اسم لما وجب في مقابلة البضع بنكاح، أو وطء، أو موت، أو تفويت البضع قهرًا(6).
والخلاصة: أنّ الأصل في المقام هو جواز جعل كلّ شيء له مالية -بأيّ مقدار كان- مهرًا للزواج، سواء أكان عينًا أم دينًا أم منفعة أم غير ذلك مما له مالية(7). فهو: ما يلزم على الرجل دفعه للمرأة في النكاح.
أمّا مشروعيته، فدلّ عليها القرآن الكريم في موارد متعددة، من أبرزها ما جاء بألفاظ واستعمالات أخرى:
1. الصداق: في قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: 4]، وتفسير الآية: إعطاء النساء مهورهن فريضة من الله تعالى لهن، فإن طابت نفوسهن بشيء من المهر من غير إكراه فلا إشكال ولا حرج عليكم بالتصرف فيه(8).
فالصداق جاء بمعنى المهر، والنحلة بمعنى عطية منكم لهن، ونزلت هذه الآية لأن كثيرًا من الناس كانوا يظلمون نساءهم ويسلبون حقوقهن، ولا يعطونهن الصداق المفروض عليهم، أو كانوا يماطلون أو يبخسون شيئًا منه، فنزلت الآية تحث الناس على إعطاء الصداق للنساء عن طيب نفس؛ لأنه صار حقًا من حقوق المرأة في أثناء العقد، إلا أن تتنازل هي وتعفو عن بعضه، فلا حرج عليكم حينئذٍ.
2. الأجر: في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[النساء: 24]، وتفسير الآية: فما استمتعتم أو تلذذتم من النساء بالنكاح، فآتوهن مهورهن فريضة، ولا جناح عليكم ولا حرج ولا إثم فيما تراضيتم به من زيادة مهر أو نقصانه أو حط أو إبراء أو تأخير(9).
3. الفريضة: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ﴾[البقرة: 237]، وتفسير الآية: وإن طلقتم نساءكم قبل الدخول بهن وقد فرضتم لهن مهرًا، فلهن نصف ما فرضتم، إلا أن تترك المرأة نصف مهرها(10).
يقول الشيخ الطوسي: "وقال جميع أهل التأويل: إنه إذا طلق الرجل من [سمّى] لها مهراً معلوماً قبل أن يدخل بها، فإنه يستقر لها نصف المهر، فان كانت ما قبضت شيئاً وجب عليه تسليم نصف المهر، وإن كانت قد سُلّمت جميع المهر، وجب عليها رد نصف المهر، ويستقر لها النصف الآخر"(11).
والمهر هو عطية واجبة، لا منّة فيها، بل هي عنوان تكريمي يمثل موقع المرأة في منظومة التشريع الإسلامي، بوصفها شريكًا في العقد.
أمّا في السنة الشريفة، فقد وردت روايات كثيرة وعديدة وفي أبواب مختلفة في مسألة المهر، منها روايات تبيّن عقوبة عدم إعطاء المهر:
1. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((في الرجل يتزوج المرأة ولا يجعل في نفسه أن يعطيها مهرها فهو زنا))(12)، إذ يُفهم من ظاهر هذا النص أنّ عقد الزواج مع نية الخيانة في المهر يخرج عن حقيقته الشرعية إلى صورة محرّمة تشبه الزنا، لما فيه من انتهاك لحرمة المرأة ومصادرة لحقها المشروع.
2. وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((من أمهر مهرًا ثم لا ينوي قضاءه كان بمنزلة السارق))(13)، وفيه تشبيه بليغ يجعل المماطلة في أداء المهر نوعًا من الغصب والسرقة، بل أشد وقعًا لارتباطه بحقوق الزوجة وكرامتها.
3. وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((إن الله ليغفر كل ذنب يوم القيامة إلا مهر امرأة، ومن اغتصب أجيرًا أجره، ومن باع حرًا))(14)، وهذه الرواية تكشف عن شدّة عناية الشريعة بحقوق النساء، إذ قرنت عدم سلب المهر بمظالم كبيرة كبيع الأحرار، وأكل حقوق الأجراء.
ومنها روايات في مقدار المهر:
1. روي عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ((سألته عن المهر ما هو؟ قال: ما تراضى عليه الناس))(15).
2. وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: ((الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير فهذا الصداق))(16)، وغير ذلك من الروايات.
وقد أقرّ التعديل لقانون الأحوال الشخصية على وفق المذهب الجعفري ذلك، على وفق المادة (47): ((كل ما يملكه المسلم وتكون له مالية عند الناس يصح أن يجعل مهرًا، عينًا كان أو دينًا او منفعة))(17).
الفرع الثاني: حكمة تشريع المهر ووظيفته ضمن عقد الزواج
إنّ الأحكام الشرعية – ومنها أحكام الأسرة – ليست أحكامًا تعبديّة محضة، بل تنطوي على ملاكات واقعية في المصالح والمفاسد؛ لذا فإنّ تشريع المهر له أبعاد متعددة أبرزها البُعد التكريمي: المهر مظهرٌ لإكرام المرأة وإظهار رغبة الرجل في الارتباط بها برضا واعترافٍ بحقّها، فهو ليس ثمنًا لتمكين أو استمتاع، وإن كان ذلك واجبًا، بل هو تعبير عن المودّة المقرونة بالعقد، والبُعد التوثيقي: كونه توثيقًا للعقد وضمانًا لجدّية الالتزام، بحيث لو وقع خلاف أو افتراق، بقي المهر رمزًا لتوثيق العقد.
ويُستفاد من تتبّع النصوص القرآنية والروايات أنّ المهر شُرّع على أساس إكرام المرأة وإظهار الرغبة الصادقة في الاقتران بها، فالقرآن الكريم يشير إلى أنّ الصداق -نِحلة- أي هدية خالصة لا عوضًا ولا مقابلًا، إذ لا يقصد منها تسعيرًا لعلاقة إنسانية، بل هي مظهر للمودّة المضمّنة في العقد.
أولاً: مقدار المهر بين الكثرة والقلّة
إنّ المهر ليس ثمنًا لشراء المرأة في قبال الاستمتاع بها كما يدّعي بعضهم؛ في سبيل التشكيك بمفاهيم الإسلام وأحكام الأسرة، إذ إن عقد الزواج لا يمت للبيع والشراء بصلة، ولا تُملّك الزوجة مقابل الصداق، بل هو نحلة وهدية للمرأة، ومن المعلوم إنّ الهدية تؤلف بين القلوب وتزيد المحبة وتآلف الأرواح، وتترك أثرًا نفسيًا طيبًا، فالمهر؛ لأجل إعزاز المرأة والعناية بها وتلبية احتياجاتها.
وبناءً على ذلك فالمهر لا يرتبط ولا يمت بأية صلة لمسألة قضاء الشهوة، ولذلك جعل الإسلام المهر توافقًا وتراضيَا بين الرجل والمرأة، ولم يحدده بقدر أو يميز بين قيمة امرأة أو أخرى، بل جعل الأمر على نحو التفاهم.
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ((سألته عن المهر ما هو؟ قال: ما تراضى عليه الناس))(18).
وروي أيضًا عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: ((الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير فهذا الصداق))(19).
فالمهر هو نحلة وهدية من الزوج باختياره وبتراضي الطرفين، ولذلك لا يمكن اعتبار قيمة المرأة بمقدار مهرها، وقد أفتى الفقهاء بأنه يصح أن يكون المهر كل ما يمكن أن يملكه المسلم وله مالية عرفًا، سواء كان عينًا أو دينًا أو منفعة، ويصح أيضًا جعله منفعة الحر، حتى عمل الزوج نفسه كتعليم صنعة أو سورة ونحوه من كل عمل محلل(20).
جاء في منهاج الصالحين: ((لا تقدير للمهر في جانب القلة، فيصح ما تراضى عليه الزوجان وإن قل ما لم يخرج بسبب القلة عن المالية - على ما مر - كحبة من الحنطة، وكذا لا تقدير له في جانب الكثرة، نعم يستحب أن لا يتجاوز به مهر السنة وهو خمسمائة درهم، فلو أراد التجاوز جعل المهر مهر السنة وبذل الزيادة))(21).
وهذا ما اتفقت عليه الروايات الشريفة وهو أن المهر تراضٍ بين الطرفين، سواء أكان قليلًا أم كثيرًا.
ثانيًا: يستحب العقد بمهر السنة
وهو المهر الذي كان يجعله الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) لبناته وزوجاته، إذ يستحب ألا يتجاوز مهر السنة، ويسمى "مهر فاطمة الزهراء $" وهو خمسمائة درهم على المشهور، وهو ما يعادل 1500 غرام من الفضة.
فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لعلي (عليه السلام): تكلّم خطيبًا لنفسك... إلى أن قال: وهذا رسول الله زوّجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم، وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا(22)، وفي رواية أخرى: زوّج النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة عليًا c على أربعمائة وثمانين درهمًا(23).
غير أنّ هذا التحديد ليس تحديدًا إلزاميًا بل يشير إلى مبدأ الاعتدال في المهور، يراد منه مقاومة ظاهرة المبالغة في المهور التي تحوّل الزواج إلى معاملة مالية.
ثالثًا: مهر المثل ومبدأ العدالة التناسبية
إذا لم يُذكر المهر في عقد الزواج، فإن حصل الجماع، صح العقد وكان لها مهر المثل، وهو مهر من تماثلها في الصفات والظروف، وهذا الحكم يعد تعبيرًا عن العدالة التناسبية التي يقوم عليها الفقه الجعفري في باب المعاوضات والالتزامات، إذ يُلزم الشارع بإرجاع التقدير إلى العرف النوعي لا الفردي، أي إلى الموازنة بين الأقران لا الأفراد.
وبحسب فتاوى الفقهاء: فإنّ تحديد مهر المثل منوط بملاحظة جملة من الخصوصيات والاعتبارات النوعية والشخصية، إذ يُلحظ فيها المكانة الاجتماعية، والجمال، والعمر، والبكارة، والمستوى المالي، وما يترتّب على ذلك من تفاوت في موقعها العرفي، بحيث تكون جميع هذه العوامل بمثابة الموجِّهات العرفية لتعيين مقدار مهر المِثل، الذي ينسجم مع الموازين المعتبرة عند العقلاء(24).
ويمكن في الفقه المعاصر أن يُستفاد من هذه القاعدة في معالجة النزاعات القضائية، إذ يتيح تحديد مهر المثل بناءً على تقارير خبراء أو مراكز اجتماعية مختصة، لا مجرد الاجتهاد الشخصي للقاضي.
وقد استوعب التعديل الجديد للقانون الجعفري لسنة 2025 هذا المعنى، إذ جاء في المادة 46: ((المهر: ويسمى الصداق أيضًا، وهو ما تستحقه الزوجة بجعله في العقد أو بتعيينه بعده ويعبّر عنه بـ (المهر المسمى)، او ما تستحقه بسبب الدخول بالمرأة أو ما بحكمه، ويعبر عنه بـ (مهر المثل)))(25).
رابعًا: المهر المعجّل والمؤجّل – بين الفقه والعُرف الحديث
في العُرف الحديث جعلوا المهر مجّزأً على قسمين:
أحدهما: المهر المعجّل: هو ما يُدفع عند العقد أو قبله، أو بعد الدخول.
الآخر: المهر المؤجل: يُدفع لاحقًا بحسب الشرط المذكور في العقد، إذ لا بد أن يُعيّن في الأجل، كأن يكون بعد سنة أو أكثر، أو عند المطالبة والميسرة، أو عند القدرة والاستطاعة.
وقد نصّ الفقهاء على أنّ تأجيل المهر جائزٌ مطلقًا ما لم يُفضِ إلى جهالة فاحشة، بل يصحّ حتى لو كان الأجل مبنيًّا على مرتكزٍ عرفي كالموت أو الطلاق، ما دام العرف يُحدده ويُحرّر جهالته(26).
وجاء في المادة (49) من التعديل الجديد لقانون الأحوال الشخصية العراقي على وفق المذهب الجعفري: ((إذا أجّل المهر – كُلًا أو بعضًا – وجب تعيين الأجل بما يرفع الإبهام التام – كتحديده بأقرب الأجلين أو عند القدرة والمطالبة - ، فلو كان الأجل مبهما بحتًا – كمضي مدةٍ ما صحّ العقد وصحّ المهر وسقط التأجيل))(27).
خامسًا: البعد الاجتماعي للمهر في ضوء التحوّلات الحديثة
إنّ النظر في دلالة المهر يُفضي إلى كونه نحلة وهدية للمرأة، لا أن يكون المهر عوضًا عن شيء، أو ثمناً مقابل حق، ولا باعتباره موضوعًا للتمليك، بل وردت النصوص لتدلّ على كونه تكريمًا لها.
وكان المهر في المراحل الأولى يُمارس ضمن فضاءٍ أسريّ تقليدي، يخضع لتفاهمات عرفية، ولكن من تطور البنية الاجتماعية الحديثة، ودخول الدولة كمنظومة ضابطة للعلاقات الأسرية، تحوّل المهر إلى مؤسسة قانونية ذات أثر اجتماعي مباشر، تترتب عليها التزامات مالية قابلة للتنفيذ القضائي.
وهذا التحوّل من الفردي إلى المؤسسي ليس خروجًا عن مقاصد الشريعة، بل هو من صور تفعيل النص ضمن قانون يضمن حق الطرفين.
سادسًا: المهر ومشكلة المغالاة
من أبرز التحوّلات الاجتماعية التي واجهت بنية المجتمع الإسلامي في العقود الأخيرة هي ظاهرة المغالاة في المهور، التي أفرزت أزماتٍ بنيوية في منظومة الأسرة، وأثّرت بصورة مباشرة في معدّلات الزواج والطلاق، حتى باتت تمثّل إحدى العقبات في تكوين الأسرة.
فالحرية التي أقرّها الفقه سمحت بأن يكون المهر مطلقًا في القلة والكثرة، إلا أنّ هذه الإباحة حين أُسيء استعمالها تحولت إلى أداةٍ ضغطٍ اجتماعي، تمارسها بعض الأسر بدافع التفاخر أو الوجاهة أو ضمان المستقبل المالي للزوجة، فصار المهر أحيانًا مانعًا من الزواج لا وسيلةً إليه، ومصدرًا للمفاسد بدل أن يكون مظهرًا للمودة والرحمة.
لقد واجه الفقه الجعفري هذه الظاهرة عبر الإرشاد لا الإلزام، فدعا إلى التيسير والحثّ على مهر السنّة، وعدّه مظهرًا من مظاهر الاقتداء بالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)وأهل بيته الطاهرين، وأكّد أهل البيت (عليهم السلام) أنّ خير النساء أيسرهنّ صداقًا، وتدعو روح الشريعة إلى تخفيف الأعباء المالية في الزواج؛ لأنّ المقصود من المهر هو إظهار الرغبة والإكرام، لا إثقال الكاهل والإلزام.
الخاتمة
لقد أظهر البحث أنّ المهر في أصل تشريعه إنما هو نحلة وهديّة، أراد الله تعالى في تشريعه أن يوطّد دعائم الأسرة ويؤسس رباطًا من المودة والرحمة بين الزوجين، ومن هنا، لم يقيّده الشارع بحدّ معيّن من القلّة أو الكثرة، بل ترك أمره إلى التراضي، فجعل معيار الصحة فيه هو المالية العرفية، إذ يُمكن أن يكون قليلًا أو كثيرًا، عينًا أو دينًا، منفعةً أو عملًا، ما دام مما يعدّ مالًا في أعراف الناس.
كما كشف البحث عن أهميّة (مهر السنة) اقتداءً برسول الله (صلى الله عليه وآله) لابنته الزهراء $، إذ جعله علامة على التيسير، لأجل الاقتداء بسيرته المباركة، فكان بذلك مقياسًا أخلاقيًا يحدّ من المغالاة.
ومن نتائج هذا البحث أيضًا أنّ المهر إذا لم يُسمَّ في العقد، أو وقع الخلل في تسميته، رجع الحكم إلى "مهر المِثل"، وهو ما يقدَّر تبعًا لمقتضيات المكانة الاجتماعية والصفات الشخصية وما يُتعارف عليه في بيئة المرأة وأمثالها، فيتحقق بذلك حفظ حقها وعدم ضياع كرامتها، المحكومة بالمرتكزات الشرعية والعرفية.
وبذلك يبرز أنّ المهر ـ بمختلف تقسيماته من مسمّى وسنة ومِثل، ومعجّل ومؤجّل ـ إنما هو حق ثابت، تجتمع على غاية واحدة، هي صيانة حق المرأة، وتعزيز مكانتها، وتشييد العلاقة الزوجية على أسس من العدل والمودة والاحترام، فهو ليس عبئًا ماديًا، ولا عرفًا فارغًا من المضمون، بل هو تشريع مقصود لذاته، يجمع بين الرمزية المعنوية والضمانة الحقوقية.
من هنا نستخلص أنّ المهر، في فلسفة التشريع الإسلامي، يمثّل أحد الأعمدة التي ينهض عليها صرح الأسرة، ويعبّر عن رؤية الإسلام المتوازنة في الجمع بين الروح والمادة، وبين الحق والواجب، وبين المقاصد العليا للعقد والحقوق الجزئية للزوجين، ليظل الزواج في الإسلام عقدًا مقدسًا يشيع الطمأنينة، ويؤسس للسكينة التي أرادها الله تعالى لعباده.
---------------
1-ابن دريد، جمهرة اللغة: 2/804.
2-ابن فارس، معجم مقاييس اللغة: 5/281.
3-ابن منظور، لسان العرب: 5/184.
4-ظ: مكارم الشيرازي، أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة: 3/115.
5-الشهيد الثاني، زين الدين العاملي، مسالك الأفهام: 8/157.
6-الجواهري، محمد حسن النجفي، جواهر الكلام: 31/2.
7-ظ: مكارم الشيرازي، أنوار الفقاهة: 3/116.
8-ظ: الطوسي، التبيان في تفسير القرآن: 3/109.
9-ظ: الطبرسي، تفسير مجمع البيان: 3/61-62.
10- مقاتل بن سليمان، تفسير مقاتل بن سليمان: 1/126.
11-التبيان في تفسير القرآن: 2/272.
12-الكليني، الكافي: 5/383.
13- المصدر نفسه.
14-الحر العاملي، وسائل الشيعة: 21/266.
15-الكليني، الكافي: 5/378.
16- المصدر نفسه.
17-جريدة الوقائع العراقية، العدد 4843، لسنة 6/10/2025م، (مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأصول الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري)، ملحق القانون رقم (1)، ص11.
18-الكليني، الكافي: 5/378.
19-المصدر نفسه.
20-الخوئي، منهاج الصالحين: 2/279، السيستاني، منهاج الصالحين: 3/90.
21-السيستاني، منهاج الصالحين: 3/90.
22-حسين بن جبر، نخب المناقب لآل أبي طالب: 2/575.
23- المصدر نفسه.
24-ظ: الشيخ الجواهري: جواهر الكلام، 31/52.
25- جريدة الوقائع العراقية، العدد 4843، لسنة 6/10/2025م، (مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأصول الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري)، ملحق القانون رقم (1)، ص11.
26- ظ: الحكيم، محمد سعيد، منهاج الصالحين: 3/44.
27-جريدة الوقائع العراقية، العدد 4843، لسنة 6/10/2025م، (مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأصول الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري)، ملحق القانون رقم (1)، ص11.