100%
الصِّراطُ المُستقيم

القيم الأخلاقية للمجتمع العربي في فكر الإمام علي (عليه السلام)

نبأ رحمان محمد جواد

جامعة الكوفة / المكتبة المركزية

 

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 196 – الصفحة (49)

 

لقد شهد الإمام علي (عليه السلام) جميع الظواهر الاجتماعية السائدة في مجتمع ما قبل الإسلام وفي صدر الإسلام تلك العادات الموروثة من وواقع حياتهم الصعبة والتي ترسخت فيهم وتغنوا بها في اشعارهم واشتهرت في اوساطهم المستمدة من ملة ابراهيم (عليه السلام).

وهذا ما احتج به الإمام الحسين (عليه السلام)على القوم في يوم عاشوراء إذ قال: ((ويحكم، يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربًا كما تزعمون))(1).

 

لقد سادت الصفات الحميدة، وعلى نقيضها العادات والتقاليد السلبية التي جاء الإسلام للقضاء عليها، وتأطير بعض عاداتهم بما يلائم صلاحهم، وقد رسخ وحث على الاستزادة من الصفات الحسنة، ومن ذلك قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((إنما بعثت لأتمم مكــارم الأخـــــلاق))(2) وقولــــــه(صلى الله عليه وآله) أيضاً: ((حسن الخلق يثبت المودة))(3)، إذ كان من عاداتهم العصبية القبلية، وانتشار الخرافات، وعبادة الأصنام، واستعباد النساء وإكراهِهِنَّ على الزواج وحرمانهن من الميراث، كذلك شرب الخمر ولعب القمار، وغيرها من العادات والتقاليد البــالية.

وبما أن الإمام عليًا (عليه السلام) هو خليفة الله تعالى وخليفة رسوله الكريم فقد قال له النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله): ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))(4)، وقال(صلى الله عليه وآله): ((أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب))(5)، فقد كان(عليه السلام) خير من مثل الرسول(صلى الله عليه وآله) وخير من طبق مبادئ الدين الإسلامي وغرسها في نفوس المؤمنين، إذ قال(عليه السلام): ((حسن الأخلاق يدر الأرزاق ويؤنس الرفاق))(6)، وقال(عليه السلام): ((من حسّن خلقه كثر محبوه، وأنِست النفــوس به))(7)، وكثير من الأحاديث الأخرى التي تحث على التحلّي بمكارم الاخلاق ونبذ الصفات البذيئة.

 

المنظومة الأخلاقية في الإسلام

الأخلاق هي الصفات النفسية التي نحدد على ضوئها كيف نتصرف ونتعامل في حياتنا الاجتماعية، وكيف يتصرف بعضنا مع بعضنا الآخر، إذ إن الإنسان بطبيعته اجتماعي، لا يعيش بمعزل عن الآخرين، بل يتفاعل معهم ضمن العلاقات الاجتماعية، لذا فإن القيم الأخلاقية لا تُعد مجرد كمال فردي، بل هي ضرورة أساسية لاستقرار المجتمع وتحسين العلاقات بين أفراده، إذ تكمن أهمية هذه القيم في كونها منظومة متكاملة، لا يتحقق أثرها إلا بالالتزام بها جميعًا، وفقًا لما اقرته الشريعة الاسلامية، وتطبيقها عمليًا في الحياة اليومية، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّـَهِ أَتْقَاكُــمْ إِنَّ اللـَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات :13].

 

القيم الاخلاقية الفردية والاجتماعية:

إن الأخلاق تمثّل جوهر الإسلام، وقد ورد عن نبي الرحمة(صلى الله عليه وآله) ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، والقرآن الكريم ركز على الأخلاق في كثير من آياته الكريمة، منها قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّـَهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللّـَهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللّـَهَ كَثِيرًا﴾[الاحزاب: 21] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، كما حذر من الغلظة في الأخلاق، إذ قال تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّـًا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّـوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[ آل عمران: 159]، إذ إن هذه الآية فيها تصريح واضح لتبعات الاخلاق غير الحميدة، وأن المنظومة الأخلاقية في الإسلام امتدت لتشمل الفرد والمجتمع معًا، بحيث لا يكون صلاح الجماعة بمعزل عن صلاح الإنسان والعكس صحيح.

لقد جسّد الإمام علي(عليه السلام) هذه الرؤية بعمق، إذ ربط بين الفضيلة الفردية واستقرار المجتمع، مؤمنًا بأن تطبيق القيم الإسلامية على الشخص نفسه هو الضمانة لاستقامة الحياة الاجتماعية، وإذا أردنا إصلاح المجتمع والأمة يجب البدء من النفس أولًا، كما في قوله(عليه السلام): ((عجبتُ لمن يتصدى لإصلاح الناس ونفسه أشد شيء فســـادًا، فلا يصلحهــا ويتعاطى إصلاح غيره!))(8)، وبما أن قول المعصوم أو فعله أو تقريره حجة، وباعتبار أمير المؤمنين(عليه السلام) باب مدينة علم النبي(صلى الله عليه وآله)، لم تكن أقواله وسيرته إلا تصويرًا حيًّا لهذه القيم، إذ تجلّت فيها الحكمة، والعدل، والرحمة، كركائز لبناء الإنسان والمجتمع على حدّ سواء، فقد كان(عليه السلام) قدوة عملية في التمسك بمبادئ الدين الإسلامي، لا يساوم على الحق، ولا يحيد عن العدل مهما كانت الضغوط، كان زاهدًا في الدنيا، مترفعًا عن مغرياتها، يعامل الجميع بإنصاف، ويؤثر الضعفاء والمحتاجين على نفسـه.

 

احترام حقوق الاخرين:

أكد أمير المؤمنين(عليه السلام) على احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق المرأة والضعفاء من الناس، وعدّها جزءًا من القيم الأخلاقية إذ قال(عليه السلام) في الناس: ((فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق))(9)، وقال(عليه السلام): ((لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا)) وقال (عليه السلام) أيضاً: ((لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا، وما خير خير لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال إلا بعسر))(10)، ويروى أنه(عليه السلام) كتب لولده الإمام الحسن(عليه السلام) فقال له: ((وأكرم نفسك عن كل دنية، وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضًا))(11)، وفي ذلك حث على أن يكون الإنسان حرًا أولًا، وعدم استعباد الآخرين وحفظ حقوقهم، كما أوصى(عليه السلام) بالنساء إذ قال: ((ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة(12)، ولا تعد بكرامتها نفسها، ولا تطمعها في أن تشفع لغيرها))(13).

كما أوصى أمير المؤمنين(عليه السلام) بالأيتام والضعفاء إذ قال: ((الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: من عال يتيمًا حتى يستغني أوجب الله عز وجل له بذلك الجنة، كما أوجب لآكل مـــــــال اليتيم النار))(14)، وقال(عليه السلام): ((إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك))(15) وقوله(عليه السلام): ((إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، وإن جاعوا وعروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه))(16).

ومن وصية له(عليه السلام) للإمامين الحسن والحسينࡽ لما ضربه ابن ملجم لعنه الله: ((أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحق واعملا للآخرة، وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا))(17)، وغيرها كثير من الأحاديث الكريمة والمواقف النبيلة، التي تحث على حقوق الناس في الإسلام، لاسيما الضعفاء منهم، لتحقيق التكافل الاجتماعي.

 

الحكم والسياسة في فكر الإمام علي(عليه السلام)

أما في ميدان الحكم والسياسة، فقد التزم أمير المؤمنين(عليه السلام) بالشفافية والنزاهة، وحارب الفساد بكل أشكاله، واتصف بالعدل في الحكم، إذ قال(عليه السلام) ((العدل قوام الرعية وجمال الولاة)(18) وقال(عليه السلام): ((العدل أفضل السياستين))(19) كذلك قوله(عليه السلام): ((العدل فضيلة السلطان))(20) وقوله(عليه السلام): ((بالعدل تصلح الرعية))(21).

 

بيت المال

لقد جعل أمير المؤمنين(عليه السلام) من بيت المال أمانة مصونة لا يجوز التلاعب بها، فقد روى الثوري عن داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: ((لقد رأيت بالبصرة عجبا! لما قدم طلحة والزبير قد أرسلا إلى أناس من أهل البصرة وأنا فيهم، فدخلنا بيت المال معهما، فلما رأيا ما فيه من الأموال قالا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، ثم تليا هذه الآية: (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه) إلى آخر الآية وقالا: نحن أحق بهذا المال من كل أحد، فلما كان من أمر القوم ما كان دعانا علي بن أبي طالب(عليه السلام) فدخلنا معه بيت المال، فلما رأى ما فيه ضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: يا صفراء يا بيضاء، غري غيري! وقسّمه بين أصحابه بالسوية حتى لم يبق إلا خمسمائة درهم عزلها لنفسه، فجاءه رجل فقال: إن اسمي سقط من كتابك، فقال(عليه السلام): ردوها عليه، ثم قال: الحمد لله الذي لم يصل إلي من هذا المال شيء، ووفره على المسلمين))(22).

وقد اعتمد الإمام(عليه السلام) أسلوب الشورى والاستماع للرأي الآخر، فلم يستبد برأيه، بل كان يحترم الخبرة والعلم كما في قوله(عليه السلام) ((من أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومـــن تكبر على الناس ذل))(23) وقوله(عليه السلام) أيضا: ((لا يستغني العاقــــل عن المشــــــاورة))(24)، وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) يوجّه ولاته بالرحمة والعدل والرعاية الصادقة لشؤون الرعية، ومن ذلك ما جاء في كتابه(عليه السلام) للأشتر النخعي لما ولّاه على مصر وأعمالها، حين اضطرب محمد بن أبي بكر((وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم))(25).

 

خلاصة الكلام:

بعد أن استعرضنا أثر الإمام علي(عليه السلام) في ترسيخ المنظومة الأخلاقية، إذ يتجسّد في شخصيته الثباتُ في المبدأ والمرونةُ في التعامل، مما يجعله أنموذجًا حيًا يُحتَذى في إصلاح الفرد وبناء المجتمع، إذ نجد أنّ الاقتداء بمنهج الإمام علي(عليه السلام) ليس ترفًا فكريًا، بل منهجٌ عملي يحتاجه كل مسلمٍ اليوم ليعيد للأمة هويتها ويصون قيمها، فلنستلهم من سيرته العطرة الدروس، ولنحمله شعلة للحق والاستقامة في قلوبنا وأعمالنا، حتى نكون جيلًا يضيء دروب الآخرين كما أضاء هو دروبَ أمته.

ــــــــــــــــ

1. المجلسي، بحار الأنوار: 45/ ٥١.

2. المصدر نفسه: 68/ 382.

3. محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 1/ 805.

4. الصدوق، معاني الأخبار: 75

5. أحمد الرحماني الهمداني، الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام): 141.

6. محمد الريشهري، ميزان الحكمة: ١/805.

7. المصدر نفسه.

8. المصدر نفسه: 3/ 1822.

9. نهج البلاغة: 3/84.

10. محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 1/ 582.

11. هادي النجفي، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام): 3/ 466.

12. القهرمان : لقب كان يلقب به أمين الملك ووكيله الخاص بتدبير دخله وخرجه الكافي، الشيخ الكليني: 7/51 .

13. البروجردي، جامع أحاديث الشيعة: 20/ ٢٥١.

14. الكليني، الكافي: 7/51.

15. محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/2308.

16. المصدر نفسه.

17. ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة: 17/5.

18. محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/1838

19. المصدر نفسه: 2/1385.

20. المصدر نفسه: 3/1839.

21. المصدر نفسه: 3/1838.

22. محمد الريشهري، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ: 5/ 268.

23. المجلسي، بحار الأنوار: 1/ 160.

24. محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 2/ 1525.

25. نهج البلاغة : 3/ 84.