100%
لسانُ الأُمة

لهجة أهل الحجاز في نهج البلاغة - دراسة نحوية

أ.م.د. ضرغام علي محسن

جامعة الكوفة / كلية التربية الأساسية

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 199 – الصفحة (65)

 

لقد حظي كتاب (نهج البلاغة) الذي جمع فيه الشريف الرضي (ت406هـ) من خطب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)ورسائله وقصار حكمه بالعناية الواسعة من علماء المسلمين كافة، وكثرت فيه الشروح والدراسات من زمن جمعه إلى يومنا هذا، لما لهذا الكتاب من أهمية بالغة على مختلف الصُعُد التأريخية والدينية والأدبية واللغوية وغيرها، إلّا أن هذه الدراسات على كثرتها لم تسلط الضوء عليه بدراسة مستقلة من حيث كونه يمثل لهجة أهل الحجاز، اللغة العربية الأدبية التي نزل فيها القرآن الكريم، إذ كانت تمثل لغة مجموعة من القبائل العربية في هذه المنطقة منها قبيلة قريش، التي انمازت من دون غيرها من اللهجات بمجموعة من الظواهر اللغوية على مختلف المستويات الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية، ولسعة الموضوع اقتصرت هذه المقالة على بعض التراكيب النحوية في المستوى النحوي، ولأن المستوى النحوي يمكن وصفه بدقة أكثر من غيره، لأننا ندرس نصوصاً مكتوبة وليست ملفوظة.

1-(ما) الحجازية تعمل عمل ليس :

وهي تعمل عمل ليس في لغة أهل الحجاز، يقول سيبويه: ((باب ما أجري مجرى (ليس) في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز ثمّ يصير إلى أصله وذلك الحرف (ما)، تقول: ما عبدُ الله أخاك وما زيدٌ منطلقا، وأمّا بنو تميم فيجرونها مجرى أمّا وهل، أي لا يعملونها في شيء وهو القياس؛ لأنه ليس بفعل، وليس (ما) كـ(ليس)، ولا يكون فيها إضمار، وأمّا أهل الحجاز فيشبّهونها بـ(ليس) إذ كان معناها كمعناها(1) ومثل ذلك قوله عزّ وجلّ:﴿مَا هَذَا بَشَرَاً﴾ (يوسف : 31)، في لغة أهل الحجاز وبنو تميم يرفعونها(2)، ومن أمثلة (ما) العاملة عمل ليس في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((وَاللّهِ ما مُعاوِيةُ بِأَدهى مِني وَلكِنَّهُ يَغدِرُ وَيَفجُرُ...))(3) فقد رفعت (ما) (معاوية) اسمًا لها، وخبرها (بأدهى) وقد جاءت الباء زائدة، ويرجح أنها عاملة لاقتران الباء في الخبر المنفي كثيراً في كلام العرب، واقترانها في خبر المبتدأ قليلا إذا كانت (ما) غير عاملة.

ومثله قوله (عليه السلام): ((مَا خَيرٌ بِخيرٍ بَعدَهُ النّارُ، وَمَا شَرٌّ بِشرٍّ بَعدَهُ الجَنّةُ))(4) يقول ابن أبي الحديد: (موضع (بعده النار) رفع لأنه صفة (خير) الذي بعد (ما)، و(خير) يرفع لأنه اسم (ما) وموضع الجار والمجرور نصب لأنه خبر (ما)، والباء زائدة مثلها في قولك: ما أنت بزيد كما تزاد في خبر (ليس)، والتقدير: ما خير تتعقبه النار بخير كما تقول: ما لذّة تتلوها نغصة بلذّة)(5) ومثالها عاملة وخبرها مجرّدا من الباء لأنه جملة فعلية قوله(عليه السلام): ((مَا كلُّ مَفتُونٍ يُعاتَبُ))(6)، أي ليس كل مفتون ينفع معه العتاب، فـ(ما) عاملة عمل (ليس) و(كلّ) اسمها، و(يعاتب) خبرها، وهو فعل مضارع مبني للمجهول ضارع اسم المفعول (مُعاتَب) إذ يمكن أن نقول ما كلّ مفتون مُعاتَبا.

 2-(لا) تعمل عمل ليس عند أهل الحجاز:

يقول ابن عقيل(ت769هـ): (أمّا (لا) فمذهب الحجازيين إعمالها عمل " ليس "، ومذهب تميم إهمالها)(7)، ولا تعمل هذا العمل إلا بثلاثة شروط الأول: أن يكون الاسم والخبر نكرتين، والثاني: ألا يتقدم خبرها على اسمها، والثالث: ألا ينتقض النفي بـ(إلّا)، ومن أمثلة إعمالها في نهج البلاغة قول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((لاَ كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لاَ كُلُّ نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ..))(8)، جاءت (لا)عاملة بدليل دخول الباء على خبرها (بسميع، ببصير) وقد رفعت الاسم (كل) في كلا الموردين . ومثله قوله (عليه السلام): ((الحمد للّه المعروف من غير رؤية، و الخالق من غير رويّة، الّذي لم يزل قائما دائما، إذ لا سماء ذات أبراج، و لا حجب ذات أرتاج، و لا ليل داج، و لا بحر ساج، و لا جبل ذو فجاج، و لا فجّ ذو اعوجاج، و لا أرض ذات مهاد، و لا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق و وارثه)(9) يقول الخوئي(ت1371هـ): (و لا بمعنى ليس، و سماء اسمها و خبرها محذوف منصوبا على الإعمال كما هو مذهب أهل الحجاز))(10) وهو الوجه الأقوى عنده.

3-(لات) تعمل عمل ليس عند أهل الحجاز ويكون اسمها أو خبرها (الحين) محذوفا دائما:

قال سيبويه(ت180هـ): ( أمّا أهل الحجاز فيشبهونها بليس إذ كان معناها كمعناها، كما شبهوا بها لات في بعض المواضع، وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين، تضمر فيها مرفوعاً وتنصب الحين لأنه مفعول به)(11)، ومن أمثلتها في نهج البلاغة قول أمير المؤمنين(عليه السلام): ((وَيَتَمَنَّى اَلْمُضَيِّعُ فِيهِ اَلرَّجْعَةَ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ..))(12)، (ولات حين مناص) مقتبسة من قوله تعالى﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍْ﴾[ص: 3]، (لا) مشبّهة بليس و التاء زائدة، و(حين) بالنصب خبر لا، و اسمها محذوف واذا رفعت (حين) على قلّته فهو اسم لا، والخبر محذوف أي: لات حين مناص حاصلا، و لا يستعمل إلاّ محذوفة أحد الجزئين(13)، ومثله قول أمير المؤمنين(عليه السلام): ((ولات حين تقيّة، مع وضوح الحق))(14)، وقوله (عليه السلام): ((فتقول الزّبانية لات حين أمان، لا خروج لكم من دار الهوان))(15) قال ابن هشام: (و عملها واجب، وله شرطان: كون معموليها اسمي زمان، وحذف أحدهما، والغالب كونه المرفوع أي الاسم نحو ولات حين مناص أي لات الحين حين مناص أو ليس الحين حين مناص فالحين الأول اسمها، و الحين الثاني خبرها)(16).

4- (الاستثناء المنقطع التام غير الموجب):

إذا كان الكلام السابق غير موجب وكان منقطعاً فأهل الحجاز يوجبون النصب، وبنو تميم يجيزون النصب والإبدال(17)، ومن أمثلة نهج البلاغة قول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((... كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا اَلْإِسْلاَمَ عَلَى وَجْهِهِ اِنْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ وَنَقْضاً لِمِيثَاقِهِ اَلَّذِي وَضَعَهُ اَلله لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ وَأَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ وَإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ اَلْكُفْرِ ثُمَّ لاَ جَبْرَائِيلَ وَلاَ مِيكَائِيلَ وَلاَ مُهَاجِرِينَ وَلاَ أَنْصَارَ يَنْصُرُونَكُمْ إِلاَّ اَلْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اَلله بَيْنَكُمْ ...))(18) ذهب الراوندي، وابن ميثم البحراني(19) إلى أنها استثناء منقطع.

 5 - حذف خبر لا النافية للجنس جوازاً عند أهل الحجاز:

 قال سيبويه في باب النفي بـ(لا): (واعلم أن (لا) وما عملت فيه في موضع ابتداء، كما أنك إذا قلت: (هل من رجل)، فالكلام بمنزلة اسم مرفوع مبتدأ، وكذلك: (ما من رجل)، ... والدليل على أن (لا رجلَ) في موضع اسم مبتدأ، و(ما من رجل) في موضع اسم مبتدأ في لغة بني تميم قول العرب من أهل الحجاز: لا رجلَ أفضل منك)(20)، هنا يذكر سيبويه أن لا واسمها في موضع مبتدأ في لغة تميم، واستدل على ذلك بلغة أهل الحجاز الذين يذكرون الخبر، على العكس من تميم الذين لا يذكرون الخبر، ومن الأمثلة على إظهار خبر لا النافية للجنس في نهج البلاغة قول أمير المؤمنين(عليه السلام) في حكمة له: ((لا مَالَ أَعودُ مِن العَقلِ ولا وَحدةَ أَوحشُ مِن العَجبِ...))، فـ(لا) نافية للجنس في الموضعين و(مال) و(وحدة) اسماء لها مبنية على الفتح في محل نصب، فقد نفى جنس المال و الوحدة من أن تكون أعود أو أوحش من العقل والعجب، وخبرهما (أعود) و(أوحش) مرفوعان.

 

-----------------------

1.كتاب سيبويه: 1/ 57.

2.الكتاب 1 / 59 ، وينظر معاني الفراء 2 / 42، ومعاني الأخفش: 1 / 136.

3.شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 9/1.

4.المصدر نفسه: 1/394 .

5.المصدر نفسه: 1/394 .

6.المصدر نفسه: 3/ 576.

7.شرح ابن عقيل: 1/312.

8.شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد:6/384.

9.المصدر نفسه: 6/392.

10. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للخوئي:1/341 .

11.كتاب سيبويه: 1/157.

12.شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 16/167.

13. ينظر : منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الخوئي: 1/234.

14.شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد:6/301.

15.المصدر نفسه: 8/76 .

16. مغني اللبيب: 1/96 .

17.ينظر: شرح قطر الندى :246، ونسب ابن عقيل وجوب النصب إلى جمهور العرب، ينظر: شرح ابن عقيل: 2/ 182 .

18.شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 13/ 179-180 .

19.ينظر: شرح نهج البلاغة، للراوندي:2/266، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني: 4/ 304.

20.الكتاب: 1 / 147 .