100%
مع الحق

الشعائر العاشورائية في ضوء منهج الدراسات الأنثروبولوجية شعيرةُ البكاء اختياراً

 

د.أحمد موفق مهدي

جامعة البصرة-كلية التربية للعلوم الإنسانية

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 204 – الصفحة (31)

 

يُعدّ البكاء أهمّ مظهر من مظاهر العزاء على سيّد الشهداء، وقد حثّت عليه الروايات بوضوح؛ مما يجعله في أولويات الشعائر الدينيّة، يعبّر القرآن الكريم عن تلك الطائفة من قوم موسى الذين سلكوا سبيل الغي والضلال: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) [الدخان: 29]، ويفهم من هذا السياق القرآني أنّ عدم استحقاق بكاء الآخرين نوع من التحقير والتوهين، وعلى هذا الأساس نفهم وصية الأئمة حين قالوا: ((خالطوا الناس مخالطةً إن متّم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم))(1).

 

 

إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) الذي تعامل مع الله بكُلّ كيانه، وأقبل نحو الشهادة بجميع أهل بيته ليقدّم تلك القرابين في سبيل الله لمن أعظم شعائر الله، وإقامة مجالس العزاء عليه إنّما تُعد تعظيماً لإحدى أعظم شعائر الله، وهي مِن المصاديق البارزة لتعظيم شعائر الله (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[ الحج: 32].

وتُعدّ مجالس العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) مجالس التحوّل الروحي، ومراكز تزكية النفس وتهذيبها، فالنّاس يقتدون بالإمام الحسين (عليه السلام) ببكائهم على مظلوميّته في هذه المجالس، فهم يخلقون الأرضية الخصبة لديهم في محاكاة سيرته العلميّة، والتأثير الذي تخلّفه هذه المجالس يُحدث تحوّلاً حقيقيًاً وعزمًاً على ترك الذنب والمعصية؛ إذ يوجد عدد من الأفراد قد عزموا على ترك الذنوب والمعاصي، وربّما تنبّه بعض الضالين إثر حضورهم تلك المجالس فعادوا إلى أنفسهم وساروا على الدرب، فهذه المجالس تُعلّم الإنسان دروس العزّة والكرامة والإيثار والتّضحية ودروس الأخلاق والورع والتقوى؛ وبالتالي فهي مصنع الأبطال وعشاق الحق والعدالة، أضف إلى ذلك أنّ هذه المجالس هي في الواقع مدارس تتعرّف الجماهير عن طريقها على المعارف والعقيدة والحقائق الدينيّة والتاريخ والأحكام ومختلف الموضوعات، وتُعدّ واحدة من أنجح مراكز التزكية والتهذيب والتربية، فالبكاء في مجالس سيد الشهداء (عليه السلام) له وجوه نذكر بعضها:

الوجه الأول:

توقّع الثواب من الله سبحانه والأجر منه تعالى في الآخرة؛ إذ إنّ في البكاء على الحسين (عليه السلام) تأسّيًا بالنبي الأكرم وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)؛ إذ قد ثبت بالتواتر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعلم بما جرى على الحسين (عليه السلام) بعده، وبكى على مصابه في عدّة مواطن ولعن قاتليه، وعبّر عنهم بأشرار الأمّة، وكذلك ابنته فاطمة الزهراء والإمام أمير المؤمنين والحسن السبط (عليهم السلام)، قد ثبت عنهم في الأخبار الصحيحة أنّهم بكوا على مصاب الحسين (عليه السلام) كلّما تذكّروه(2)، فضلاً عن الأئمة الأخيار، فكيف لا يحسن البكاء على الحسين (عليه السلام) والحزن والحداد على مصابه بعد أن بكاه النبي (صلى الله عليه وآله)، وآله أهل بيت العصمة ؟! وهل التأسّي برسول الله (صلى الله عليه وآله) مكروه وقبيح بعد أن أمرنا الله في كتابه العزيز بالتأسّي به على وجه عام، فقال سبحانه: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا)[الأحزاب: 21].

إنّ البكاء على الحسين (عليه السلام) والتأثر بمصائبه، وإظهار الحزن والأسى يوم قتله كلّ ذلك أمر محبوب ومرغوب فيه؛ لأنّه من التأسّي برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، وقد قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في كلمته المعروفة: ((شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا و يحزنون لحزننا))(3).

الوجه الثاني:

تعظيم شعائر الحسين (عليه السلام) وتعزيز عظمته وتكريم مقامه أمام الرأي العام، إذ ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله: ((ميّت لا بواكي عليه لا إعزاز له))، أيّ: لا احترام له، وهو أمر طبيعي؛ لأنّ القيمة المعنويّة للفقيد وعظمته الإنسانيّة تُعرف عند مَنْ لا يعرفونه من عظيم أثر فقده في نفوس عارفيه، وكلّما عظم الفقيد عظم مصابه على الناس؛ لذا غضب رسول الله(صلى الله عليه وآله) لمّا لم يسمع البكاء على عمّه حمزة بن عبد المطلب بعد رجوعه من معركة اُحد؛ وذلك لأنّ حمزة لم يكن عنده أحد في الدار يبكون عليه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) متأثرًاً، ولاسيما لما سمع البكاء على الشهداء من الأنصار، قال: ((ولكن عمّي حمزة لا بواكي عليه !)). فلمّا سمع الأنصار بعثوا إلى دار حمزة مَنْ يبكي عليه، فسرّ الرسول (صلى الله عليه وآله) وقال: ((على مثل حمزة فلتبكي البواكي))(4).

فلا ريبّ في أنّ الميت الذي لا يُبكى لفقده ولا يُحزن على موته لا قيمة له في نظر الناس، وإنّ ذلك دليل حقارته وضعف شخصيّته ومقامه، وهذا أمر عرفي ومنطقي، وقد أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ*كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ*فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ)[الدخان: 25 - 29].

فأيّ وسيلة يمكن أن نعبّر بها عن عظم منزلة الفقيد بين أصحابه ومحبّيه أقوى دلالة وأوضح تعبيرًاً من البكاء عليه؟ ثمّ أيّ ظاهرة أدلّ وأوضح تعبيرًاً عن شديد حبّنا للفقيد وعظيم تعلّقنا به من ظاهرة البكاء عليه وجريان الدموع لموته، وهل رأيت أو سمعت أنّ زعيماً شعبيّاً في العالم مات أو قُتل ولم يبكِ عليه أتباعه وأنصاره وشعبه، ولم يجعلوا يوم وفاته يوم حداد وأسى ؟! ولاسيما إذا كان موته بصورة مفجعة وقاسية، وتُقتل أولاده وأطفاله وإخوانه وعشيرته وتُقطع رؤوسهم، وتُرضّ أجسادهم بحوافر الخيل، وتُحرق خيامه على نسائه، ويُنهب ثقله وو... إلى آخر ما هناك من صور إجراميّة ووحشيّة تقشعر منها الجلود وتفتت الأكباد والقلوب؟!

ولا يُقال هنا بأنّ حادثة الحسين (عليه السلام) قديمة جدّاً، قد مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فإلى متى هذا البكاء لها والحزن عليها، وكلّ فقيد في العالم مهما عظم فإنّما يُبكى عليه لأيّام معدودة، ثمّ يطوى ذكره في زوايا التاريخ وبطون الكتب؟

 نقول: إنّ عظمة الحسين (عليه السلام) تفوق عظمة كلّ عظيم في العالم بعد جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأبيه المرتضى والزهراء والحسن (عليهم السلام)، فقياسه على غيره من عظماء الإنسانيّة قياس مع الفارق الكبير، فضلاً عن أنّ الكيفيّة التي فُقد عليها الحسين (عليه السلام) لم يُفقد عليها حتّى الآن أيّ فقيد قطّ؛ قُتل جائعًاً عطشانًا شعثًاً، مغبرًاً غريبًاً وحيدًاً، ثاكلاً مكروبًاً مستضعفًاً، يستغيث فلا يُغاث، ويستجير فلا يُجار، ويستعين فلا يُعان، يسمع ضجيج عياله وصراخ أطفاله وهم بين الآلاف من الأعداء، ينتظرون منهم كلّ مكروه، ومن الناحية الثانية ينظر إلى قومه وصحبه حوله مجزّرين كالأضاحي، مع العلم بأنّ الذين قتلوه هم أمّة جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله) الذين ثار لأجلهم، وقام لإنقاذهم من الظلم والاضطهاد؛ لذلك فإنّ فقده فريد في بابه، جديد أبدًاً ودائمًاً لا يؤثر فيه مرور الزمن، ولا يخفّف من وقعه تعاقب القرون والأجيال(5).

الوجه الثالث:

   إنّ البكاء على الحسين (عليه السلام) يرمز إلى تأييد الحسين (عليه السلام) في ثورته المباركة، وإعلان الثورة العاطفيّة على الظلم والظالمين، والتعبير عن أعمق مشاعر الاستنكار، والسخط ضدّ أعداء الحقّ والعدل، فالبكاء لكلّ واحد من هذه الأهداف والغايات الثلاث أمر طبيعي وعقلائي، وظاهرة فطريّة خيّرة من ظواهر الفطرة السليمة التي وقاها الله تعالى من نكسة القساوة والغلظة وتحجّر الضمير، وهي أخطر الأمراض النفسيّة والانحرافات الروحيّة التي يتعرّض لها بعض الأفراد، وقانا الله شرّها وهي المعبّر عنها بموت القلب(6).

جاء في الحديث الشريف: ((جفاف العيون من قساوة القلوب، وما ضرب ابن آدم بعقوبة أشدّ عليه من قساوة القلب))(7).

لم يجد الخبراء وعلماء النفس والأخلاق بين الصفات الإنسانية كلّها صفة أفضل وأشرف من الرحمة ورقّة القلب على الآخرين، حتّى أنّ بعض الفلاسفة عدل عن تعريف الإنسان بالحيوان الناطق، وهو التعريف المشهور، عدل عنه إلى أنّه حيوان ذو عطف؛ وعليه فلا إنسانيّة مطلقاً بدون العطف على مصائب الآخرين، وبدون الرحمة ورقّة القلب على نكبات المظلومين ومآسي المنكوبين(8).

 

----------------

1-نهج البلاغة: الكلمة10.

2-ظ: الشيخ عبدالوهاب الكاشي، مأساة الحسين (عليه السلام) بين السائل والمجيب: 134.

3-الشيخ محمد مهدي الحائري، شجرة طوبى: 1/٣.

4-ظ: محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار: 22/276.

5-ظ: الشيخ عبدالوهاب الكاشي، مأساة الحسين (عليه السلام) بين السائل والمجيب: 135 - 139.

6-ظ: المصدر نفسه: 139.

7-محمد الريشهري، ميزان الحكمة: 3/٢٦١١.

8-ظ: كامل محمد عويضة، الفلسفة الإسلامية: 184.