100%
قاف

القرآن الكريم سهل ممتنع

 

أ. م.د حيدر عبد الكريم المسجدي

جامعة القرآن والحديث/ قم المقدسة

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 199 – الصفحة (9)

 

 

يتميّز القرآن الكريم بخصوصيّة بيانية فريدة، فهو سهل وواضح من جهة، وعميق وممتنع من جهة أخرى؛ لذلك نجد أنّ كلّ من يقرؤه أو يسمعه ينهل منه بحسب مستواه العلمي والفكري، فالبسيط يتأثّر بمعانيه الظاهرة، والعالم يغوص في دقائقه وأبعاده العميقة.

 

وقد عبّر أمير المؤمنين(عليه السلام) عن هذه الحقيقة بقوله: ((ما جالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصانٍ: زيادةٍ في هدى أو نقصانٍ من عمى))(1)، أي: إنّ من اقترب من القرآن وتفاعل معه بإخلاصٍ ازداد بصيرةً وهدى، ومن أعرض عنه أو ترك العمل بما فهمه، ازداد غفلةً وبعداً عن النور الإلهي.

 

المدخل إلى فهم النصوص

لا شكّ في أنّ الخطوة الأولى لفهم النصوص الدينيّة والقرآن الكريم هي فهم مفرداته ولغته الأصليّة، فبدون إدراك دقيق لمعاني الألفاظ في عصر النزول لا يمكن الوصول إلى المعنى الصحيح للنصوص المذكورة.

ومن القضايا التي يغفل عنها كثيرون ما يُعرف في الدراسات اللغوية الحديثة بـ (التطوّر الدلالي)؛ أي: تغيّر معاني الألفاظ مع مرور الزمن، فكثيرٌ من الألفاظ القرآنية كانت تمتلك في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)طيفًا واسعًا من المعاني، لكن بعضها تبدّل أو اندثر بمرور القرون.

من هنا، يصبح الرجوع إلى كتب اللغة القديمة، فضلاً عن تفاسير القدماء، أمراً ضرورياً، لما يترتّب عليه من نتائج مهمة علمياً وعملياً في فهم النص القرآني.

وإليك فيما يلي مثالاً توضيحياً في مفردة النسيان، إذ ورد الجذر (ن س ي) في القرآن الكريم (45) خمساً وأربعين مرة في (37) سبعٍ وثلاثين آية، واليوم نستعمله غالباً بمعنى ذهاب الشيء عن الذهن، وهو استعمال صحيح، لكنه ليس المعنى الوحيد الذي كان سائداً قديماً، فقد ذكر الجوهري في الصحاح أنّ النسيان يعني: " خِلاف الذِّكْرِ والحفظ، ورجلٌ نَسْيَانُ ـ بفتح النون ـ : كثير النِّسْيَانِ للشيء... والنِّسْيَانُ: التركُ"(2).

فنلحظ أن الكلمة كانت تُستعمل في معنيين:

1. غياب الشيء عن الذهن.

2. ترك الشيء عمداً أو إهماله.

لكننا اليوم لا نستعملها إلا في المعنى الأول، ما قد يجعل فهم بعض الآيات ناقصاً أو غير دقيق، وفي بعض الأحيان معكوسًا، ومن أبرز الأمثلة قوله تعالى: ﴿نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ﴾[ التوبة: 67].

فقد تُرجمت هذه الآية في كثيرٍ من الترجمات الفارسية الحديثة بمعنى الغياب عن الذهن، وهو معنى غير لائق بالله تعالى؛ لأنّ النسيان بهذا المعنى نقصٌ لا يجوز في حقّه سبحانه؛ لذا لجأ بعض المفسّرين إلى تأويل نسيان الله لهم بمعنى: "عاملهم معاملة الناسي"(3)، أو "نسيهم من رحمته"(4)، أو "نسيهم بحرمانهم من لطفه ورضوانه ورحمته؛ إذ لا معنى لنسيان الله للناس إلّا إهماله لهم"(5)، وهو ما يؤدي إلى "تركهم في النّار ومنع رحمته عنهم فكانوا بحكم المنسيّين"(6)، وهكذا غير ذلك.

في حين أننا لو لحظنا معاني النسيان في العصور السابقة لكنّا في غنىً عن هذه التأويلات وأشباهها، إذ تقدم استعماله بمعنى الترك أيضاً، ولهذا فسرها عديد من قدماء المفسرين بالترك، منهم: مقاتل بن سليمان (القرن الثاني)(7)، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (القرن الثالث)(8)، وأحمد بن علي الجصاص (القرن الرابع)(9)، ونصر بن محمد بن أحمد (القرن الرابع)(10)، ومحمد بن جرير الطبري (القرن الرابع)(11) والشيخ الطوسي (القرن الخامس)(12)، وعتيق بن محمد السور آبادي (القرن الخامس)(13)، أحمد بن ابراهيم الثعلبي (القرن الخامس)(14)، وأبو الفتوح الرازي (القرن السادس)(15)، والزمخشري (القرن السادس)(16)، وابن شهر آشوب المازندراني (القرن السادس )(17)، والفضل بن الحسن الطبرسي (القرن السادس)(18)، وابن إدريس الحلي (القرن السادس)(19)، وغيرهم.

ومن العرض السابق يتّضح سبب اختلاف تفسير الآية الواحدة في القرون المتقدمة عن تفسيرها في القرون المتأخرة، كما يتّضح سبب عدم إشارة بعض المفسرين إلى معاني المفردة القرآنية نظير النسيان، على  الرغم من ورودها في كتب اللغة المعتبرة، وما ذلك إلّا بسبب قلة استعماله بهذا المعنى في القرون المتأخرة، ما أدى للغفلة عنه في التفاسير المتأخرة.

الآية في ضوء التفسير بالمأثور

ومما يلفت الانتباه أنّ الروايات الواردة في تفسير الآية تؤيد معنی الترك، فقد ورد تفسيره فيها بالترك، فروی محمد بن مسعود العياشي (القرن الرابع) عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): {نَسُوا اللهَ} قال: ((قال تركوا طاعة الله ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ قال: فتركهم))(20).

وهذا ما يؤكد أهمّية إدراك المعاني السائدة في عصر النزول، وعدم الاكتفاء بالمعاني الرائجة في العصر الحاضر، وإن كانت المفردة واضحة على ما يبدو، بل لعل الحاجة في المفردات الواضحة ـ نظير النسيان ـ أكثر إلحاحاً.

الاستعمال القرآني للفظ (النسيان) في آيات أُخرى :

ورد استعمال (النسيان) في آيات أُخر بمعنى الترك أيضاً، منها قوله تعالى : ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾[البقرة: 237] أي: ولا تتركوا الفضل بينكم، إلّا أنّه تمّ تأويل النسيان فيها كسابقتها بمعانٍ عديدة، منها أنه "خطاب لعموم المسلمين أن لا ينسوا المُثل الإنسانية في العفو والصفح والإيثار في جميع الموارد"(21). وقيل أيضًا: "لا تنسوا التفضّل بينكم بالإحسان فتتركوه، وتستقصوا أخذ كل المستحق، فإن العفو خير لكم جميعاً"(22) ، وهكذا غير ذلك.

في حين أنّنا لو راجعنا كتب اللغة لوجدنا التصريح بأنّ النسيان هنا بمعنی الترك، فكتب الجوهريّ في بيان معاني الجذر «نسی» قائلاً: "والنِّسْيَانُ‏: التركُ، قال اللَّه تعالى: ﴿نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾(23) ، نعم وهذا لا يعني ضرورة فهم النسيان بمعنی الترك في جميع الآيات، حيث استعمل النسيان في بعضها بمعنی الغياب عن الذهن أيضًا، نظير قوله تعالی:﴿وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسيتَ﴾[الكهف: 24].

الخلاصة:

الذي ننتهي إليه من هذا البيان المختصر هو جملة أُمور:

1) المدخل لفهم القرآن والنصوص المختلفة هو فهم المفردات أولًا.

2) إنّ إدراك التطوّر الدلالي للمفردات القرآنية يُعدّ مفتاحاً جوهرياً لفهم القرآن فهماً صحيحاً.

3) قد تكون الكلمة مألوفة في ظاهرها، إلّا أنّ فهم معناها في عصر النزول يفتح لنا آفاقاً جديدة للفهم والتدبّر.

4) بعض المفردات قد تكون مستعملة في معانٍ عديدة سابقاً ثم اندرس بعضها لاحقاً، وهو ما يطلق عليه بالتطور الدلالي.

5) تبرز أهمية إدراك هذا الجانب اللغوي إذا لحظنا أن النصّ الذي يراد فهمه هو نصّ القرآن الكريم.

6) عدم الاهتمام بهذا الجانب أوقع عدداً من المترجمين والمفسّرين في خطأ فادح كان بإمكانهم تفاديه.

 

-----------------

1.نهج البلاغة: 252.

2.الصحاح : 6/ 2508 نسی.

3.منهم: آية الله مكارم الشيرازي (القرن الخامس عشر) في تفسيره: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 6/ 114، والشيخ محمد الصادقي الطهراني (القرن الخامس عشر) في تفسيره: الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن: 13/ 208، والسيد عبد الحسين طيب (القرن الخامس عشر) في تفسيره: أطيب البيان في تفسير القرآن : 6/ 260.

4.منهم: السيد علي أكبر القرشي (القرن الخامس عشر) في تفسيره: تفسير أحسن الحديث: 4/ 268.

5.السيد محمد حسين فضل الله (القرن الخامس عشر) في تفسيره: من وحي القرآن، 11/ 157.

6.إرشاد الأذهان إلى تفسير القرآن: 1/ 202.

7.تفسير مقاتل بن سليمان: 2/180.

8.غريب القرآن: 1/ 165.

9.احكام القرآن: 4/ 349.

10.بحر العلوم : 2/ 76.

11.جامع البيان في تفسير القرآن : 10/ 121.

12.التبيان في تفسير القرآن : 5/ 253.

13.تفسير السور آبادي : 2/ 94.

14.الكشف والبيان عن تفسير القرآن : 5/ 66.

15.روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن : 9/ 287.

16.الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل : 2/ 287.

17.متشابه القرآن ومختلفه :  1/ 5.

18.تفسير جوامع الجامع : 2/ 68، مجمع البيان في تفسير القرآن : 5/ 7.

19.المنتخب من تفسير التبيان: 1/ 37.

20.تفسير العياشي: 2/95.

21.وهبة الزحيلي، التفسير المنير: 2/ 386.

22.الصحاح: 6/ 2508.