ربما يصح القول: إن أكثر باحثٍ أعملَ فكره فيما كتبه المستشرقون، وناقش أعمالهم، وحقّق بعضها، وترجم الآخر منها، هو الراحل الدكتور عبد الرحمن بدوي، وبصرف النظر عن المسارات الفكرية التي انتمى إليها في محطّاتٍ من عمره وتأثّر بها، إلا أنّ ما يعنينا – في هذا المقام تحديدا – ما كان له من منجزٍ معرفيٍّ مهم، صدر له في أواخر عمره تمثّل بكتابيه: دفاع عن القرآن، ودفاع عن محمد (صلى الله عليه وآله) ضد المنتقصين من قدره، وكلاهما يصدر عن عارفٍ بما حيك من صورةٍ مشوّهةٍ، اكتظّت بها كتب المستشرقين على مختلف المراحل الزمنية، ومن مختلف مدارس الاستشراق وتشعّب اتجاهاتها، فكان الضليع بأكثر من لغة من لغات الغرب، فضلا عن معرفته باللغة اللاتينية القديمة التي أتاحت له اطلاعا مباشرا على تلك الكتابات، ومن هنا تبرز أهمية ما تناوله في كتابه الخاص بالدفاع عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)وتُطلعنا على أسلوبه العلمي الجاد في الرد على كثيرٍ من تلكم التخرّصات.
بدءًا نشير إلى أننا سنقرأ مدخل الكتاب ومقدّمته، التي مثّلت ملخّص أفكار الكتاب التي توزّعت في ستة فصول، لأنّه لو تابعنا أفكار المؤلف التي بثّها هنا وهناك في الرد على مزاعم المستشرقين وترّهات قساوسة الغرب، الذين لفّقوا الأكاذيب، وبالغوا في تضخيم الصورة المشوّهة لنبي الإسلام، لما اتّسع البحث أنْ يكون بهذا الحجم، وهذا يحتاج إلى جُهدٍ أكبر، ووقتٍ أكثر، ناهيك عن عدد صفحات البحث، ولكنّا سنشير إلى عنوانات فصوله في ما يأتي:
- مفاصل الكتاب الرئيسة:
وضع الدكتور بدوي مادّة كتابه ، في مدخل ومقدمة عنونها بـ(أسطورة محمّد (صلى الله عليه وآله) في الغرب) وستة فصول، وهي بحسب الترتيب:
الفصل الأول: صدق محمد(صلى الله عليه وآله)فيما يتعلّق برُؤاه للملأ الأعلى.
الفصل الثاني: حِسّية الرسول المفترى عليها.
الفصل الثالث: سياسة محمّد (صلى الله عليه وآله) تجاه خصومه.
وفي هذا الفصل تعرّض إلى:
محمد (صلى الله عليه وآله) واليهود
محمد (صلى الله عليه وآله) والمسيحية
السوابق المسيحية على المفهوم القرآني للمسيح
مريم التي تجعل منها الشعائر المسيحية آلهةً تُعبد
سياسة محمّد(صلى الله عليه وآله) تجاه العرب
الفصل الرابع: وفاء محمّد بالعهود المعقودة.
النُظُم الإسلامية والتأسيس النهائي لها من الرسول.
وفي هذا الفصل تعرض إلى:
أ – الصلاة
ب – الصيام
ج – العناصر المشتركة بين الحج قبل الإسلام والحج الإسلامي.
د – الزكاة
الفصل السادس: نقد الصحة التاريخية لرسائل الرسول وخطبه وأحاديثه.
وسنبدأ في استعراض هذه المفردات بدءًا بمدخل الكتاب، وفي هذا المدخل يبدأ الدكتور بدوي باقتباس مقولة جعلها العتبة لقارئ كتابه وهي: (نادرًا ما يصدّق الناس الحقائق، لاسيّما إذا تعارضت مع مصالحهم) وقد علّل بموجبها تصاعد حملة الأكاذيب التي ساقها الكُتّاب البيزنطيّون والأوربيون منذ اثني عشر قرنًا في موضوع النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) الذي أصبح أكبر أعداء الأوربيين فيما بعد، سواءً على الصعيد الآيديولوجي أم الصعيد الإعلامي من جانب المؤرِّخين الأوربيين المدعومين من علماء الدين المسيحيّين في البلاد الخاضعة لسيطرة المسلمين، وكانت هذه الدعاية قائمة على أساطير وأكاذيب جديدة لكُتّاب لم يعدموا الجهل بالأحداث التاريخية، كما لم يُحرموا موهبة تلفيق الأكاذيب، وكانت ثمرة تلفيقهم على نبيّ الإسلام أن شاع مصطلح (أسطورة محمّد) (صلى الله عليه وآله)وهذا المصطلح أسهم مستشرقون في ذيوعه منذ ثلاثة قرون في أوربا(1).
وقد أشار الدكتور بدوي إلى منهجيّته في مدخل الكتاب، فيأخذ من نقولات المستشرقين التي وردت في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر وحتى السنوات التالية من عصرنا، لأنه بصدد النقل من الأعمال التي تكتسب صفة العلمية أو التي قدّمها كُتّابها بهذه الصفة(2).
وقد تغاضى الدكتور بدوي عن بعض المستشرقين الذين كتبوا بهدف الدفاع عن عقائدهم المسيحية، ومن ذلك أعمال (السير موير، والأب لامانس) أو الذين كتبوا بنَفَس آيديولوجي ماركسي، ومن ذلك أعمال (بارتهولد، بلاييف، بيرتلز)، ومنهم "فوستنفيلد وفلهوزن" في الواقع أنّ دعوى الموضوعيّة عندهم تبدو في أبهى صورها جزئيّة، ومنهجهم الذي يسمّونه نقديًّا علميًّا يتكشّف عن سرابٍ خادع(3).
وهذا المنهج الذي سار عليه الدكتور بدوي في الكشف عن أكاذيب المستشرقين، الذين يحاولون تشويه صورة الإسلام ونبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله)، عن طريق الدسِّ في الروايات واختلاق الأكاذيب، وسيتبيّن أثره ليس عند المسلم فحسب، وإنما عند القارئ المُنصِف غير المسلم، الذي ستتكون لديه صورة دقيقة عن الإسلام وشخصيّة مؤسّسه.
- نظرة إجمالية في المقدّمة:
يُبدي الدكتور عبد الرحمن بدوي ذهولاً ممّا قرأه عن مفهوم الإسلام عند الأوربيين، تكشف عن جهلٍ مطبقٍ وعدوانية واضحة لديهم، وهذا لا يقتصر على العامة من الناس، وإنما عند أكبر العلماء والفلاسفة ورجال الدين والمفكّرين والمؤرّخين.
ثمّ يستطرد بذكر ما قاله المؤرّخ البيزنطي (ثيوفان) في كتابه (الأحداث التاريخية) إنّ موت محمد (صلى الله عليه وآله)كان بفعل عشرة من اليهود، الذين تآمروا عليه بعدما رأوا فيه المسيح، حيث كانوا يرونه يأكل لحم الإبل (وهو شيء محرّم في الديانة اليهودية) ثم يرسم تيوفان ملامح حياة محمد قائلاً: إنه ذهب إلى فلسطين وتحدّث مع اليهود والنصارى وتعلّم منهم ما تحتويه الكتب المقدّسة(4).
كما تأخذ الأسطورة منحىً آخر عند الراهب "جيوبرت" رئيس دير "نيوجنت"، والذي تحدّث عن بطريرك الإسكندرية الذي تُوفِّي، فأراد راهب آخَر يدعى "ماثوموس" - التسمية الغربية لسيدنا "محمد" - أنْ يخلفه، لكنَّه طُرِدَ من الكنيسة، وتزوَّج من أرملةٍ غنية تُدعى "خديجة"، ثم أعلن أنَّه نبيٌّ بين حشد الناس، وأتى ببقرةٍ ووضع كتابًا صغيرًا بين قرنَيْها، وأخفاها عن مُتَّبِعيه، ثم جاء اليوم الذي أخرج لهم فيها البقرة، وقرؤوا الكتاب - يقصد القرآن الكريم - الذي أحلَّ لهم كلَّ المفاسد، ورفَع عنهم كلَّ الالتزامات الخلقيَّة، والمُثُل العُليا(5).
إنَّ بعض الأساطير والقصص المفتريات تتحدَّث عن أنَّ "محمدًا" (صلى الله عليه وآله) مجرَّد منشق عن الكنيسة، وأنَّه أراد أنْ يكون قائدًا مُظفَّرًا، وأنَّه تعلَّم التنجيم واللغات، وتحضير الأرواح(6)، وأنَّه حرَّم الخمر لأنَّ أصحابه قتلوا "بحيرى الراهب" - معلمه وأستاذه - بسيفه، وعندما غضب عليهم اعتذَرُوا بأنهم شربوا الخمر حتى الثمالة؛ من أجل هذا حرَّم النبي الخمرَ على الناس(7).
لقد كشف الدكتور عن أنَّ هذه الرواية وغيرها من الروايات التي نضّدها المستشرقون كحادثة رواها (بيير باسكاسيو) التي صبّ فيها جام حقده على النبي محمّد (صلى الله عليه وآله)، عبر دسّه في أخبار لا سند لها ولا أصل(8)، على الرغم من ادّعائه أنه رجع إلى المصادر الإسلامية، إلا أنه – بحسب قول الدكتور بدوي- لم يستدل بأي مصدر رجع إليه، فروايته تكشف عن خيال مضطرب، مع أنه كان يعيش بين المسلمين وفي قلب مملكة غرناطة، التي ظلّت إسلامية حتى نهاية حكم المسلمين في إسبانيا عام 1492م(9).
ويأتي "بيير باسكاسيو" بتفصيلات الحكاية أكثر، فالمرأة دعتْ "نيقولا" لمخدعها، وهجَم عليه أهلها، فقتلوه، وقطعوا يده اليسرى، وألقوا جثته للخنازير(10) (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة: 30]، كما يقول القرآن الكريم. و"بدوي" هنا يقول معلقًا على تلك الحكاية الخرافيَّة، والتي بُنِيتْ على أساس قصَّة وردت في السنة لأسطورةٍ قبيحة لا تصدر إلا عن خيال مريض.
يقف بدوي من تفاصيل هذه القصّة المختلقة فضلاً عن قصّة اخرها اخترعها باسكاسيو تظهر أن النبي محمّدا (صلى الله عليه وآله)كان يتلقى توجيهاته من راهب اسمه (سيرجيوس) مدّعيًا – أي باسكاسيو- أن اسم الأخير مذكور في كتب المسلمين بوصفه مسيحيا وأحد أصحاب النبي(11)، وروايته تكشف عن خيالٍ مضطرب، مع أنه كان يعيش بين المسلمين في قلب مملكة غرناطة [...] إنه لم يستفد إذًا من حياته في بلد إسلامي ومعايشته لأيام المسلمين ووجود كل ألوان الكتب في متناول يده، وكذلك الواثق، كما كانت لديه الفرصة لمناقشة فقهاء المسلمين ليعرف الإسلام حق المعرفة))(12)، وفي ضمن هذه التصوّرات الوهمية التي أطلقها أولئك المستشرقون، شخّص الدكتور بدوي أثر تلك التصوّرات في اضطراب الرؤية وعدم توحيدها في بودقة تصوّرات واحدة في الذهنية الأوربية؛ هذا لأنّها قائمة على الإضافة والحذف بين واحدٍ وآخر، فيعقّب على الخلط في اقتراح أسماء غربية لشخصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله)ومن كان معه، بالقول: ((هذه الأسطورة المتعلقة بالبابوية التي وعد بها ولم تتحقق ذكرها داكونيا (ص 250) مع بعض التعديلات في التفاصيل، فمرّة يذكرها مع اسم نيقولا ،ومرة بدونه، ومرة يكون المطران الرسول مجرّد ملهم لمحمّد (صلى الله عليه وآله)ومرة أخرى يكون هو نفسه محمد (صلى الله عليه وآله) وهذا سبّب غموضًا كبيرًا بين جموع الشعب في أوربا))(13)، وفي خضمّ هذا التنوّع فإن ما يبدو ثابتًا ومؤكّدا هو: أن محمدًا هو إما مسيحي أو متعلم على يد مسيحيٍّ، وأن الإسلام ما هو إلا تشعّب هرطيقي عن المسيحية))(14)
ويمضي "بدوي" كالفارس يُفنِّد هذا وذاك في القرن السادس عشر الميلادي، إذ لم يجد بعد انتقاله من مدوّنات القرن الرابع عشر إلى الخامس، لم يجد في الأخير ما يشكّل إضافة في تلك النقولات(15)، فكانت بنشرة س.ف. بركنهام المكوّنة من ست صفحات فيها من الخلط والتلفيق القائم على الكذب الذي يثير الضحك والاستهجان، إذ بدأ في ترجمة حياة الرسول فكان في أول أمره لصًّا وقائد إبل، ثم سافر إلى مصر فالتقى بالراهب فجعل يعلمه فنون السحر ما جعل قومه يصدّقون بأنها معجزات.. الخ القصة التي تثير الغثيان(16)، ثم يفسّر تحريم الخمر الذي أقرّته الشريعة الإسلامية بحسب تلفيق تلك القصة التي أظهرت أن النبي لم يكن لديه مانع من إباحة شرب الخمر، فهو كان قد شربها، ولكن حين قُتل الراهب بسيفه في حال النوم من قبل أتباعه بعد أنْ أثقل الخمرُ رأسه ليلتها، فما أن استفاق حتى أقنعه قومه أنه هو الذي قتله ولم يشعر بذلك؛ لأنه كان مخمورًا(17)، و كان المسلمون يعلمونهم عقائدهم الفاسدة ويأمرونهم عندما يستقبلونهم أن يقولوا: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"))(18)، وبهذا التعليل تنكشف الغايات من وراء ذلك التزييف في اختلاق الروايات المكذوبة.
وانتقالاً إلى القرن السابع عشر، نقف باختصار على ما أشّره بدوي من ملحظٍ نقديٍّ جديرٍ بالتأمّل، يتعلّق بما قدّمه (فرنسيس بيكون) ذلك الفيلسوف الكبير الداعي إلى المذهب التجريبي، فيتعجّب منه أشدّ العجب حين يورد ما ذكره بالقول: ((إن محمدا (صلى الله عليه وآله) قال للعرب ذات يوم أنه يستطيع أنْ ينادي الجبل ليأتي إليه، وقد كان الجبل بعيدًا، ولكن بعد أنْ ناداه محمد (صلى الله عليه وآله)لم يأت ولم يتحرّك وهنا قال محمد(صلى الله عليه وآله)لهم: إذا كان الجبل لم يأت إلى محمد فإن محمد(صلى الله عليه وآله) سيذهب إلى الجبل))، هذا النص الذي نقله بدوي، يثير استغرابه من عالمٍ عُرِف بمنهجٍ صارمٍ في التثبّت على أساس العلم الواقعي لا المتوهّم، فقال: ((وإنني أتساءل كيف يمكن لرجل يدّعي أنه يقيم أسس المنهج التجريبي وقواعده أنْ يعتقد في حقيقة تلك الفرية المختلفة! وللأسف فإن بعض السفهاء يرددون تلك الأسطورة حتى يومنا هذا))(19).
وفي موضع آخر، يلخّص الدكتور إجمال نقوداته على أحد كبار الكذبة وهو (هوجو دوجروت) في القرن السابع عشر، فيما سطّره عن الإسلام والنبي محمد (صلى الله عليه وآله) من أكاذيب، فيردّ عليه بالآتي(20):
- في أي قرآن وجد هوجروت أن الموت سيتحول إلى حمل يختار مكانه بين السماء والأرض.
- أنه يردد آليًّا أسطورة اليمامة التي روضها محمد(صلى الله عليه وآله)– بحسب زعمه- لتهدل عن أذنه حال الصرع.
- أنه يرث أكاذيب أسلافه حين يخترع أساطير أخرى، مثل أسطورة البعير الذي كان محمد معتادًا على محادثته... وما إلى ذلك.
وبهذه الأكاذيب التي شخّصها بدوي في مدوّنة دوجروت، يجد أنّ من الظلم أن يصفه مثل (بيير بايل) بأنه واحدٌ من أعظم الرجال في أوربا(21)، وإذا بحث أحدٌ له عن عذر قائلاً أن المعرفة بالإسلام لم تكن مجال دراسته فإنني سأرد عليه بقولي: "لماذا إذن يُهاجم الإسلام إذا كان لا يعلم عنه شيئًا؟"))(22).
ولم يفت الدكتور بدوي أنْ يُشير إلى بعض المنصفين من المستشرقين فعقد عنواناً فرعيًّا وضعه بين قوسين، بعنوان: رولاند (أول كاتب أوربي يكون عادلاً مع محمد(صلى الله عليه وآله) وقال عنه بأنّه ((كان عالمًا متبحّرًا في معرفة اللغات الشرقية العبرية والعربية والفارسية والمالاوية. وقد كان على دراية تامة بالآثار اليونانية والرومانية))(23).
وكذلك حين وقف عند الجهد الذي قدّمه (هوتنجر) في كتابه (تاريخ الشرقيين والآثار الشرقية) وقد استعرض مفاصله الرئيسة وبيّن أنّ هذا الكتاب يمتاز على ما سبقه من مدوّنات، برجوعه إلى بعض المصادر الإسلامية فيما يخص السيرة النبوية(24)، على أنه امتاز على الآخرين بخصيصة أخرى تتصل بالمعجزات التي جاء بها النبي، فرأى أنه ليس هناك معجزة سوى القرآن، محتجًّا بآية من القرآن وهي قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) [الرعد: 31] حيث يرى عبر مضمون الآية أنه لا توجد معجزة أعظم من القرآن الكريم جاء بها النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ليثبت نبوته على قومه. وهذا ما جعل الدكتور بدوي يصفه بأنه ((ذا نظرة علمية فيما يتعلّق بالإسلام من منظور المسيحية واليهودية بالأخص، ومع ذلك فإنه لم يستفد من تلك النظرة العلمية في البحث في الدعاوي التي يسوقها محمد(صلى الله عليه وآله)ضد هذين الدينين))(25).
وقد أشار إلى محاولة مترجم هذا الكتاب من الفرنسية إلى الألمانية وهو (ديفيد دوران) فقد ترجمه بعد موت رولاند، وأراد أن يحرّف عمل المؤلّف، فجعل يقتطع الجزء الأكبر من تعليقات الكاتب كما قام بحذف الكثير من محتوى الكتاب معتقدًا أنّه سيعوّض قُرّاءه بالإضافات البريئة لبعض الأشعار الفرنسية السيّئة التي وضعها بطريقته، وهذه المبررات لا تنفعه في شيء؛ لأنّ المترجم ليس له الحق في أن يفعل ما فعله المؤلف(26).
وأثبت الدكتور بدوي أنّ ردّ الرسول(صلى الله عليه وآله) على بني قريظة، لم يكن إلا دفاعًا عن الإسلام الذي تعرّض أتباعه للانتهاك أكثر من مرة على يد يهود المدينة، فيستعرض النصوص التاريخية التي ذكرها الواقدي وابن إسحاق والطبري(27)، التي تفيد بأن الصحيفة التي أصدرها النبي (صلى الله عليه وآله) كانت في الوقت نفسه عهدًا مع يهود المدينة منتهيًا بالقول: ((وبعد كلّ ذلك كيف تريدون من النبيّ أنْ يظلّ سلبيًّا ولا يردّ على عدائهم؟ إن أي رجلٍ عاقل لا يمكن أن يحتمل أكثر من ذلك))(28)، وهذا الاستناد العقلي لا يختلف عليه اثنان مهما اختلفت ديانتهم، ((ولذلك فقد قرّر النبي أن يصفّي حساباته مع قبيلة اليهودي الشرّيرة والمعتدية والخطيرة من أجل وجود الإسلام نفسه في المدينة، إذن فدموع التماسيح التي يذرفها بعض المستشرقين على مصير بني قينقاع هي شيء مثير للضحك ومخزٍ ويثبت تعصّبهم الأعمى والظالم))(29).
وينطلق الدكتور بدوي في تفنيد ما جاء على النسخة الأصلية من إضافات لا أصل لها، أضافها المترجم، وكأنّه المالك الشرعي للكتاب، وهذا ما يتناقض والأمانة العلمية التي ينشدها المترجم، ثمّ يفصّل ما جاء في الكتاب من أقوال، ومن ثمّ يشهد لهذا الكتاب بأنّه أسهم في ((تنوير الأوربيين في موضوع الإسلام ولذلك لن يكون بمقدور أحد أن يجرؤ على ترديد الأساطير المتراكمة والأكاذيب التي نُسِجت في أوربا منذ عشرة قرون حول محمد دون أن يخاطر بأن يُصبح أضحوكة المثقّفين الأمناء))(30).
وهذا كلّه يُعدُّ إنجازًا يُحسبُ له، لاسيما أنّ الكتاب قد صدر بلغتهم (الإنجليزية أو الفرنسية) لأنه كان في باريس.
--------------------