100%
ذاكرة الأمم

الأبعاد الجغرافية لمراسم محرم والزيارة الأربعينية

م.م رسل زكي المظفر

جامعة الكوفة/ كلية الآداب

 

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (99)

 

تعد الزيارة الأربعينية وشهر محرم الحرام موضع عناية كثير من الباحثين الجغرافيين؛  لما لها من تأثير كبير في عملية التغير الوقتي لعدد السكان، واختلاف الثقافات والعادات الاجتماعية فيما بينهم، وان دراسة هذه الحالة لها أهمية بالغة، مع التأكيد ان مثل هذه الزيارة اصبح حدثا غير مسبوق في التأريخ البشري عبر العصور، اذ تتناول هذه الدراسة علاقة زيارة الأربعين بإحياء مراسم شهر محرم الحرام، بوصفهما حدثين مترابطين في كثير من الأبعاد الجغرافية والعقائد الدينية والنفسية؛ اذ تعالج فكرة عند الشعوب على مر السنين في تفاصيلها كافة، وعادة تعد هذه طريقة للتقرب الى الله بالحسين(عليه السلام).

 

البعد المكاني للزيارة الأربعينية:

حققت الزيارة الأربعينية تقدماً واضحاً في تلك المعالم والقيم الدينية والشعائر الحسينية والحضارية للحدود الجغرافية للمنطقة المدروسة، ولنأخذ مثالاً لا على الحصر بين النجف وكربلاء، إذ تؤثر كثير من العوامل الجغرافية والأبعاد في هذه الظاهرة، فيكون تأثيرها من الناحية السكانية، التي تؤدي دوراً كبيراً في تغير السكان بشكل مؤقت، أما من الناحية الاجتماعية فيؤدي إلى وجود ترابط بين المجتمعات واختلاط العادات والتقاليد الاجتماعية والدينية فيما بينهم، وتقوية الأواصر الاجتماعية للزائرين الوافدين إلى المرقد المقدس،  كما قال الرسول محمد (صلى الله عليه وآله):(إن الناس من عهد آدم الى يومنا هذا مثل أسنان المشط لا فضل للعربي على الأعجمي ولا للأحمر على الأسود إلا بالتقوى)(1)، وأن هذا الحديث الشريف هو دلالة واضحة للترابط بيت المجتمعات، ولما لهذا الشهر الفضيل الوجيه من أثر كبير لتقارب الأرواح بالخدمة الحسينية، التي تتجه فيه الزوار الى إحياء مراسيم العزاء لسيد الشهداء سواء داخل البلد أم خارجه ففي أثناء الزيارة الكبرى العظيمة تتجه نحو مرقد سيد الشهداء الملايين من الزائرين، وهذا كله له أبعاد جغرافية كبيرة على المنطقة والمناطق المجاورة له.

 وعند الحديث عن الجانب البيئي فيجب أن تتوافر في المنطقة الجغرافية عوامل بيئية مناسبة، تساعد الزائرين على تأدية مراسم الزيارة الأربعينية، لذلك لا بد من توافر وسائل نقل ممتازة، تسهّل حركة الزوار من منطقة إلى منطقة أخرى أثناء شهر محرم، وبقائهم إلى مدة الزيارة الأربعينية وتلطيف الأجواء المناخية في أثناء ارتفاع درجات الحرارة وانخفاضها(2).

الجغرافية الدينية لشهر محرم:

 إنّ مراسم هذا الشهر لها أهمية كبيرة بالنسبة للعالم الإسلامي؛ اذ تزداد ذروتها في العشرة الأولى منه، وفي أثناء الزيارة الاربعينية؛ إذ تكون من اكبر المراسم الدينية ذات الابعاد الجغرافية على مستوى العالم، ولها تخطيط حضري واسع على مستوى المدينة من الناحية الاقتصادية والبنى التحتية للمدينة والحركة السكانية والعمرانية، تكون واضحة حيث تنعكس بشكل كبير على المناطق، التي توجد فيها الأجواء الروحانية لشهر محرم الحرام(3).

ان التحول الذي حصل يمثّل مفهوم الجغرافية الدينية ، لما لها من تأثير كبير على السكان في تلك المنطقة، اذ تعد مدينتا النجف وكربلاء أنموذجاً فريدا في جغرافية النقل، لما توفره من وسائل كبيرة تسهل عملية نقل الزائرين من منطقة إلى منطقة أخرى، في أثناء شهر محرم لأداء الزيارة وأن مراسم محرم الحرام والزيارة الأربعينية ليست مجرد ظاهرة دينية فحسب، بل كذلك  ظاهرة جغرافية شاملة على المدينة من الناحيتين الطبيعية والبشرية، متمثلة بالعوامل البيئية والمناخية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية وخدمات البنى التحتية ووسائل النقل، سواء الجوية أم البرية، وإن هذا كله يضفي عليها أبعاداً تساعد على التخطيط الحضري للمدينة بشكل أوسع وأفضل، والاستفادة من هذه المراسيم كفرصة لتطوير البنى التحتية للمدينة، إذ باتت زيارة الأربعين موضع عناية جميع الباحثين الاكاديميين، ولاسيما الباحث الجغرافي من الناحية الاجتماعية والثقافية والفكرية، وفي مراكز الدراسات المختلفة؛ إذ إن زيارة الأربعين وإحياء مراسم عاشوراء حدثان مترابطان من حيث الأبعاد العقدية والعاطفية والنفسية، وكذلك من حيث الظروف التي واجهت الشيعة في إحياء هاتين المناسبتين العظيمتين، ويمكن القول: إنه يمكن إبراز أحد التغيرات الايجابية التي تلامس الواقع الاجتماعي، والذي يتناقض مع طابع المجتمعات الغربية، التي تتنامى فيها الفردية والأنانية لدى بعض المجتمعات، التي يغيب فيها أي بعد إنساني او معنوي وهنا لا بد من توضيح ظاهرة مشاركة الشباب في زيارة الأربعين واحياء مراسم عاشوراء في محرم الحرام، لذلك يستدعي إعادة النظر في مثل هذه المقالات على المستوى الثقافي والاجتماعي والديني والتفكير فيها من منطلقات نظرية مغايرة، لها علاقة بواقع مجتمعاتنا(4).

البعد المذهبي الديني العقائدي:

كان للبعد المذهبي الذي تروج له القنوات الإعلامية والسياسات الفكرية الأثر الواضح في هذه الأبعاد، وقد أتى هذا الاهتمام من أوساط مختلفة، سواء تلك التي تترصد الشيعة في مناسباتهم الدينية وكل ما يقومون به لأحياء المراسيم الدينية العظيمة، ومنها مراسيم عاشوراء، ومن ثَمّ يتم اتهامهم بالكفر والتعصب من خلال ممارساتهم العاشورائية  أم بين القنوات الاعلامية التي تنقل الحدث كما هو، من دون تزييف أو تحريف لواقع الحال، لذا يثار النقاش في كل عام حول ما يجري في عاشوراء من حضور ومشاركات شعبية كبيرة، او حول ما يقال في السيرة ضمن مضامين أخلاقية ودينية وعقائدية، ولا يمكن ان نفصل بين هذا الاندفاع الواسع لإحياء زيارة الأربعين من داخل العراق وخارجه وبين ما تشهده مجالس عاشوراء في العالمين العربي والإسلامي، وحتى في دول الغرب، بحيث يمكن القول: إن إحياء مراسم عاشوراء هو التمهيد المنطقي والعاطفي والنفسي للمشاركة في إحياء زيارة الأربعين(5).

أمور ينبغي مراعاتها:

إنّ من الأمور والتدابير التي ينبغي اتخاذها في مثل هذه الزيارات العظيمة، منها حث خدَمة الإمام الحسين(عليه السلام)على التحلي بالصبر بأسلوب مفيد اجتماعيا، لإحياء مراسم الزيارة بأبعادها المتنوعة  للخدمة الحسينية، كونه يعد الأسلوب الذي يحقق رضا زوّار سيد الشهداء وخدَمته،  ونقل الصورة الجميلة الاستثنائية لهذه الزيارة أمام العالم، لإحياء هذه الشعائر على اتم وجه، وكذلك العمل على إقامة الندوات والورش والمؤتمرات الحسينية في المواكب والحسينيات الموجودة داخل مناطقهم، بما يهدف الى نشر التعاليم الدينية والاجتماعية وتقوية الاواصر الاجتماعية، وكذلك العمل على إعداد خطط استراتيجية واضحة، لإعادة تأهيل البنى التحتية للمنطقة المدروسة، والعمل على تطوير الابعاد الجغرافية، المتمثلة بطرق النقل وحركة السكان والعادات الاجتماعية والدينية والاهتمام بالنواحي البيئية للمدينة، لتسهيل عملية حركة الزوار في اثناء الزيارة الأربعينية، وإحياء الشعائر الحسينية في شهر محرم.

--------------------------

1) الشيخ المفيد، ميزان الحكمة: 4/353.

2) سعد علي حميد، طريق زيارة أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) بنظم المعلومات الجغرافية: 490.          

3) أنمار البصري، المواكب الحسينية في زيارة الأربعين، مجلة النبأ:34

4) طلال عتريسي، زيارة الأربعين انموذج لمجتمع تراكمي، مجلة العقيدة: 3.

5) المصدر نفسه: 12.