في عصر الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، كانت الفرق المنحرفة قد انتشرت انتشارًا واسعًا بين المسلمين، غير أن أغلبية ساحقة من زعماء هذه الفرق كانوا يعترفون بفضل علم الإمام الصادق (عليه السلام) الذي لا يُبارى.
يقول أبو زهرة في وصف شخصيته الأخلاقية والفقهية: «ما أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم في أمر كما أجمعوا على فضل الإمام الصادق وعلمه».
وبما أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان مشهورًا بأنه عالم آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فقد كان زعماء بعض هذه الفرق المنحرفة يفدون إليه، فيسألونه عن المسائل الشائكة التي تعترضهم، أو يحضرون مجالس درسه، أو يناظرونه في مختلف القضايا.
وفي هذا المقام، سنتناول الحديث عن بعض الفرق المنحرفة، التي كانت موجودة في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، وعن بعض المناظرات التي جرت بينه وبينهم.
فرقة الصوفية ومناظرة الإمام الصادق (عليه السلام) مع سفيان الثوري من مشايخ الصوفية
كان سفيان الثوري أحد زعماء فرقة الصوفية، وقد أجرى الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) مناظرة معه وقد عدَّه الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) في حديث له من الذين يصدُّون عن دين الله تعالى (1) .
((علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله (عليه السلام) فرأى عليه ثيابا بيضاء كأنها غرقئ البيض فقال له إن هذا اللباس ليس من لباسك فقال (عليه السلام) له اسمع مني وما أقول لك فإنه خير لك عاجلاً وآجلاً إن أنت مت على السنة والحق ولم تمت على بدعة أخبرك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في زمان مقفر جدب فأما إذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها ومؤمنوها لا منافقوها ومسلموها لا كفارها فما أنكرت يا ثوري فو الله إنني لمع ما ترى ما أتى علي مذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعا إلا وضعته))(2).
وكان أصحاب سفيان الثوري وأتباعه الذين يُظهرون للناس الزهد في الدنيا، ويدعون الناس إلى لباس الصوف الخشن، يحتجّون أيضًا ببعض الآيات القرآنية التي تظهر في ظاهرها الدعوة إلى ترك لذائذ الدنيا، فقال لهم الإمام الصادق (عليه السلام): ((أنتم لا علم لكم بالناسخ والمنسوخ ولا بالمحكم والمتشابه من القرآن، وما ضلَّ أحدٌ إلا بسبب عدم معرفته بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه)).
فرقة المعتزلة ومناظرات الإمام الصادق (عليه السلام) مع أهل الاعتزال
وروى عبد الكريم بن عتبة قال: ((كنت يومًا في مكة مع الإمام الصادق (عليه السلام)، إذ قدمت عليه جماعة من المعتزلة، فيهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وحفص بن سالم وجماعة من رؤوسهم، وكان ذلك في الوقت الذي قُتل فيه الوليد خليفة بني مروان ووقع الاختلاف بين أهل الشام. فتكلّموا وأطالوا الكلام وخطبوا، فأقبل الإمام الصادق (عليه السلام) يناظرهم))(3).
الزيدية ومناظرة الإمام الصادق (عليه السلام) مع الزيديين
كانت الزيدية من الفرق الرائجة الأخرى في عصر الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وقد وفدوا إلى حضرته بحسب الرواية الآتية، وسألوه عن ما بلغهم في شأن إمامته ووجوب طاعته (عليه السلام)، فاتخذ الإمام (عليه السلام) التقيّة، لعلمه ببواطنهم ومعرفته بأنهم قد اختاروا شخصًا آخر إمامًا لهم: ((فمن ذلك ما رواه معاوية بن وهب عن سعيد بن سمان [السمان] قال: كنت عند أبي عبد الله إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا له: أفيكم إمام مفترض طاعته؟ قال فقال: لا فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنك تقول به وسموا أقواماً وقالوا هم أصحاب ورع وتشمير، وهم ممن لا يكذب فغضب أبو عبد الله (عليه السلام)، وقال: ما أمرتهم بهذا، فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا فقال لي أتعرف هذين؟ قلت هما من أهل سوقنا وهما من الزيدية وهما يزعمان أن سيف رسول الله عند عبد الله بن الحسن فقال كذبا لعنهما الله وهو ما رآه عبد الله بن الحسن بعينيه ولا بواحدة من عينيه ولا رآه أبوه اللهم إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين (عليه السلام) فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه وما أثره في موضع مضربه وإن عندي لسيف رسول الله وإن عندي لراية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودرعه ولامته ومغفره فإن كانا صادقين فما علامة من درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن عندي لراية رسول الله (صلى الله عليه وآله) المغلبة وإن عندي ألواح موسى وعصاه وإن عندي لخاتم سليمان بن داود وإن عندي الطست الذي كان موسى يقرب بها القربان وإن عندي الاسم الذي كان رسول الله إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة وإن عندي لمثل التابوت الذي جاءت به الملائكة ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد التابوت على أبوابهم أوتوا النبوة ومن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة ولقد لبس أبي درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخطت على الأرض خططا ولبستها أنا وكانت تخط على الأرض يعني طويلة مثل ما كانت على أبي وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله تعالى)) (4).
احتجاجات الإمام الصادق (عليه السلام) مع أبي حنيفة
كان أبو حنيفة، مؤسس المذهب الحنفي من المذاهب الأربعة عند أهل السنة، يحضر دروس الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) لمدة سنتين وكان يصرح بالاعتراف قائلًا: «لولا هاتان السنتان اللتان تتلمذتُ فيهما على الإمام الصادق (عليه السلام)، لَهَلَكْتُ».
وقد ورد في كتاب «الكافي» عن احتجاج الإمام الصادق (عليه السلام) مع أبي حنيفة ما يأتي:
((علي بن إبراهيم عن أبيه عن أحمد بن عبد الله العقيلي عن عيسى بن عبد الله القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس قال نعم قال لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال «خلقتني من نار وخلقته من طين» فقاس ما بين النار والطين))(5).
وفي كتاب «كنز الفوائد» نقل احتجاج آخر للإمام الصادق (عليه السلام) مع أبي حنيفة بهذا الشكل:
((ذكروا أن أبا حنيفة أكل طعاماً مع الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) فلما رفع الصادق (عليه السلام) يده من أكله قال «الحمد لله رب العالمين» اللهم هذا منك ومن رسولك (صلى الله عليه وآله) فقال أبو حنيفة يا أبا عبد الله أجعلت مع الله شريكاً فقال له ويلك فإن الله تعالى يقول في كتابه ((و ما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله»، ويقول في موضع آخر (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله) فقال أبو حنيفة والله لكأني ما قرأتهما قط من كتاب الله ولا سمعتهما إلا في هذا الوقت فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بلى قد قرأتهما وسمعتهما ولكن الله تعالى أنزل فيك وفي أشباهك (أم على قلوب أقفالها) وقال (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (6) .
احتجاجات الإمام الصادق (عليه السلام)مع ابن أبي العوجاء
عاش عبد الكريم بن أبي العوجاء في القرن الثاني الهجري في البصرة. كان من تلامذة الحسن البصري، ولكنه مال إلى الإلحاد بسبب ما رآه من تناقضات في كلام أستاذه، ولأسباب أخرى غير معلومة. وقد كان على معرفة بعلم الكلام، وبذل جهدًا كبيرًا في الدعوة إلى الإلحاد. ويرى أبو الريحان البيروني في كتاب «الآثار الباقية» أنه كان ثنويًا ومن أتباع ماني.
ومن جملة الاحتجاجات التي جرت بين الإمام الصادق (عليه السلام)وابن أبي العوجاء ما يمكن الإشارة إليه فيما يأتي:
احتجاج الإمام الصادق (عليه السلام) مع ابن أبي العوجاء حول الصانع والمصنوع، وقد ذُكر في كتاب «التوحيد» للصدوق (رحمه الله)(7).
وقد أجرى الإمام الصادق (عليه السلام)مناظرات مع ابن أبي العوجاء حول حدوث العالم، سننقل منها في هذا المقام:
«و روي أيضاً أن ابن أبي العوجاء سأل الصادق (عليه السلام) عن حدث العالم فقال ما وجدت صغيراً ولا كبيراً إلا إذا ضم إليه مثله صار أكبر وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى ولو كان قديماً ما زال ولا حال لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث وفي كونه في الأزل دخول في القدم ولن يجتمع صفة الحدوث والقدم في شيء واحد قال ابن أبي العوجاء هبك علمك في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت استدللت على حدوثها فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدوثها فقال (عليه السلام) إنا نتكلم على هذا العالم الموضوع فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شيء أدلّ على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره لكن أجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا فنقول إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ضم شيء منه إلى شيء منه كان أكبر وفي جواز التغير عليه خروجه من القدم كما أن في تغيره دخوله في الحدث وليس لك وراءه شيء يا عبد الكريم» (8) .
-----------------------
(1) الشیخ الكلینی، الكافي: 1 / 393- 392 .
(2)الشیخ الكلیني، الكافي: 5 / 70-65.
(3) الطبرسي، الإحتجاج على أهل اللجاج: 2 / 364 - 362.
(4) الطبرسي، الإحتجاج على أهل اللجاج: 1 / 372-371.
(5) الشیخ الكلیني، الكافي:1 / 58.
(6) كراجكي، كنز الفوائد: 2 / 37 - 36.
(7) الصدوق، التوحید: 298 - 296.
(8) الطبرسي، الإحتجاج على أهل اللجاج:2 / 336.