د. علي مهدوي خواه
جامعة فردوسي مشهد- إيران
المصدر: مجلة الولاية – العدد 200 – الصفحة (29)
إنَّ مفهوم "حقوق المواطنة" في العصر الحاضر يُعدُّ أحد أبرز مؤشرات الحكم الرشيد والتنظيم المجتمعي الفعال، ومع أنَّ هذا المفهوم برز في الأدبيات السياسية الحديثة، فإن جذوره العميقة والأصيلة يجب أن تُستقى من النصوص الدينية وسيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
يهدف هذا المقال إلى دراسة أسس حقوق المواطنة في سيرة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم، بالاستناد إلى القرآن الكريم وكتاب نهج البلاغة ، مع تسليط الضوء على التطبيقات العملية لهذه الحقوق في عهده(عليه السلام).
القرآن الكريم ونهج البلاغة: المنبع الأصيل لحقوق المواطنة
جعل الله تعالى في القرآن الكريم الكرامة الإنسانية أساساً لكل حق أو تكليف، إذ قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، وهذه الآية الكريمة تمثل حجر الأساس لكل الحقوق التي يتمتع بها المواطن في المجتمع الإسلامي.
وبناءً على هذا المبدأ، كانت نظرة الإمام (عليه السلام) إلى الإنسان نظرة كريمة قائمة على هذه المنزلة الرفيعة.
وقد أشار الإمام إلى ضرورة مراعاة هذه الكرامة في تعامله مع الرعية، كما دعا واليه مالك الأشتر فقال: ((وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ))(1)، أي: ليُملأ قلبك بالرأفة والمحبة واللطف تجاه الرعية، وهذا يُظهر أهمية احترام الإنسان ومنحه المكانة اللائقة التي يستحقها، وهو الأساس لكل الحقوق المدنية والاجتماعية.
أسس الحكم عند الإمام (عليه السلام) العدل محور الحقوق
كان الإمام (عليه السلام) يرى أن مشروعية الحكم من الله تعالى، إلا أن تحقيقها على أرض الواقع كان مرهوناً بالبَيعة وإرادة الناس، وهذا المبدأ يضمن أهم حق سياسي للمواطنين، وهو حق تقرير المصير، فقد أوضح الإمام (عليه السلام) في خطبته الثالثة في نهج البلاغة الحقوق المتبادلة بين الحاكم والمحكوم فقال: ((أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلَّا أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرًّا إِلَّا فِي حَرْبٍ...)) أي: أن لکم علي ألا أحجب عنكم أي سر إلا في حالة الحرب، وهذه الشفافية أنموذج صريح لحق الوصول إلى المعلومات، وحق الرقابة على الحاكم.
بما أن العدل بالنسبة للإمام(عليه السلام)جوهر السياسات الحكومية، فلم يكن العدل فضيلة أخلاقية فحسب، بل كان ضرورة اجتماعية لضمان حقوق الجميع، ويؤكد القرآن على الهدف من بعثة الأنبياء بإقامة العدل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، وقد طبقه الإمام (عليه السلام) عملياً، فعندما عوتب بالتسوية في العطاء، قال: ((أَتَأْمُرُونَنِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ))(2).
الحقوق والواجبات رابطة متلازمة
إن في فكر الإمام علي (عليه السلام)، الحق والواجب وجهان لعملة واحدة، فهو يوضح العلاقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم: ((فَقَدْ جَعَلَ الله سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقًّا بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ))(3).
بناءً على ذلك، يجب على الحاكم إقامة العدل، وتأمين الأمن، وتهيئة الظروف للنمو والرقي، بينما يجب على المواطنين الطاعة والتعاون والمشاركة في شؤون المجتمع.
هذه الرؤية المتوازنة تمنع استبداد الحاكم ولامبالاة المواطن، وتدفع المجتمع نحو التوازن، ويعبّر الإمام (عليه السلام) عن هذا المبدأ بوضوح في رسالته لمالك الأشتر: ((فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ))(4)، وهو ما يمثل حق المساواة أمام القانون.
حق الأمن شرط أساسي لكل حقوق المواطنة:
يعد الأمن أهم حق لأي مواطن، إذ إن تحصيل كل الحقوق الأخرى مرتبط به، فقد قال الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر: ((فَإِنَّهُ لَا يَنَالُ مَا عِنْدَ الله إِلَّا بِطَاعَتِهِ))(5)، والقرآن يثمن الأمن بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67]، ولتحقيق هذا الحق شدّد الإمام على تقوية القوات المسلحة: ((وَأَصْلِحْ أَسْبَابَ الْجُنْدِ بِإِصْلَاحِ وُلَاتِهَا))(6).
الحق في العدالة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي
عدّ أمير المؤمنين (عليه السلام) العدالة الاقتصادية والرفاه المادي حقاً أصيلاً لكل مواطن، فقال: ((ثُمَّ الله الله فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى))(7)، وهذا يضمن حق الحصول على مستوى معيشة لائق.
ويؤكد القرآن على إقامة الحكم بالعدل: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، ولتحقيق ذلك عمل الإمام (عليه السلام) على منع الاحتكار والظلم: ((أَلَا وَإِنَّ إِصْلَاحَ ذَلِكَ كُلِّهِ الْخَرَاجُ))(8).
الحق في التقاضي العادل:
أكّد الإمام علي (عليه السلام) على حق المواطنين في اللجوء إلى القضاء، قائلاً لمالك الأشتر: ((ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ))(9)، والقرآن يوضح أهمية العدل في القضاء ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل} [النساء: 58].
الحق في المشاركة السياسية والاجتماعية:
يرى أمير المؤمنين(عليه السلام) أن للمواطنين حقاً وواجباً في المشاركة الفعالة في إدارة شؤون المجتمع: ((وَأَنْ لَا أَمْنَعَهُمْ حَقًّا هُوَ لَهُمْ))(10)، ويؤكد القرآن على المشورة الجماعية: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، فعليهم أن يشاركوا في تقرير المصير والرقابة على الحاكم.
الحق في التعليم والتربية:
اعتبر الإمام علي (عليه السلام) التعليم من أهم حقوق المواطنة: ((وَأَنْ أُعَلِّمَكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا))(11)، والقرآن الكريم يرفع درجات المؤمنين بالعلم اذ قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وكان الإمام (عليه السلام) يشجع دائمًا على طلب العلم: ((العلم سلطان))(12).
الخاتمة
إن سيرة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)في الحكم تمثل أنموذجاً حياً لحقوق المواطنة في الإسلام، إذ تقوم على الكرامة الإنسانية، العدل الشامل، المسؤولية المتبادلة، والمشاركة الجماعية، وتتحقق هذه الحقوق عبر الالتزام العملي بالقيم الإسلامية والاقتداء بالسيرة النبوية والعلوية.
--------------------
1-نهج البلاغة: الرسالة 53.
2-المصدر نفسه: الخطبة 126.
3-المصدر نفسه: الخطبة 216.
4-نهج البلاغة: الرسالة 53.
5-المصدر نفسه.
6-المصدر نفسه.
7-المصدر نفسه.
8-المصدر نفسه.
9-المصدر نفسه.
10-المصدر نفسه: الخطبة 216.
11-المصدر نفسه: الخطبة 34.
12-المصدر نفسه: الحكمة 146.