الشيخ أحمد صالح آل حيدر
الحوزة العلمية في النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 206 – الصفحة (21)
وصيّة الإمام الصادق (عليه السلام) لعبد اللَّه بن جُنْدَب في الحثّ على العبوديّة والتّحذير من الشّيطان: يا عَبدَ اللَّهِ، لَقَد نَصَبَ إبليسُ حبائِلَهُ في دارِ الغُرورِ، فَما يَقصِدُ فيها إلّا أولياءَنا، وَلَقَد جَلَّتِ الآخِرَةُ في أعيُنِهِم حَتّى ما يُريدونَ بِها بَدَلًا.
ثمّ قال: آهٍ آهٍ، على قُلوبٍ حُشِيَت نوراً، وَإنّما كانَت الدُّنيا عِندَهُم بِمَنزِلَةِ الشُّجاعِ الأرقَمِ وَالعَدُوِّ الأعجَمِ، أنِسوا بِاللَّهِ وَاستَوحَشوا مِمّا بهِ استَأنَسَ المُترَفونَ، أُولئِكَ أوليائي حَقّاً، وَبِهِم تُكشَفُ كُلُّ فِتنَةٍ وَتُرفَعُ كُلُّ بَلِيَّةٍ.
يا ابنَ جُندَب، حَقٌّ على كُلِّ مُسلِمٍ يَعرِفُنا أن يَعرِضَ عَمَلَهُ في كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ على نَفسِهِ، فَيَكونُ مُحاسِبَ نَفسِهِ، فَإن رأى حَسَنَةً استَزادَ مِنها، وَإن رَأى سَيِّئَةً استَغفَرَ مِنها لِئلّا يَخزى يَومَ القِيامَةِ. طوبى لِعَبدٍ لَم يَغبِطِ الخاطِئينَ على ما أُوتوا مِن نَعيمِ الدُّنيا وَزَهرَتِها. طوبى لِعَبدٍ طَلَبَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها. طوبى لِمَن لَم تُلهِهِ الأمانِيُّ الكاذِبَةُ...
تمثل وصيّة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لتلميذه عبد الله بن جندب (1) ميثاقاً أخلاقياً ومنهاجاً تربوياً، يتجاوز حدود النصيحة؛ ليصيغ رؤية متكاملة لعلاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبمجتمعه، فهي نصّ ينبض بالحكمة، التي تهدف إلى صياغة الإنسان المتوازن في مشاعره وسلوكه.
يستهل الإمام (عليه السلام)خطابه بتعرية طبيعة الدنيا بوصفها "دار غرور"، لا تخلو من مكائد إبليس، في الوقت نفسه، لا يدعو إلى الانعزال السلبي، وإنما يحث على الحضور الفاعل المشروط باليقظة والمحاسبة الدائمة للنفس، إذ يضع "محاسبة النفس" كآلية يومية، تضمن للفرد ألا يضل بوصلته وسط ضجيج الماديات.
فالرؤية التي يقدّمها الإمام (عليه السلام)في هذا السياق تجعل من "الآخرة" بوصلة للعمل، ومن "الدنيا" وسيلة للعبور، مصوّراً الأولياء بأنهم الذين استوحشوا مما استأنس به المترفون، ليس زهداً في النعمة، وإنما ترفعاّ عن العبودية لغير الله.
وفي عمق هذه الوصية، يبرز البُعد الاجتماعي كأحد أهم ركائز الإيمان، حيث يربط الإمام الصادق (عليه السلام) بين صحّة الاعتقاد و "بِر الإخوان" وقضاء حوائجهم، وإنما يرفع من شأن العمل الاجتماعي، ليجعله في مصافّ الجهاد في سبيل الله، إذ يرى أن استهانة الأمة بحقوق فقرائها وإخوانها هو المدخل الأول لهلاكها وعذابها.
كما أن التأكيد المتكرر في الوصيّة على قِيَمٍ منها السخاء، والمواساة، والستر، وكظم الغيظ، والعفو عمّن ظلم، يرسم ملامح مجتمع إيماني متماسك، لا يقوم على الشعائر المجردة فحسب، وإنما على أخلاقية "الفعل" وصدق "المعاملة".
و"الحياء والوقار والعمل الصالح"، أساسه المتين هو الحب والولاء الواعي، الذي يتمثّل استقامةً ونوراً في سلوك الفرد وتعامله مع محيطه.
وتتجلى في الوصية - أيضاً - تربية نفسية عميقة، تعتمد على التوازن بين "الخوف والرجاء"، وهو توازن يمنع الإنسان من القنوط المدمّر ومن الغرور المفسد للعمل، مصوراً قلب المؤمن في حالة من الشوق والوجل الدائمين، اللذين يدفعان نحو الرقي المستمر للذات.
فإن الإمام يخاطب في الإنسان "طبيبه الداخلي"، داعياً إياه ليكون بصيراً بعيوب نفسه، حريصاً على وقته، مقتصداً في كلامه ونومه، ومستثمراً في "فِكاك رقبته" عن طريق الإخلاص واليقين.
إنها قراءة تربوية شاملة، تجعل من الصمت زيناً، ومن القناعة غنى، ومن التواضع رفعة، ومن الإيمان حركة عملية تبدأ من طهارة القلب وتنتهي بمجاورة الجليل في دار كرامته، ما يجعل من هذه الوصية مرجعاً خالداً لكل باحث عن السكينة الروحية والكمال الأخلاقي، في عالم يموج بالفتن والمتغيرات.
ثم يقوم الإمام (عليه السلام) برسم خارطة الصراع الأزلي، محذراً من "حبائل إبليس"، التي لا تُنصب عبثاً في دار الغرور، وإنما تستهدف بالدرجة الأولى تلك الفئة، التي اختارت الارتباط بنور الحق، وهنا يضعنا الإمام إزاء مفارقة مذهلة في توصيف الأولياء، فهم الذين "جلّت الآخرة في أعينهم"، وهذا الجلال ليس مجرد إيمان غيبي، وإنما هو حالة استغناء كلي، تجعل الدنيا في نظرهم مجرد "شجاع أرقم" (ثعبان شديد السمية) أو "عدو أعجم"، مما يدلّ على زهد المؤمن، الذي يرى حقيقة الأشياء خلف ستائر بريقها الزائف.
وينتقل الخطاب من التوصيف العام إلى المنهج العملي اليومي، إذ يقرر الإمام ضرورة "محاسبة النفس" بوصفه واجباً شرعياً وأخلاقياً، جاعلاً من المسلم رقيباً على ذاته في كل ليلة ونهار.
فهذه الممارسة ليست لمجرد الجرد الإحصائي للأعمال، وإنما هي استراتيجية للنمو الروحي، فالحسنة تستوجب الاستزادة، والسيئة تستوجب الاستغفار، والهدف الأسمى هو تجنب "الخزي" في ذلك اليوم الذي يُكشف فيه عن السرائر.
ثم يغمر الإمام النص بفيض من الدعوات (طوبى)، وهي بشارات لمن نزّه نفسه عن غبطة الخاطئين، ولم يقع في فخ "الأماني الكاذبة" التي تعدّ أكبر مفسد لمسيرة الإنسان نحو الكمال.
وفي لفتة اجتماعية عميقة، يربط الإمام بين الانتماء لمدرسة الحق وبين السلوك المجتمعي، فالدعوة للحق لا تكون باللسان فحسب، بل بأن يكون الإنسان "سراجاً ومناراً" بعمله ومجهود طاقته، محذراً من آفة "إذاعة الأسرار" التي تضر بكيان الجماعة المؤمنة.
ويحدد الإمام ماهية "المؤمن" الحقيقي بأنه الذي يعيش حالة من الوجل والشفقة من سلب الهدى، وهي رؤية تمنع الغرور وتدفع الإنسان دوماً للتواضع والتوكل المطلق على الله، مدركاً أن الجهل هو الأساس القديم، الذي عُمر بسبب اتخاذ الدين لعباً، حيث كان العلم يُطلب لغير الله.
فيصل الإمام (عليه السلام) إلى نقطة مفصلية تتعلق بـ"الاستقامة"، واصفاً إياها بأنها المفتاح لخرق العادات والارتباط بالله، فلو استقام المجتمع الإيماني لنزلت البركات المادية والمعنوية، ولصافحتهم الملائكة، في إشارة إلى أن الخلل ليس في الوعد الإلهي وإنما في تطبيق "الولاية" التي يشترط الإمام لنيلها "الورع والاجتهاد ومواساة الإخوان". ومن هنا ينطلق في تفصيل حقوق الأخوة الإيمانية، مشدداً على أن "الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة"، بل يذهب أبعد حين يقارن قاضي الحاجة بـ"المتشحط بدمه في سبيل الله يوم بدر وأحد"، وهذا الربط يرفع العمل الاجتماعي والخدمي إلى مصافّ العبادات الكبرى والجهاد المقبول، مؤكداً أن هلاك الأمم يكمن في "الاستهانة بحقوق فقراء إخوانهم".
وفي التحذير من العجب والغرور، يضع الإمام ميزاناً دقيقاً للنجاة، وهو الوقوف بين "الرجاء والخوف"، مصوّراً القلب في هذه الحالة كأنه في "مخلب طائر"، في تشبيه بليغ، يمثّل القلق الإيجابي، الذي يدفع للعمل ولا يورث اليأس.
فضلا عن أنه يحذر من "مصائد الشيطان"، التي تكمن في "الصد عن برّ الإخوان"، و"شباكه" التي هي "نوم عن الصلوات"، موضحاً أن الله – عزّ وجلّ - لم يُعبد بمثل "نقل الأقدام إلى برّ الإخوان"، مما يؤكد أن الدين في مدرسة اهل البيت (عليهم السلام) هو حركة وبذل وعطاء، وليس انزواءً على الذات، كما يصور العالم اليوم من الاهتمام بالفرد على حساب المجتمع!
يتناول النص أيضاً مفاهيم "القناعة" و"الرضا"، محذراً من "الربح الحقير" الذي يطلبه من جعل همّه "فكاك رقبته" من النار.
ويوجّه الإمام بوصلة السلوك الشخصي نحو الصمت الذي هو "زين للعلماء وستر للجهال"، ونحو النظر في "عيوب النفس" بدلاً من تتبع عيوب الآخرين، ضارباً المثل بعيسى بن مريم (عليه السلام) في مسألة ستر العورات، ليس فقط الحسية وإنما المعنوية والسلوكية.
ويختتم الإمام وصيته بتأكيد شامل على أن الإسلام لا يقوم إلا على حبّ أهل البيت (عليهم السلام) كأساس له.
إنها وصية تبدأ من أعماق القلب وتنتهي بضمان الأمان في ذلك اليوم، الذي "تصل فيه القلوب إلى الحناجر"، حيث يضرب "سور من نور" يحمي أولياء الله، ليسكنوا الفردوس في جوار الله عز وجل، بعد أن هانت عليهم الدنيا وجعلوا الموت نصب أعينهم، متحررين من سطوة الهوى وعبودية الشهوات، ليكونوا بحق الطبيب لأنفسهم، العارفين بالداء والمستمسكين بالدواء.
إن القارئ المتأمل في هذه الكلمات يجد أن الإمام الصادق (عليه السلام) يركز بشكل مكثف على فكرة "المواساة" و"الترابط الاجتماعي"، فالدين عنده ليس علاقة عمودية منعزلة بين العبد وربه فحسب، بل هو علاقة أفقية متينة مع الآخرين، إذ يُعدّ "الغش" و"التحقير" و"الحسد" معاول هدم للإيمان، تميثه كما "ينماث الملح في الماء".
فضلا عن أن الإمام يضع معايير دقيقة لـ"الشيعة" الحقيقيين، فهم الذين لا يهرون هرير الكلاب، ولا يطمعون طمع الغراب، في كناية عن عزّة النفس والترفع عن الصغائر، وهم الذين يحافظون على "الخمسين" صلاة، والذين يرفضون مجاورة الأعداء أو سؤال المبغضين ولو ماتوا جوعاً.
هذه الخصال ترسم ملامح الشخصية الإيمانية التي تتميز بالاستقلالية والصلابة المبدأية واللين مع الإخوان.
وفيما يخص الأخلاق الفردية، يحث الإمام على "إقالة العثرات" والعفو عمن ظلم، متمثلاً بعفو الله الشامل الذي يشرق بشمسه على الأبرار والفجّار.
ويحذر بشدّة من "الرياء" في الصدقة والصيام، داعياً إلى أن تكون العبادة "سراً" بين العبد وربه، لأن الذي يُتصدق له في السر هو الذي يجزي علانية، في يوم لا ينفع فيه مدح من مدح.
إن الوصية تنتهي بنداء صارخ لليقظة، مذكرة بـ "الواقعة" و"الطامة" و"موازين الجبار"، ليكون هذا التذكير دافعاً للعمل في "اليوم" لضمان "الغد"، محققاً بذلك التوازن بين عمارة الأرض بالبر والتقوى، وعمارة الآخرة باليقين والإخلاص، لتكون النتيجة النهائية هي "النور الذي يشرق مثل الشمس"، إذ لا تتبدل الثمار ولا تتغير الأحوال في جنّات الخلد.
بهذه الرؤية، يغدو كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في هذه الوصية ليس مجرد موعظة خاصة بشخص عبد الله بن جندب، وإنما هي منهج حيّ لكل من أراد أن يسلك طريق العبودية الحقّة، جامعاً بين تهذيب الروح، وإصلاح العمل، وتمتين الروابط الإنسانية، واليقين باللقاء الإلهي، مما يجعل منه نصاً خالداً يخاطب وجدان الإنسان في كل زمان ومكان، داعياً إياه لأن يكون "طبيب نفسه" بامتياز، محصّناً بنور العقل وهدي النبوة وولاية أهل البيت (عليهم السلام).
ويختم الإمام هذه الوصية الشاملة بالحثّ على الصمت الحكيم، واصفاً إياه بأنه زينة للعلماء، تزيدهم وقاراً، وسترة للجهال، تخفي عيوبهم، مع التنبيه الشديد على عدم إفساد المعروف بالمَنّ والأذى، بل اتباع الحسنة بما هو أحسن منها، لتكون الأخلاق مرآة حقيقية لصفاء الباطن ونقاء السريرة.
------------------------
١- ابن شعبة الحراني، تحف العقول: 303، المجلسي، بحار الأنوار في باب أحوال الإمام الصادق (عليه السلام): 75 / 281، النمازي الشاهرودي، مستدرك سفينة البحار: 2/458.