100%
قاف

الصبر وسمو المقامات في القرآن الكريم- الزهراء (عليها السلام) مثالًا

أ.د محمد كاظم الفتلاوي

جامعة الكوفة/ كلية التربية

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 197 – الصفحة (9)

 

 

يقوم الكلام على حقيقة قرآنية مفادها تراتبية الاصطفاء الإلهي ودرجة الابتلاء والاختبار، التي يُتحف الله سبحانه بها بعض عباده المُخلَصين، لرفع درجاتهم وتكامل ذواتهم بصبرهم وتسليمهم لله سبحانه وتعالى.

 

قال تعالى: ﴿وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[السجدة: 24]، فجعل الله سبحانه للأئمة مترتب على أمرين، "فبيّن أن الملاك في ذلك صبرهم في جنب الله، وقد أطلق الصبر، فهو في كل ما يبتلى ويُمتحن به عبد في عبوديته، وكونهم قبل ذلك موقنين"(1).

وقد ذكرت الآية هنا صفتين من صفات الائمة أحداهما الايمان بآيات الله عز وجل والثانية الصبر والاستقامة والصمود، وهو درس لكل الأمم، ولجميع مسلمي الأمس واليوم والغد، بأن يحكّموا أسس يقينهم، ولا يخافوا من المشكلات التي تعترضهم في طريق التوحيد، وأن يتحلوا بالصبر والمقاومة ليكونوا أئمة الخلق وقادة الأمم ومرشديها في تاريخ العالم، ولهذا الصبر والثبات فروع وأشكال كثيرة: فيكون أحيانًا إزاء المصائب التي تحل بالإنسان، وأخرى مقابل الأذى الذي يحيق بأصحابه ومؤيديه، وثالثة في مقابل التعديات والألسن البذيئة التي تنال مقدساته، وأخرى في مواجهة المنحرفين فكريًا، وأخرى إزاء الجاهلين الحمقى، وأخرى إزاء العلماء غير العاملين(2).

وهذه الثنائية التي يعقدها القرآن الكريم بين (الصبر على الظلامات، ورفع المقامات) تتجلى أعظم ما يكون في شخصية السيدة الزهراء(عليها السلام)؛ إذ كانت مصداقًا أكمل لها منذ إطلالتها النورانية على ميدان الحياة، حتى انتقالها إلى بارئها مظلومةً شهيدةً.

وإنّ سيرورة الذات الفاطمية في ظلال ابتلاءات الحياة وظلاماتها اتجهت في مسارَيْن(3):

الأول: تكامُل ذاتها المباركة للنهوض بعبء الأدوار الرسالية التي أنيطت بها(عليها السلام).

الثاني: رفع مقاماتها وإعلاء درجاتها حتى مرتبة ((سيدة لنساء العالمين))(4).

وإنّ رصدًا سرديًا لمحطات الصبر وسمو المقامات الفاطمية يوقفنا على مواكبتها (عليها السلام) إياه منذ خروجها إلى مقام التجلي، ويمكن أن نتتبعها بإيجاز على وفق الآتي(5):

- أشرقت سلام الله عليها على غياهب الحياة في العهد المكي، حيث ضاقت الأرض على النبي(صلى الله عليه وآله)، ولاقى أشد ما يكون من ألوان العذاب والبطش والتكذيب والتنكيل حتى قال: ((ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت))(6)، وصبرتْ على ما شاهدتْه من أذى أبيها وما تجرّعه من القوم.

- الاضطهاد النفسي إبّان حياة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قِبَل بعض أزواجه بالإساءة إلى والدتها خديجة I وإضمار الحسد والضغينة لها (عليها السلام)، وصبرت على ذلك مع أن أمها الكبرى I ليست على قيد الحياة.

- إيذاؤها (عليها السلام) بتعييرها ببعلها سيد الأوصياء أمير المؤمنين (عليه السلام) بفقره وفاقته وضيق ذات يده، بعد أن لم يجدوا فيه ما يعيب، وصبرت على تلكم الكلمات بحق زوجها.

- ابتلاؤها (عليها السلام) بالفقر الشديد والجوع والعطش وعُسر الحال وصعوبة المعيشة، وصبرها في ذلك.

- الابتلاء بتحمّل غياب الوالد والزوج لانشغالهما بأعباء الرسالة وحفظ الدعوة وكسر شوكة الشرك والنفاق، وصبرها في ذلك ومواساتهما وحملهما على التصبّر.

- تآمُر المنافقين على أبيها وبعلها (عليهما السلام).

- صبرها على إخبارها بظُلامة ابنَيْها الحسنَيْن(عليهما السلام) سيدَي شباب أهل الجنة ومقتلهما في أثناء ولادتهما وبُعَيْدَها.

- مَشاقّ أعباء البيت والنهوض بأعماله حتى مجُلت يداها من الطحن بالرحى، وتقشّر وجهها من الخبز بالتنور، وعزاء نفسها بالصبر.

- الأذى الجسدي البالغ لزوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحروب والمعارك حتى كان يأتيها مُثخنًا بالجراح ومثقلًا بالآلام والمتاعب.

- تمرّد بعض أصحاب أبيها (صلى الله عليه وآله) على أوامره وتبليغاتــــه بتنصيب بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفةً من بعده وإمامًا للناس.

- تآمُر بعض زوجات أبيها (صلى الله عليه وآله) على أبيها وعليها وعلى بعلها.

- مصابها بمرض أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) قُبيل وفاته.

- مصابها الأعظم وبلاؤها الأكبر بفقد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

- مصابها بانقلاب صحابة أبيها (صلى الله عليه وآله) وتجاهلهم لدفنه وتجهيزه وانشغالهم بتقاسم مناصب الخلافة في مؤامرة السقيفة.

- ظلامتها بغصب خلافة بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) وإنكار حقه وجحد بيعته.

- ظلامتها بغصب نحلتها النبوية (فدك) قــسرًا.

- ظلامتها بتجاوز حرمتها وتهديدها وبعلَها بأقصى إجراء عنفي وتعسفي ممكن وهو الإحراق، ومداهمة دارها وجمع الحطب حوله وإشعال النار فيه.

- ظلامتها باقتحام حرمة بيتها المقدّس من دون استئذان ولا استئناس، على حين كان أشرف الكائنات (صلى الله عليه وآله) لا يدخله حتى يستأذن.

- ظلامتها بإسقاط جنينها وقتل طفلها في أبشع ما يمكن من جريمة ضد الإنسانية.

- ظلامتها بالإيـذاء الجسدي بكســـر ضلعها(عليها السلام).

فهذه السيرة المتتابعة من الظلامات والابتلاءات والمِحَن، وما خفي علينا من مصائبها أعظم، إلى الحد الذي قالت فيه(7):

 صُبّـــت عليّ مصائــــبٌ لــو أنهــا        صُبّــت على الأيـــام صرنَ لياليــا

كلها قد توافرت وتعاضدت، ومن قبلها إرادة السماء؛ لتكامل شخصيتها ورفع مراتبها ودرجاتها، وإعدادها للنهوض بأعباء الرسالة مع أبيها(صلى الله عليه وآله) وبعلها (عليه السلام).

إنّ آثارًا عظيمة ومعطيات جسيمة كبرى قد ترتبت على اصطفائها (عليها السلام) بهذه الابتلاءات، تجلت كأبين ما يكون في المقامات التي أطلقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليها، ومن أبرزها(8):

الحوراء الإنسية، أمّ أبيها، الراضية المرضية، المحدَّثة أي: كانت تحدثها الملائكة كما كانت تحدّث مريم (عليها السلام)، والمحدِّثة فكانت تحدِّث أمها وهي جنين، روحيَ التي بين جنبَي، بضعةٌ مني، يؤذيني ما يؤذيها، يغضبني ما يغضبها، سيدة النساء أجمعين من الأولين والآخريـن، البتول، الزهـراء...

ولعل أعظم مقام بينه النبي (صلى الله عليه وآله) للزهــــراء (عليها السلام) قوله: ((إن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها))(9)، إذ جعل رضا الله سبحانه مشروطًا برضاها، ورضاها علامةً لرضا الله (عز وجل) ويستتبعه على نحو العلة والمعلول والسبب والنتيجة.

إنّ هذه الشبكة الإلهية من الصبر والتصبر والمقامات الرفيعة والدرجات تكاملت في الذات الفاطمية، فجعلت منها حُجةً على الخلق، بل حجة على بنيها من سادة الخلق، كما ورد عنهم (عليهم السلام): ((نحن حجج الله على الخلائق، وأمّنا فاطمة حجة الله علينا))(10).

والخلاصة.. إن السيدة الزهراء(عليها السلام) تمثلت فيها الثنائية التي ذكرتها الآية المتقدمة من تحقق الإيمان واليقين بآيات الله عز وجل، والثاني: الصبر والاستقامة والصمود، وهذا الأمر بطبيعة الحال ليس حكرًا بمن نزلت فيهم الآية الكريمة، وكذلك ليس مختصًا بسيدة نساء العالمين (عليها السلام) إنما هي من باب المصداق الأكبر لها، وعليه فالطريق مفتوح لكل بني البشر في نيل المقامات السامية ما إن تتحقق فيهم المقومات المشروطة، والزهـراء (عليها السلام) هنا حجة الله على البشر في تطبيق آيات الكتاب العزيز وامتثال أوامره لنيل ما وعدنا به، والحمد لله رب العالمين.

 

ــــــــــــــــ

1. الطباطبائي، الميزان: 1/273.

2. ظ: الشيرازي، الأمثل: 13/138-141.

3. ظ: محمد بيومي، السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): 110.

4. ظ: الكليني، الكافي: 1/459، ظ: أحمد بن حنبل، مسند احمد: 6/282.

5. للتوسعة ينظر: عبد المنعم حسن، بنور فاطمة اهتديت: 73، وعلي الميلاني، مظلومية الزهراء(عليها السلام): 12.

6. المجلسي، بحار الأنوار: 39/56.

7. المصدر نفسه: 79/106.

8. للتوسعة في مدلول هذه الأسماء المباركة ينظر: علي النمازي الشارودي (ت140هـ)، مستدرك سفينة البحار: 5/173، والتبريزي الأنصاري (ت1310هـ)، اللمعة البيضاء: 95، والسيد المرعشي(ت1411هـ)، شرح إحقاق الحق: 33/255، ومحمد فاضل المسعودي، الأسرار الفاطمية: 377، وغيرها.

9. المجلسي، بحار الأنوار: 21/279.

10. للتوسعة في دلالة هذا الحديث الشريف ظ: محمد فاضل المسعودي، الأسرار الفاطمية: 17.