100%
الكلمات الافتتاحية

سبائك النور وإيوان الذهب

السيـد عيســى الخرســـان

الأميـــن العام

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 198 – الصفحة (5)

 

   إن هذا اليوم يومُ حمدٍ وشكر، وتبتّل وابتهال، يومُ إظهار نعمةٍ من نعم الله تعالى، إذ يفتتح هذا الإيوان الذهبي المبارك، في مدخل مرقد أمير المؤمنين علي بن ابي طالب(عليه السلام)، ذلك المقام الذي شُرِّف بشرفِ المنتسَبِ، وتعاظمَ بعظمةِ المنسوبِ، فصار مهوى أفئدةِ المؤمنينَ وموضعَ حاجاتِ الملهوفينَ، ومحطَّ رحالِ الطالبينَ.

  وأن ما أنجز في هذا الإيوان من إتقان الصنعة، وإحكام البناء، وجمال العمارة، لا يُراد به الزينة بعينها، ولا يُقصد به التفاخر لذاته، وإنما هو مظهرُ من مظاهر تعظيم الشعيرة، التي قال تعالى فيها: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]

  وتعظيم هذا الموضع إنما هو تعظيمٌ لمن قال في وصف ربه: "تجلى سبحانه لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه"، فكان هو (عليه السلام) المظهر الأكمل لهذا التجلي علمًا وعدلًا وحكمة.

  إن هذا الإيوان المذهّب، وإن بدا في ظاهره عمارةً صامتةً، فإنه في حقيقته لسانٌ ناطق، بأن كلّ ما يقام على عتبةِ عليٍ (عليه السلام)، هو في خدمة منهجه ومحجته، وعرفانٌ من محبيه لشخصه، فإنه (عليه السلام) قال: "والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها".

  وهنا، حيث يعبرُ الزائر تحت هذا الإيوان، لا ينبغي له أن يقف عند حد المشهد دون الشاهد، فإن هذا مقامٌ تحفه الألطاف الإلهية، وتطوفه الملائكةُ الكَروبية، إنه مقام العبد الزاهد الصالح، الذي قال: "ألا وإنَ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطِمْرَيه، ومن طُعْمه بقُرْصَيه، لا يطعم الفلذة في حوليه، إلا في يوم أضحيته"، فتنفس العدل بعزمه، وتنامت أرومتُه بجهاده، وتفرعت أغصانُهُ بزهده، فكان المانعَ لذاته الباذلَ في ذات ربه، الآثر على نفسه المعطي لغيره.

وقد علّمنا أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضَعفةِ الناس"، فكان هذا المشهد الشريف شاهدًا على عظمه هذا الرجل الأثيري، الذي وتر الدنيا وطلقها ثلاثاً.

وإن افتتاح هذا الإيوان المبارك، بوصفه آيةً من آيات الدهر، تجلت فيها يد السماء التي بادرت إلى افتتاحه قبل أيدي أهل الأرض، وقوسا ذهبيا تنطق سبائكه بما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام)،"كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم"، فإننا نتقدم بعظيم الشكر وموفور الامتنان، للطواقم الفنية والادارية ، في ورشة الذهب وكل الأقسام ذات العلاقة، التي واصلت الليل بالنهار، وسعت سعي المحبين والمخلصين، في أن يظهر هذا الإيوان بهذه الحُلّة القشيبة.

نسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل قبولًا حسنًا، ويَسُرَّ به فؤاد صاحب العصر والزمان، عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأن يجعله في ميزان حسنات القائمين عليه، وأن يوفّقَ الجميعَ لخدمة هذا المقام الشريف، وزائريه الكرام، وأن يرزقنا وإياكم الثبات على ولاية أمير المؤمنين، والسير على نهجه، والوقوف عند حدوده، إنه سميع مجيب.