100%
الكلم الطيب

خطاب الزّهراء (عليها السلام) وتجلّياتُه – قراءة حجاجيّة

 

م.م. زهراء سالم جبار

مديرية تربية النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (12)

 

مثّل خطاب السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بعد رحيل النبي محمد (صلى الله عليه وآله) نصًا احتجاجيًا عالي الكثافة الرمزية، يُعاد عن طريقه تفعيل الهوية وتشكيل الصوت ضمن سياق سلطوي متحوّل، فالخطاب لا يُقارب من منظور المطالبة بحقوق شخصية فحسب، بل يُعدّ تدخلًا خطابياً واعيًا في لحظة تاريخية تتسم بإعادة تشكيل النظام السياسي والاجتماعي، وما يصاحبها من تحوّلات في أنماط توزيع السلطة والشرعية.

 

وبالنظر إلى مكانة الزهراء (عليها السلام) بوصفها رمزاً في المجال الديني والاجتماعي، فإنّ خطابها أنتج هوية خطابية متجاوزة للهامش، وفعّل الصوت بوصفه أداة لإعادة التموقع داخل المجال التداولي السلطوي آنذاك.

النسب الطاهر:

النسب الشريف فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ابنة خاتم الأنبياء أكدّته الأحاديث المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى(1)، وقد تجلّت الهويّة النسبيّة النبويّة في خطابها (عليها السلام) بدلالة قولها: ((أشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله عبْدُهُ وَرَسُولُهُ))(2).

وتتجلى في كلام الزهراء (عليها السلام) هذه الشهادة، كمرآة تمثّل هويتها العميقة ونسبها الشريف، إذ بدأت بإشهار شهادة الولاء والاعتراف بمحمد (صلى الله عليه وآله)، بوصفه عبداً لله (عزّ وجل) وهو تأكيد على التوحيد والرسالة التي ورثتها منها، التي تشكل محور وجودها السياسي والاجتماعي.

لقد جاءت هذه الشهادة من قبل الزّهراء (عليها السلام) لتعزز سلطة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) من جهة، ولتأسيس رابط مباشر بين نفسها وبين الرسول (صلى الله عليه وآله)، عبر النسب والارتباط الروحي، ما يمنحها موقعاً متقدماً في سياق السلطة، فابنته وريثة رسالة سماوية، وموصلة للخط النبوي في السلطة والقيادة.

وإنّ عبارة (أبي محمد) تضفي بُعدًا شخصيًا ونسبيًّا على الخطاب، يؤكد التمايز والخصوصية في نسبها التي تميزها عن غيرها من الطبقات الاجتماعية والسياسية، ويمنحها حجة قوية في احتجاجها ضد منازعي حقها، لاسيما في سياق الاستيلاء على ميراثها في فدك وحقوق أهل البيت (عليهم السلام).

ومن ناحية أدائية، تحمل العبارة ثقلًا عاطفيًا وشرعياً في آن واحد، إذ تنقل موقف الزهراء المفعم بالولاء، الحزن، والتمسك بحقها، ما يُبرز مزيجًا من القوة والضعف في آن واحد، وهو ما يجعل الخطاب يتخطى حدود الاحتجاج السياسي ليصل إلى عمق الهوية الروحية والاجتماعية، التي تتقاطع مع السلطة والحق، وبناءً على ذلك فإنّ هذه الشهادة هي استدعاء مباشر للنسب والهوية، التي تمنحها الشرعية التاريخية والسياسية، وتستخدمها كأداة احتجاج للرد على الظلم واستعادة الحقوق المسلوبة.

الصوت الاحتجاجي:

يتكثّف الصوت الاحتجاجي ويظهر النسق الأدائي لخطاب السيدة الزهراء (عليها السلام) بوصفه أداة للمواجهة السياسية والاجتماعية، وتتحقق فيه مقومات الهوية الذاتية في تمفصلها مع النسب النبوي بوصفه مركزًا للشرعية في دلالة قولها (عليها السلام): ((أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ (صلى الله عليه وآله)، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْعَلُ ما أفْعَلُ شَطَطاً))(3).

إن السيّدة الزهراء (عليها السلام) بدأت الخطاب بنداء مباشر إلى الناس "أيها الناس"، وهو أسلوب بلاغي قرآني يُبرز المقام الرسالي، ما يعزز نبرتها السلطوية والجامعة في آن واحد، ثمّ تُصرّح باسمها (اعلموا أني فاطمة)، وفي هذا الإعلان تحميلٌ لاسمها دلالة على التمايز والمكانة، فهي لا تقدم نفسها  بصفتها الشخصية فحسب، بل بصفتها رمزا لامتداد النبوة، وترسّخ هذا المعنى مباشرةً بقولها (وأبي محمد (صلى الله عليه وآله))، إذ مزجت الزّهراء (عليها السلام) بين تعريفها الذاتي وبين نسبها النبوي، ليكون صوتها امتدادًا لصوت الرسالة، لا مجرد رأي شخصي أو موقف فردي.

ففي هذه الجملة البسيطة في ظاهرها، تشكّل بنية احتجاجية عميقة، فمَن كانت ابنة النبي، لا يُمكن تجاهل كلمتها، ولا إسقاط منزلتها، ولا مصادرة حقّها، وإذ تؤكد (أقول عودًا وبدءًا) فهي تُظهر ثبات الموقف واتساقه، سواء في بداية الحدث أم في تكراره، لتقطع الطريق على أي تأويل سياسي يُتهم فيه خطابها بالتسرّع أو ردّ الفعل، ثم تتابع (ولا أقول ما أقول غلطًا)، ولا (أفعل ما أفعل شططًا)، وهو تثبيت لأهليّتها في القول والفعل، وتأكيد على اتزانها العقلي والتشريعي، فخطابها موقفٌ محسوبٌ، مدعومٌ بالنسب، والمعرفة، والحجة.

بهذا التركيب المتماسك، تبني الزهراء (عليها السلام) خطابها على محورين:

الأوّل: النسب النبوي، بوصفه مصدرًا للشرعية السياسية والروحية.

والآخر: الصدق والحكمة في القول والفعل، بوصفه ضمانًا للحق الذي تنطق به، ما يجعل هذا النص لحظة تأسيس رمزية لهويتها السياسية والاجتماعية، وركيزة احتجاجية تُجابه بها البُنية السلطوية، التي أقصتها وهمّشت حقها.

 

----------------------

1  ظ: الطوسي، الأمالي: 248.

2- عبد الله شبر، كشف المحجّة في شرح خطبة اللّمة: 48-49.

3- المصدر نفسه:70-71.