لم تظهر بدايات هذا العلم في الأفق إلا بعد فصل علوم الحديث عن العلوم الأخرى في القرن الرابع الهجري على يد أبي محمد: الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد المعروف بالرامهرمزى ت 360هـ، في كتابه: "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" وإن كان التأليف في الطبقات قديماً، يعود تاريخه إلى ظهور تاريخ التدوين والتصنيف، مثل طبقات ابن سعد محمد بن منيع كاتب الواقدي ت 230 هـــ، وطبقات خليفة بن خياط ت 240هـــ وغيرهما(2).
ولعلم الطبقات فوائد وثمرات في مجال علم الحديث وهي:
التمييز بن الأسماء المتشابهة والمتفقة.
2- الاطلاع على ما في الإسناد من إرسال أو انقطاع، أو تدليس أو نحو ذلك.
3- معرفة التصحيف والتحريف في أسماء الرواة.
حل إشكالية الاسماء المشتركة للرواة في معجم رجال الحديث في ضوء علم الطبقات
من أبرز المشكلات التي تواجه الرجالي والمشتغل بعلم الطبقات هي الأسماء المشتركة، سواء أكان الاشتراك في اسم الراوي أم في لقبه أم في كنيته، فلا يمكن حل إشكالية اشتراك الأسماء إلا عبر تحديد طبقة الراوي بمعرفة من روى عنه ومن روى عنه، وقد أجاد السيد الخوئي (قدس) في حل هذه الإشكالية، فعندما يعرض اسم الراوي أو كنيته أو لقبه يعرض معها كل الأسماء والألقاب والكنى التي ذُكرت في أسانيد الروايات، ويجعل علامة = للإشارة إلى أن الراوي نفسه، فمثلاً في ترجمة آدم بن المتوكل يذكر علامة = بهذا الشكل:
= آدم أبو الحسن اللؤلؤي
= آدم بياع اللؤلؤ
وقد يشترك اسم الراوي مع اسم أبيه بأكثر من راوٍ، ولا مميز بين الرواة إلا عشائرهم، فتذكر عشيرة كل منهم، فمثلاً:
أبان بن أرقم الأسدي
وأبان بن أرقم الطائي
وأبان بن أرقم العنزي
فعند مراجعة كتب الرجال نجد أنهم جميعاً من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وجميعهم من سكنة الكوفة، فيميز السيد المصنف عن طريق ذكر عشيرة كل منهم.
وعلى سبيل المثال كنية (أبي بصير) يكنى بها أربعة رواة هم: يحيى بن القاسم، وليث البختري، وعبد الله بن محمد الأسدي، ويوسف بن الحارث، وحماد بن عبد الله بن أُسيد الهروي، فيكون التمييز عن طريق الاسم واللقب والمعاصرة، قال السيد الخوئي في ترجمة أبي بصير: ((وقع بهذا العنوان في إسناد كثير من الروايات، تبلغ ألفين ومائتين وخمسة وسبعين مورداً))(3)، ثم قال بعد أن ذكر موارد هذه الروايات: (( وقد ذكر بعضهم أن أبا بصير مشترك بين الثقة وغيره، ولأجل ذلك تسقط هذه الروايات الكثيرة عن الحجية، ولكنا ذكرنا في ترجمة يحيى بن القاسم، أن أبا بصير عندما أطلق، فالمراد به هو: يحيى ين أبي القاسم، وعلى تقدير الإغماض فالأمر يتردد بينه وبين ليث بن البختري المرادي، الثقة، فلا أثر للتردد، وأما غيرهما فليس بمعروف بهذه الكنية، بل لم يوجد مورد يطلق فيه أبو بصير، ويراد به غير هذين))(4).
وقد أفاد السيد المصنف (قدس) كثيراً من علم الطبقات في حل إشكالية تشابه الأسماء، فمثلاً في ترجمة الحسين بن كيسان، قال: واقفي، من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، رجال الشيخ.
احتمل بعضهم اتحاده مع الحسين بن علي بن كيسان المتقدم، وهو عجيب فإنه روى عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، وهذا واقفي، على أنه احتمال لا منشأ له أصلا، ولا سيما مع اختلاف الطبقة"(5).
من المباحث المهمة في معجم رجال الحديث بحث التصحيف والتحريف في أسماء الرواة، وذلك يساعد في معرفة حقيقة السند وطبقات الرواة، فقد يترتب على أثر تصحيف الاسم أو تحريفه تضعيف راوٍ وهو ثقة، أوتوثيق من هو بالأصل ضعيف، وهذا الأمر ينعكس على صحة السند وعدمه.
ومن الأمثلة على ذلك يرى السيد المصنف (قدس) أن التحريف لا يبعد وقوعه في سليمان الرازي، ويرى أن الصحيح هو علي بن سليمان الزراري(6).
ويرى أن في الحارث بن حصيرة تصحيفاً والصحيح الحارث بن حصين(7).
وفي ترجمة محمد بن رزان، قال السيد المصنف (قدس): ((من أصحاب الصادق (عليه السلام)، رجال الشيخ. كذا في الوسيط، والظاهر أنه تصحيف، والصحيح محمد بن رزام، كما تقدم))(8).
وفي بعض الأحيان يدفع السيد المصنف (قدس) شبهة تصحيف اسم بعض الرواة، فمثلاً في ترجمة محمد بن الفضل الأزدي، قال: "وأورد عليه: بأن الشيخ لم يذكره في أصحاب الكاظم (عليه السلام)، وقال بعضهم: إن كلمة (م) مصحف كلمة (دي).
أقول: إن الشيخ وإن لم يذكره في أصحاب الكاظم (عليه السلام)، إلا أنه صرح هنا بكونه من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، فما ذكره ابن داود صحيح، وبذلك يظهر، أن احتمال التصحيف لا أساس له، على أن من هو من أصحاب الهادي (عليه السلام) هو محمد بن الفضل البغدادي، دون الأزدي الكوفي، وهما رجلان"(9).
وقد أفاد السيد المصنف (قدس) كثيراً من علم الطبقات في حل إشكاليات التصحيف والتحريف، فمثلاً يروي الشيخ الكليني بسنده عن "محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن تغلب، عمن أخبره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((سألته عن لحوم الخيل، فقال: لا تأكل إلا أن تصيبك ضرورة ولحوم الحمر الأهلية فقال في كتاب علي (عليه السلام): أنه منع أكلها))(10).
فالسيد المصنف (قدس) عندما ينقل هذا السند لا يرتضيه ويرى فيه تحريفا، فيقول: ((والظاهر أن الصحيح: أبان بن عثمان بدل أبان بن تغلب لبعد الطبقة وعدم ثبوت رواية علي بن الحكم عن أبان بن تغلب في غير هذا المورد وكثرة روايته عن أبان بن عثمان))(11).
------------------------
1-ظ: أسعد سالم تيم، علم طبقات المحدثين أهميته وفوائد:7.
2-ظ: نافذ حسين حماد، علم طبقات المحدثين مصنفات ومناهج، بحث منشور في مجلة جامعة الأزهر بغزة، المجلد 12، العدد2.
3-السيد الخوئي، معجم رجال الحديث: 22/49.
4-المصدر نفسه:52.
5-المصدر نفسه: 7/72.
6-ظ: المصدر نفسه: 2/49-50.
7-ظ: المصدر نفسه: 5/170.
8-المصدر نفسه: 17/88.
9-المصدر نفسه: 18/ 142.
10- الكليني الكافي: 6/24.
11- السيد الخوئي، معجم رجال الحديث: 1/140.