100%
ببليوغرافيا العلوم

قراءة في كتاب: نور العين في المشي إلى زيارة قبر الحسين (عليه السلام) للشيخ محمد حسن الأصطهباناتي

 

الباحث الشيخ محمد السمناوي

الحوزة العلمية في النجف الاشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (73)

 

يقدم هذا المقال قراءة تحليلية موجزة في كتاب "نور العين في المشي إلى زيارة قبر الحسين (عليه السلام)" لمؤلفه الشيخ محمد حسن الأصطهباناتي. يهدف الكتاب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1432 هـ / 2011 م عن مؤسسة الرائد للمطبوعات، إلى تسليط الضوء على عظم ثواب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، خاصة سيراً على الأقدام. يكتسب هذا الموضوع أهمية بالغة في الثقافة الشيعية، إذ تُعد زيارة الأربعين مشياً على الأقدام تقليداً لعقيدة راسخة يمارسها الملايين، ويستعرض هذا المقال الخطوط الأساسية وخريطة المحتوى للمقتطفات المتوفرة من الكتاب، مقدماً للقارئ فهماً شاملاً لأهم الأفكار والنتائج والتوصيات التي يتضمنها هذا العمل القيم، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه القراءة تعتمد على المقتطفات من الكتاب، ولا تغطي جميع تفاصيله أو هيكله الكامل.

خريطة الكتاب والخطوط الأساسية:

يتناول الكتاب بأسلوبه المميز ومحتواه الغني، الذي ينتمي إلى التصنيفات الرئيسية للزيارة والمراقد المقدسة والآداب والتقاليد المرتبطة بها، جوانب متعددة لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، يمكن تبويبها ضمن المحاور الآتية:

أولاً: فضل المشي إلى الزيارة والآثار الروحية العظيمة:

يُستهل الكتاب بالتركيز على الاستحباب البالغ للمشي إلى زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وتُورد فيه عدة روايات عن الإمام الصادق (عليه السلام)، تؤكد الأجر العظيم لهذه العبادة. فلكل خطوة يخطوها الزائر في هذا المسير، تُكتب له حسنة، وتُمحى عنه سيئة، وتُرفع له درجة، ويصل الأجر إلى حد يُعادل أجر حجٍ وعمرة مقبولتين أو أكثر من ألف حجة وعمرة. كما تُشير الروايات إلى أن الزائر تُغفر ذنوبه، ويُفك رقبته من الرق، ويُخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وتؤكد بعض الروايات أن الملائكة تكتب هذه الحسنات وتُصلي على الزائر.

ويُبرز الكتاب دعاءً خاصاً للإمام الصادق (عليه السلام) لزوار الإمام الحسين (عليه السلام)، يطلب فيه من الله أن يرحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس، وأن يرحم تلك الخدود التي تقلّبت على قبر أبي عبد الله الحسين، وأن يرحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة له، وأن يرحم تلك القلوب التي جزعت واحرقت حزناً عليه، وأن يرحم تلك الصرخة التي كانت له، ويستودع الأبدان حتى تُروى من حوض يوم العطش، وهذا الدعاء يُبرز مدى الرعاية الإلهية والاهتمام بأولئك، الذين يتحملون المشقة في سبيل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام).

ثانياً: زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها فرضا وواجباً ومحوراً للإيمان:

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تأكيد أن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست مجرد مستحب، بل هي فرض وواجب على كل مؤمن ومؤمنة، تُروى أحاديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) والإمام الرضا (عليه السلام) تُشدد على هذه المسألة. ويُعتبر ترك الزيارة نقصاً في الإيمان، وتُبيّن الروايات أنّ من لم يأتِ قبر الحسين (عليه السلام) فقد ترك حقاً من حقوق الله ورسوله. كما تُشير إلى أنّ هذه الزيارة تدفع الهدم والحرق وتُطيل العمر وتزيد في الرزق.

ثالثاً: عواقب ترك الزيارة والجفاء نحو الإمام (عليه السلام):

     يحذر الكتاب بشدة من ترك زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، ويُطلق على ذلك وصف "الجفاء". فمن ترك زيارته من دون عذر مشروع، قد يُعد ذلك نقصاناً في الإيمان، وقد يُحرم من شفاعة الإمام (عليه السلام)، بل قد يُؤثر ذلك على عمره ورزقه. وتذكر الروايات أن من ترك زيارة الحسين (عليه السلام) تُنقص من عمره ست سنوات. ويُعبر الأئمة (عليهم السلام) عن استغرابهم وشكواهم ممن يتركون زيارة الإمام الحسين (عليه السلام).

رابعاً: ثواب الزيارة في ظل الخوف والمحن والإنفاق:

     يُفرد الكتاب فصلاً خاصاً لـ "ثواب من زار الحسين (عليه السلام) خوف ووجل"، حيث تُشير الروايات إلى أجر مضاعف لمن يزور الإمام في ظل الظروف الصعبة والتهديدات. فمثل هؤلاء الزوار تُصافحهم الملائكة، وتُغفر لهم ذنوبهم. ويُقال أنهم في ظل العرش. وتُذكر قصص لأفراد زاروا الإمام في ظروف قاسية، مؤكدة على عظيم الأجر.

     ويتناول الكتاب أيضاً حكم اللطم في العزاء، فيُبيّن أنّه جائز إذا كان من منتهى الحلم، ولم يُؤدِّ إلى ضرر يُفضي إلى الموت أو تغيير في الخلقة.

     كما يُبين الكتاب ثواب من قُتل في سبيل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، فيُذكر أنّ قطرة دم واحدة من دم الشهيد تُغفر له كل خطيئة، وأنّ الملائكة تُطهره، وأن الله يفتح صدره ويشرح قلبه. ويُذكر أنّ الشهيد في هذا السبيل يشفع لألف من أهله وإخوانه، ويُصلي عليه جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملائكة كثيرة.

     ويُفصل الكتاب في ثواب من حُبس أو ضُرب في سبيل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، فكل يوم حبس يُكتب له أجر ألف حجة وعمرة. ولكل ضربة يتلقاها الزائر في هذا السبيل، يُدخل الله على بدنه ألف حسنة، ويُمحى بها ألف سيئة، ويُرفع له ألف درجة.

     ويذكر الكتاب أيضاً ثواب من مات في طريق زيارته، فإذا مات الزائر وهو في طريقه إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنه يُدفن من دون حساب، ويُدخل الجنة مباشرة. الملائكة تُشيّعه وتفتح له أبواب السماء.

     وفيما يتعلق بالإنفاق، يُخصص الكتاب فصلاً لـ "ثواب من أنفق في الزيارة". تُؤكد الروايات أن كل درهم يُنفقه الزائر في سبيل الزيارة يُعاد عليه بألف ضعف، ويُبارك له في دنياه، ويُكتب له أجر سبعين ألف حجة، وكذلك يذكر الكتاب ثواب من جهّز غيره لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ولم يخرج هو بنفسه، فيُقال إن أجره أعظم ممن زار بنفسه، وتُغفر ذنوبه.

خامساً: كيفية زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) والآداب المطلوبة:

      يُشير الكتاب إلى بعض الآداب التي تُكره في الزيارة، مثل اتخاذ "علق" (طريق معين أو عادة معينة) لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، مما يعني التأكيد على جوهر الزيارة وهو القصد إلى المرقد المقدس بحد ذاته، وليس التقيّد بعادات قد تُبعد عن روح العبادة.

      كما يُبين الكتاب كيف يجب أن يكون زائر الإمام الحسين (عليه السلام)، فيُشدد على أن يكون الزائر متصفاً بالخشوع والحزن، حزيناً يبكي، أشعث أغبر، جائعاً وعطشاناً، ليشعر ببعض ما قاساه الإمام (عليه السلام). هذه الحالة الجسدية والنفسية تمثّل مدى التعاطف والتأثر العميق بمأساة كربلاء.

سادساً: المنزلة العظمى لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وصلتها بالذات الإلهية:

      يُبرز الكتاب أنّ زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) من أحب الأعمال إلى الله تعالى، بل هي من أفضل ما يكون من الأعمال. وتُروى أحاديث تُشير إلى أن من زار قبر الإمام الحسين (عليه السلام) "كان فوق عرش الله"، أو أنه "كان عرش الله في عرشه"، أو "كان كرسي الله"، وهي تعابير مجازية تُعبر عن أقصى درجات القرب الإلهي والمنزلة الرفيعة التي يبلغها الزائر عند الله تعالى. كما يُذكر أنّ الزائر يصبح "محدث رسول الله"، أي يتلقى إلهاماً خاصاً، وأنه "في ظل العرش". ويُشير الكتاب أيضاً إلى أنّ من سرّه أن ينظر إلى الله، فليُكثر زيارة قبر الحسين (عليه السلام)، في دلالة على أنها طريق للوصول إلى أعلى مراتب المعرفة الإلهية.

سابعاً: حضور الكائنات الروحانية والأنبياء والأئمة في الزيارة:

      يُفرد الكتاب فصولاً تُبيّن حضور الملائكة والأنبياء والأئمة (عليهم السلام) في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام). يُذكر أن الله جل وعلا يزور الحسين (عليه السلام) في كل ليلة جمعة، وأن الأنبياء يسألون الله في زيارة الحسين (عليه السلام)، بل ما من نبي إلا وقد زاره، وتُورد تفاصيل لزيارة أنبياء مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام)، وكيف أنهم بكوا على مصاب الحسين.

     ويُسلط الضوء على أنّ النبي الأعظم والعترة الطاهرة يزورون الحسين (عليه السلام)، فمحمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته يُعبرون عن حزنهم العميق لمصابه، وتُذكر روايات تُصور بكاء السماء والملائكة والأرض دماً على الإمام الحسين. كما تُورد روايات عن أن الملائكة تُصلي على زائر الإمام الحسين (عليه السلام)، وأن أربعة آلاف ملك أو سبعين ألف ملك يكونون عند قبره يصلون عليه ويدعون له ويستغفرون له، كما تُشير إلى أن الملائكة تُصافح الزائرين، وتُحيّيهم، وتكتب حسناتهم، ويُنادون عليهم بـ "أيها الطيبون طبتم وطابت لكم الجنة".

ثامناً: شفاعة الإمام الحسين (عليه السلام) وغفران الذنوب:

     يُبرز الكتاب بشكل خاص أن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تُوجب غفران ما تقدم من الذنب وما تأخر. تُروى أحاديث كثيرة تؤكد أن الزائر يُغفر له كل ذنوبه، ويُخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وتُشير الروايات إلى أن زوار الإمام الحسين (عليه السلام) "يشفعون" لغيرهم. والنبي (صلى الله عليه وآله) يخلص زوار الحسين (عليه السلام) وينقذهم من أهوال القيامة وشدائدها. وتُعتبر هذه الزيارة صلة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وأفضل من زيارة الإمام الحي.

الخاتمة:

     بناءً على هذه القراءة المقدمة من كتاب "نور العين"، وفي ختامها يمكن استخلاص النتائج الأساسية الآتية:

يُظهر الكتاب أنّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست مجرد عبادة، بل هي محور إيماني ذو مكانة استثنائية تفوق العديد من العبادات الأخرى في الأجر والثواب، وتُعد حقاً من حقوق الله تعالى على المؤمنين.

تُؤكد الروايات على قرب الزائر من الله تعالى إلى درجة "فوق العرش" أو كونه "عرش الله"، وتُشير إلى حضور الملائكة والأنبياء والأئمة (عليهم السلام) في هذه الزيارة.

تُعد الزيارة وسيلة عظيمة لمحو الذنوب، ما تقدم منها وما تأخر، وتضمن شفاعة الإمام الحسين (عليه السلام) والنبي (صلى الله عليه وآله) للمشاة وزواره في الدنيا والآخرة.

يُفرد الكتاب مساحة واسعة لبيان الثواب الجزيل لمن تحمل المشاق، الخوف، السجن، الضرب، أو حتى الشهادة في سبيل الوصول إلى مرقد الإمام (عليه السلام).

تُبيّن الروايات ضرورة أن يكون الزائر في حالة نفسية وجسدية تمثّل الحزن والتأسي بمصاب الإمام (عليه السلام)، مما يُعزز الجانب الروحي والأخلاقي للزائر.

   بناءً على هذه النتائج، يُمكن تقديم التوصيات الآتية:

1.الاستمرار في إحياء سنة المشي إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في جميع الأوقات لما لها من آثار عظيمة على الفرد والمجتمع، ولما تُعززه من قيم الإيمان والتضحية والولاء.

2.يجب تبيان أن الزيارة ليست مجرد عادة، بل هي عبادة ذات أبعاد روحية عظيمة تقرب العبد من ربه، وتضمن له المغفرة والشفاعة.

3.ينبغي التركيز على أنّ الزيارة هي رحلة للقلب قبل الجسد، وأنّ حالة الحزن والخشوع والتأسي هي جوهر هذه العبادة، لضمان استفادة الزائر من كامل بركاتها.

4.دعم الزوار وتسهيل رحلتهم، ويتجلى ذلك في تشجيع الإنفاق في سبيل الزيارة وتجهيز الزائرين المحتاجين، لما لذلك من أجر مضاعف عند الله تعالى.

5.تُوصي هذه القراءة بضرورة التعمق في الروايات المذكورة في الكتاب وما شابهها، لفهم أعمق للمفاهيم الروحية والمجازات الواردة فيها، مثل التعبيرات عن القرب الإلهي والصلة بالعرش الإلهي.

      بهذا، يكون كتاب "نور العين" بمثابة دليل شامل ومرجع قيم لكل من أراد أن يفهم أبعاد زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأن يستشعر فضلها وعظيم أثرها في الدنيا والآخرة.