د.علي عبد العظيم هادي الخاقاني
وزارة التربية – مديرية تربية النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (27)
من سمات الشريعة الإسلامية الكمال والشمول لجميع مناحي الحياة، سواء على الصعيد الشخصي، أم الاجتماعي، وفيما يخص الأمة ويتعلق بإدارة شؤونها: التدبيرية، والسياسية، والعسكرية، من داخل البلاد وخارجها.
فلم تغفل عن مرحلة مهمة يمر بها الإنسان وهي مرحلة الطفولة؛ لشدة خطورتها وتعلقها ببناء شخصية الفرد، ومن ثَمّ فهي مؤثرة في معتقده، وفي أخلاقه، وفي بقية جوانب حياته، فهنا نجد الشريعة الإسلامية أعطت هذه المرحلة كثيرًا من الاهتمام، ووردت أحكام تتعلق بكيفية التعامل مع مرحلة طفولة الإنسان؛ كي نحظى بشخص سليم، يستطيع بمفرده فيما بعد السير نحو الكمال المنشود من خلقه، واهتمام الشريعة بالطفولة شمل جميع الحالات التي يمر بها الطفل، ومن هذه الحالات ما يأتي:
أولاَ- الطفل في كنف والديه: في هذه الحالة تقع مسؤولية كبيرة على الوالدين، من حيث الاهتمام والتربية والرعاية، وهي مسؤولية عظيمة، وقد طلب الإمام زين العابدين (عليه السلام) المعونة من رب العالمين على تربية أولاده، إذ قال: ((وأعني على تربيتهم وتأديبهم وبرهم))؛ لذا جعل الإسلام العناية بالطفل من حقوقه على والديه: ((وأما حق ولدك فأن تعلمَ أنه منك، ومضاف إليك في عاجل الدنيا، بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب، والدلالة على ربه عزّ وجلّ، والمعونةِ له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه، بحسن القيام عليه، والأخذ له منه، ولا قوة إلا بالله))(1) ففرضت الشريعة على والده جملة من الأمور، منها:
1. اختيار الأم، إذ إن اختيار الزوجة الصالحة هو اختيار الأم للمولود، فيعمد الرجل قبل الزواج إلى التحري عن زوجة، تكون مثالاً للأدب والخلق والتدين، ومن أسرة محافِظة؛ لأن ((الخال أحد الضجيعين)) و((اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس))، فلا يكون الاختيار لأجل المال والجمال، فقد يكون ذلك وبالًا على الولد عندما تكون الأم ذات مال وجمال وفاسدة الأخلاق.
2. اختيار الاسم الحسن، والكنية الحسنة، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: ((أول ما يبر الرجل ولده أن يسميه باسم حسن، فليحسن أحدكم اسم ولده))(2)، ومن يختار العكس فقد حكم على ولده بالذل والمهانة وانتقاص الآخرين من اسمه، حتى لو برع في مجال ما، وأصبح ذا شأن ومقام.
3. اختيار المرضعة، لأن لبن المرأة ينقل أخلاق صاحبته، فيجب اختيار صاحبة لبن ذات مواصفات أخلاقية عالية.
4. الأذان والإقامة في أذنيه بعد الولادة، كونهما من الأمور التي أكد عليها أهل البيت (عليهم السلام)؛ لتأثيرهما في سمعه، عندما يكونان أول ما يسمع.
5. العق عنه بعقيقة تماثل جنس المولود، وبذلك تدفع عنه عوارض الأذية طوال حياته، فهي نوع من أنواع الصدقات، فلا يبخل الوالد عن أولاده بالعقيقة.
6. أن يحلق شعره في اليوم السابع، ويتصدق بوزنه فضة أو ذهبا، ويعمل الحلق على تحسين الدورة الدموية التي تمر بالرأس، وتقوي بويصلات الشعر تحديداً.
7. أن يختنه، إذ (إن الأرض تعج من بول الأغلف)، وبقاء الولد من دون ختان قد يعرضه إلى الأمراض الجلدية والتناسلية والتشوهات الخلقية، وقد ثبت بالتجربة ذلك لمن يبقى من دون ختان إلى مراحل متقدمة من عمره، وهذا الأمر يجعل الولد في حالة من الانعزال والشخصية المهزومة والمضطربة، ولا يقوى على ممارسة حياته الطبيعية بالزواج والتناسل، وغير ذلك من الممارسات الحياتية.
8. إذا وصل مرحلة التعلم، يجب العمل على تعليمه، وتأديبه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((الزموا أولادكم وأحسنوا آدابهم، فإن أولادكم هدية إليكم))، وقال (صلى الله عليه وآله): ((حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة، والسباحة، والرماية)) وقال(صلى الله عليه وآله): ((لاعب ابنك سبعًا، وأدبه سبعًا، وصاحبه سبعًا، ثم اترك له الحبل على الغارب))(3).
ويجوّز الشرع ضرب الطفل ضمن شروط؛ لأجل التربية؛ ذلك لأن وظيفة الوالدين تأديب أولادهم وتربيتهم على الأخلاق الكريمة والآداب الحسنة، وتمرينهم وتعويدهم على كرائم العادات وفعل الحسنات، ومنعهم عن كل عمل يضر بأنفسهم وبغيرهم، وعلى ولي الأطفال تكميل نفوسهم وسوقهم إلى ما فيه صلاحهم وسدادهم، وضرب الأطفال لهذه المقاصد المهمة والأهداف العالية لا يعد ظلمًا وإنما هو إحسان إليهم، كي يسعدوا بها في حياتهم، ويفوزوا بها بعد مماتهم، فضرب الصبي حينئذ كالعملية الجراحية التي توجب الألم، ولكنها إحسان إلى المريض(4).
9. الإنفاق عليه، يجب أن يكون الإنفاق من الرزق الحلال، فتأمر الشريعة الإنسان بالتقيد في طعامه من أين جاء، وكيف صار، ولا بد للإنسان من السعي في كسب لقمة الحلال، التي تعد من أهم أركان التربية السليمة؛ وذلك لما لها من آثار نفسية وشرعية.
10. مساعدة الطفل على اختيار أصدقائه وأقرانه، إذ إن تأثير الصديق على الطفل كبير جدًا، فقد يتأثر من صديق تختلف ظروف حياته عن ظروف حياة الطفل، كأن يكون الصديق أجرأ في تعدّي حدود الله تعالى، أو قد يكون الصديق يتمتع بحرية مفرطة ومن دون رقيب على أفعاله، فحينئذ يرى الطفل أن صديقه يتمتع بجوانب يفتقدها هو، فيحقد على نفسه، ويحاول أن يكون مثل صديقه بالتمتع بتلك الجوانب، فيتمادى على والديه، فلا يعد يسمع منهما ما يصلح شأنه وحياته، وينتهي به الحال وسط مجتمع فاسد الأخلاق، يعتاد الرذيلة والجريمة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((خير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره، وخير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لأصحابه))(5).
ثانياً- الطفل عند طلاق والديه: في هذه المرحلة وعندما يكون الطفل بين والدين منفصلين بالطلاق، له عناية من قبل الشريعة الإسلامية، إذ أوجبت له حقوقًا على والديه، تضمن له بها مستقبلًا بعيدًا عن التطرف بالدين والأخلاق، ورسمت له بها طرقاً تمكّنه من تكملة مشوار حياته في ظل ظروف استثنائية ناقصة من حنان أحد الوالدين، ففرضت له على والديه مجموعة من الأحكام، منها:
1. توفير المرضعة ذات اللبن الحلال، وصاحبة الأخلاق الحميدة، أما إذا أرضعته أمه فهو الأفضل، ويجب على الوالد الأجرة لأمه إن طلبت ذلك، وفي هذه الحال يجب على الوالدين التفكير بمصلحة الطفل، وعدم تغليب الأجواء المضطربة التي ترافق الطلاق لكلا الطرفين.
2. العناية بحضانة الطفل، إذ الحضانة للأطفال تختلف بين حضانة الولد وحضانة البنت، فالأم أحق بحضانة الولد وتربيته وما تتعلق بها من مصلحة حفظه مدة الرضاع، أعني: حولين كاملين، ذكراً كان أم أنثى، سواء أرضعته هي بنفسها أم بغيرها، فلا يجوز للأب أن يأخذه في هذه المدة منها، فإذا انقضت مدة الرضاع فالأب أحق بالذكر، والأم أحق بالأنثى حتى تبلغ سبع سنين من عمرها، ثمَّ يكون الأب أحق بها، وإن فارق الأم بفسخ أو طلاق قبل أن تبلغ سبع سنين لم يسقط حق حضانتها، ما لم تتزوج بالغير، فلو تزوجت سقط حقها، وكانت الحضانة للأب(6).
3. الإنفاق عليه مدة الحضانة عند الأم، وتعاهد مصالحه، ومعالجة أمراضه، وتوفير كل ما يحتاجه بشتى أنواع الإنفاق.
4. توفير السكن الملائم له، في مدة حضانة الأم وبعدها، حتى لا يتعرض لأساليب الحاجة الرخيصة البعيدة عن الخلق والشرع والدين.
5. في حال اختار الأبوان البقاء على الانفصال بعد مدة الحضانة، وأراد الوالد الزواج من امرأة أخرى، يجب عليه اختيار زوجة مؤمنة لها قابلية واستعداد على رعاية طفله، لأن اختيار العكس معناه: الحكم على شخصية الطفل بالعدم، ونشأته في بيئة غير مؤهلة لتطوير ذاته، وتحصيل مستقبل مستقيم.
6. توفير الأجواء التي فيها تعويض عن حنان الأم، بعدم الابتعاد عن الأم ما دام اللقاء ميسورًا، وليس به ضرر على الطفل، أما اذا كان اللقاء يضفي على سلوكه انحرافًاً معينًاً فلا حاجة له به.
ثالثاً- الطفل في حالة اليتم: اليتيم يعيش حالة استثنائية، ويمر بظروف تحتاج إلى عناية مشددة في مقام التربية والرعاية، فهو يفتقد المسؤول المباشر عن هذه الأمور؛ لذلك أحاطته الشريعة الإسلامية بمجموعة أحكام، تحفظ له حقوقه في العيش بسلام، ونهج سوي، حتى يتمكن من إدارة شؤونه بنفسه، ومن هذه الأحكام:
1. تعيين وصي أو ولي يدير شؤونه، والولي هو الجد إن لم يكن له أب، أو الوصي إن لم يكن له أب ولا جد، أو أمين الحاكم إن لم يكن له واحد من هؤلاء.
2. توفير ما تقدم من الحقوق كما لو كان في كنف والديه، إذ الولي لليتيم، بمثابة الأب لغيره، فعليه رعاية اليتيم أفضل رعاية، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾[الضحى: 9]، وحذّر الإسلام من عدم رعاية اليتيم، كون النتيجة هي نار جهنم، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾[الفجر: 17].
3. رعاية مصالح اليتيم، وإدارة أمواله وتجارته إن وجدت، حتى يبلغ مبلغ الرجال، ويحسن إدارتها بنفسه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾[الأنعام: 52]، وقال تعالى:﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾[النساء: 10]، وفي الأثر المحمدي: (من أكل من مال اليتيم درهمًا واحدًا ظلمًا من غير حق خلّده الله في النار) و(إنّ أكل مال اليتيم من الكبائر التي وعد الله عليها النار، فإن الله عز وجل من قائل يقول: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ و(أن من اتجر بمال اليتيم فربح كان لليتيم والخسران على التاجر)، و(من حول مال اليتيم أو قرض شيئا منه، كان ضامنا بجميعه، وكان عليه زكاته دون اليتيم) و(إياكم وأموال اليتامى لا تعرضوا لها ولا تلبسوا بها، فمن تعرض لمال يتيم فأكل منه شيئا فكأنما أكل جذوة من النار) و(اتقوا الله ولا يعرض أحدكم لمال اليتيم، فإن الله جل ثناؤه يلي حسابه بنفسه مغفورا له أو معذبا)(7).
4. توفير أجواء شبه التي يتمتع بها غير اليتيم، بل أفضل، من حيث متطلبات العيش الكريم، وبناء الأسرة، وغير ذلك.
-----------------------------
1.الحراني: ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول: 264.
2.العاملي: وسائل الشيعة: 15/122.
3.المصدر نفسه.
4.ظ: الكلبايكاني: محمد رضا، الدر المنضود في أحكام الحدود: 2/282.
5.النوري: حسين، مستدرك الوسائل: 8/ 419.
6.ظ: السبزواري: عبد الأعلى، مهذب الأحكام بين الحلال والحرام: 25/277.
7.ظ: العاملي: وسائل الشيعة: باب اليتيم.