السيـد عيســى الخرســـان
الأميـــن العام
المصدر: مجلة الولاية – العدد 206 – الصفحة (5)
ليس ثمّة شيء في هذه النشأة أظهر من وجود البشر واختلاف مداركهم وألسنتهم وألوانهم، وربما يصح القول بأن ما من شيء يحرّك الإنسان روحيًا وعقليًا أكثر من تفاعله مع أخيه الإنسان، ولهذا نجد أن القرآن الكريم يصرّح غير مرة عن حدود هذه العلاقة الإنسانية ومساحاتها وطبيعتها الأخلاقية والشرعية.
وإذا كان الإنسان يؤثر في أخيه الإنسان بمقدار المتعلّق به من حياته وسلوكه وقرابته، فلا ريب أن يكون لبعض البشر من التأثير ما يفوق أقرانهم من الأغيار، وهذا إنما ينطبق على الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء والخيّرين الذين تتلألأ بهم صفحات التاريخ البشري.
وفي كتابه «الخالدون المئة» يناقش الفلكي مايكل هارت ـ الذي وضع شخصية رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله) في المرتبة الأولى ـ فكرة التأثير بحد ذاتها، ليصل إلى نتيجة مفادها أن التأثير هو جوهر العلائق الإنسانية، وأن عمق أثر المرء في غيره إنما يكشف عن مقدار ما أودع فيه من طاقةٍ على صناعة الإنسان وتهذيب سلوكه وتوسيع مداركه.
ولعلّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمثل أصفى صور هذا التأثير وأبقاها؛ إذ لم يكن أثره في أمةٍ بعينها أو في جيلٍ مخصوص، وإنما امتد أثره في الإنسان عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا، حتى لخّص هو (صلى الله عليه وآله) غاية بعثته بقوله: ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).
وليس بعيدًا عن هذا المعنى أن يجتمع في السابع عشر من ربيع الأول ميلاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وميلاد حفيده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)؛ فبين الميلادين قرابة قرن، غير أن الأثر المحمدي لم يكن يقاس بالأيام والسنين، وإنما بقدرته على الانتقال بنفس الحيوية والحرارة من جيلٍ إلى جيل، وهذا لعمري من العجيب ذكره والتأمّل فيه!.
فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد وضع أصول الرسالة وأقام بنيانها، فإن الإمام الصادق (عليه السلام) عاش في مرحلةٍ كان فيها ذلك البنيان بحاجة إلى البيان والحفظ والتأصيل، بعد أن اتسعت رقعة الأمة، وتعددت اتجاهاتها، وتشعبت أسئلتها.
ومن هنا تبدو المدرسة الصادقية امتدادًا لذلك الأثر المحمدي، لا من جهة النسب وحده، وإنما من جهة العلم والوظيفة والرسالة؛ فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((العالِم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)). فكان علمه (عليه السلام) علمًا واعيًا بزمانه، قادرًا على حفظ أصول الرسالة في مواجهة ما استجدّ من شبهات واتجاهات.
وهكذا يغدو السابع عشر من ربيع الأول أكثر من تاريخٍ اجتمع فيه ميلادان؛ فهو يومٌ يلتقي فيه التأسيس بالامتداد، والرسالة بأحد أبرز حَمَلة علومها، والنور بمَن حفظ أثره في جيلٍ تالٍ.
ولعلّ أجمل ما نستحضره في هذه المناسبة أن التأثير الحقيقي لا ينتهي بغياب صاحبه، وإنما يبدأ حين يصبح أثره قادرًا على صناعة أجيالٍ جديدة؛ وهذا ما جعل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أثرًا خالدًا في الإنسانية، ومن الإمام الصادق (عليه السلام) شاهدًا على امتداد ذلك الأثر في مسيرة المعرفة الإسلامية.
فطوبى لربيعٍ جمع الولادتين، وطوبى لأمةٍ كان أول ربيعها محمدًا (صلى الله عليه وآله)، وكان في امتدادها جعفر الصادق (عليه السلام)، ثمّ كان في ختامها المهدي من آل محمّد عجّل الله تعالى فرجه الشريف.