جرت سنة الله تعالى في خلقهِ أن يقيّض للعظماء تحريك دولاب التاريخ كلما اقتضت الحكمة الإلهية لذلك، وإذا كان لهذهِ الأمة من عزٍّ أعزّها الله تعالى به، فإنما هو بحضرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، باعث الحضارة ومحرّك التاريخ، فبفضلِ جهادهِ وصبرهِ وتوثّبه وانبساط شخصيته وعالمية دعوته، ترقّى العقل الإسلامي في مدارج الكمال الإنساني - فكرًا وذوقًا - في فترة قياسية جدًا من عمر البشرية وتاريخ الأمم.
ولم يطلب من حطام الدنيا وأهلها شيئًا سوى أن يستحفظوا الذخيرة الفاخرة التي أودعها بين ظهراني العرب، لأنها صورة معناه وجوهره المذخور، حتى قال عنها: "إنَّ ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيمانًا إلى مشاشها".
بلى إنها فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) درّة التاج، وثمرة النبوّة التي ضيّعها الأعراب وبنو الجاهلية حقدًا وحسدًا، لا لشيء إلا لأنها مثّلت روح النبوة وحرارة الرفض، والشاخص الحي لبروليتاريا الشخصية النبوية وعنفوانها، وإدانتها لكلّ مظاهر القهر والمغالبة والجنف، وهذا ما لا تستمرئه نفوس القوم ولا تقبله طويتهم، في ظل الانقلاب الأيديولوجي والسياسي والبنيوي الذي اعتزموا إحداثه، فما لبثوا إلا أن أقدموا على أنكر جناية بحق النبيين وأبناء النبيين منذ أن خلق الله تعالى آدم (عليه السلام) وحتى قيام الساعة.
إن اغتيال السيدة المخدّرة فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) داخل فناء منزلها وبين جدرانه، لهو وصمة عار في جبين القوم الذين أركسهم الله وأوكلهم إلى نفوسهم التي غالبت حتى الشياطين في رجسها وغوايتها، فهذهِ الشهيدة المحتجّة مثّلت الجانب البريء والمسالم والأعزل بكل معانيه وتمثّلاته، في قبال هؤلاء الأوباش الذين مثّلوا الدنس والبشاعة واللؤم واحتكار السلطة بأقبح صوره وأشكاله.
وستظل حادثة الدار وما جرى على شهيدة الأمة المضيّعة وزعيمة الإسلام المضطهد، هي السردية الأولى التي تنتهي إليها كل خيبات المسلمين ونكباتهم على امتداد الأجيال واختلاف الشواهد، والحد الفاصل بين دين المتخومين ودين المحرومين، وسيبقى اشتباك الأسنّة حتى يفتح الله على أيدي رجالٍ يعرفهم ويعرفونه، رهبانٌ في الليل وفرسانٌ في النهار، يعقدون البيعة لصاحب الأمر وعميد الزمان، فيعيدون للإسلام بريقه الأول، ولشهيدته الثائرة حقها، عهدٌ معهود وميثاقٌ مأخوذ، والله لا يخلف الميعاد.