إنَّ من المسلَّماتِ الشرعيةِ التي انعقد عليها إجماعُ فقهاءِ الأمة، واستقرَّ عليها البناءُ الأخلاقيُّ في مدرسةِ أهلِ البيت (عليهم السلام)، أنَّ السترَ والعفاف، ليسا من شؤونِ العادةِ، ولا من مقتضياتِ الذوقِ الاجتماعيِّ، بل من أحكامِ الشريعةِ، ومظاهرِ الامتثالِ، وعناوينِ الهويةِ الإيمانية.
وفي هذا السياقِ، فإنَّ الحديثَ في مسألةِ السترِ والحجاب، لا ينبغي أن يُختزَلَ في بعدٍ شكليٍّ أو انفعاليّ، بل يُدرَسُ ضمن منظومةٍ فقهيةٍ متكاملة، تنطلق من النصّ، وتُراعي المقصدَ، وتلحظ الواقع.
لقد قررَ القرآنُ الكريمُ أصلَ السترِ بوصفهِ وسيلةً لصيانةِ الكرامةِ ودفعِ الأذى، فقال تعالى:﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، وهو تعليلٌ قرآنيٌّ واضحٌ، يربط الحكمَ الشرعيَّ بوظيفتِه الاجتماعيةِ والأخلاقية، لا بمجردّ المظهر.
كما أنَّ الرواياتِ الواردةَ عن أهلِ البيت(عليهم السلام) تؤكد هذا المعنى، فقد ورد عن أميرِ المؤمنين(عليه السلام)قوله:«العِفَّةُ رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ». وفي روايةٍ أخرى:«مَا زُيِّنَتِ الْمَرْأَةُ بِزِينَةٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعِفَّةِ».
ومن المقرَّرِ أصولياً، أنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب، فإذا كان السترُ الواجبُ لا يتحقَّق عرفاً، إلا بلباسٍ ساترٍ كاملٍ يمنع الإبداءَ والزينةَ الملفتةَ، فإن الالتزامَ بمثل هذا اللباس يندرج في دائرةِ الامتثالِ التعبديِّ والعرفيِّ.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه محاولاتُ تفريغِ المفاهيمِ من مضامينها، وإعادةُ تعريفِ القيمِ بمعزلٍ عن مرجعيتها الدينيةِ، يصبح من الواجبِ التأكيد، على أنَّ العفافَ ليس تراجعًا، وأنَّ السترَ ليس انغلاقًا، بل التزامٌ نابعٌ من فهمٍ فقهيٍّ وأخلاقيٍّ متكاملٍ للإنسانِ والمجتمع.
ومن هنا، فإنَّ أيَّ محاولةٍ لفصلِ السترِ عن منظومتهِ القيميةِ، أو تقديمهِ بوصفهِ خيارًا ثقافيًا محضًا، هي قراءةٌ مبتورةٌ، لا تنسجم مع المباني القرآنية والفقهية، وإننا حين نتحدَّث عن العباءة، إنما نتحدَّث عن مصداقٍ فعليٍّ لهذا المعنى الشرعيِّ، لا عن عنوانٍ زائدٍ عليه؛ إذ أنها الطريقُ إلى الغايةِ، ولا غايةَ من غيرِ طريقٍ.
وختامًا، نقول لبناتنا ما قاله إمامنا سيد الشهداء، الحسينِ بن عليٍّ (عليهما السلام)، لأهل بيتهِ وهو يودعهم وداعه الأخير:"واعلموا أنَّ اللهَ حاميكنَّ وحافظكنَّ، وسينجيكنَّ من شرِّ الأعداء".
وهذا هو مناط الحجاب ودلالته، والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمدٍ وآلهِ الطاهرين.