لا يخفى على أحدٍ أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لديه علمٌ بما سيجري في المستقبل؛ وهو علمٌ اكتسبه من الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله)؛ ومن بين تلك الأحداث الأليمة على قلبه الشريف إخبارُه بواقعة كربلاء العظيمة، وما سيجري فيها على ولده الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) في أرض كربلاء.
روي عن هرثمة بن أبي مسلم قال: ((غزونا مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) صفين، فلما انصرفنا نزل كربلاء فصلى بها الغداة، ثم رفع إليه من تربتها فشمها، ثم قال: واها لك أيتها التربة، ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب، فرجع هرثمة إلى زوجته، وكانت شيعة لعلي (عليه السلام) فقال: ألا أحدثك عن وليك أبي الحسن؟ نزل بكربلاء فصلى، ثم رفع إليه من تربتها، وقال: واها لك أيتها التربة ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب، قالت: أيها الرجل، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقاً.
فلما قدم الحسين (عليه السلام) قال هرثمة: كنت في البعث الذين بعثهم عبيد الله ابن زياد، فلما رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث، فجلست على بعيري، ثم صرت إلى الحسين (عليه السلام)، فسلمت عليه وأخبرته بما سمعت من أبيه في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين (عليه السلام) فقال: معنا أنت أم علينا؟ فقلت: لا معك ولا عليك، خلفت صبية أخاف عليهم عبيد الله بن زياد. قال: فامض حيث لا ترى لنا مقتلاً، ولا تسمع لنا صوتاً، فوالذي نفس الحسين بيده، لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلا يُعيننا إلا كبّه الله لوجهه في جهنم))(1)
كما روي عن الأصبغ بن نباتة، قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب الناس وهو يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن شيء مضى ولا عن شيء يكون إلا أنبأتكم به، فقام إليه سعد بن أبي وقاص، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة؟
فقال له: أما والله لقد سألتني عن مسألة حدثني خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنك ستسألني عنها، وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها شيطان جالس، وإن في بيتك لسخلاً يقتل الحسين ابني، وعمر بن سعد يومئذ يدرج بين يديه))(2).
وروي أيضا عن شيبان أنه قال: ((أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) لما سار إلى صفين نزل بكربلاء وقال لابن عباس: أتدري ما هذه البقعة؟ قال: لا، قال: لو عرفتها لبكيت بكائي، ثم بكى بكاءً شديداً، ثم قال: ما لي ولآل أبي سفيان؟ ثم التفت إلى الحسين (عليه السلام) وقال: صبراً يا بُني فقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى بعده))(3).
-----------------
1- الشيخ الصدوق، الأمالي: 199.
2- المصدر نفسه: 196.
3- السيد المرعشي، إحقاق الحق: 27/294.