100%
قُرَّة الأَعين

بين البـاب والجـدار اللحظات الأخيرة في حياة فاطمة الزهراء(عليها السلام)

م.م محمد هاشم جبار العوادي

مديرية تربية ذي قار

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 197 – الصفحة (77)

 

ليست الشهادة مجرد لحظة انفصال الروح عن الجسد، بل هي ذروة مسيرة حياة، وخاتمةٌ تلخص كل ما سبقها من جهاد وصبر، وعندما تتعلق هذه الشهادة بسيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنّها تصبح حدثاً يهزُّ كيان الوجود، لأنه خلَّف جرحاً لا يندمل في قلب التاريخ الإسلامي، إنّ استشهادها لم يكن حدثاً عابراً، بل كان فصلًا مأساوياً من فصول الصراع بين الحق والباطل، ومأساةً إنسانيةً عظيمة.

 

من هي سيدة نساء العالمين؟

هي ابنة رسول الله محمد(صلى الله عليه وآله)، من زوجته خديجة بنت خويلد(عليها السلام)(1) وهي زوج الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وأم الإمامين الثاني والثالث الحسن والحسينࡽ، لقّبها النبي(صلى الله عليه وآله) بـ"الزهراء" لكونها كانت تُزهر لأهل السماء كما تُزهر النجوم لأهل الأرض، فاطمة بضعة مني من سرّها فقد سرني ومن ساءها فقد ساءني، فاطمة أعز الناس علي، فقد وردت روايات عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: ((ابنتي فاطمة فإنّها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة منّي، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الانسية))(2).

مما يدلُّ على فضلها على جميع نساء البشرية، بما في ذلك مريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون اللتان كانتا سيدتي نساء عصرهما، أجمعت المصادر الإسلامية بكل مذاهبها على فضلها ومكانتها الرفيعة في القرآن الكريم، فقد روى الثعلبي عن أم سلمة زوجة النبي(صلى الله عليه وآله): أنّ رسول الله كان في بيتها إذ أتته فاطمة(عليها السلام) بقطعة حرير، فقال النبي: أدعي لي زوجك وابنيك فأتت بهم فاطعموا، ثم ألقى عليهم النبي كساءً خيبرياً وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، فنزلت آية التطهير قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[سورة الأحزاب: ٣٣]، فقد ورد عن أبي سعيد الخدري، أنّها نزلت في خمسة من أهل بيت الرسول وهم أصحاب الكساء (النبي، علي، فاطمة، الحسن، الحسين) فإنّ هذه الآية دلّت على عصمتهم جميعاً، أمّا بمعتقدنا نحن الإثني عشرية فنرى بأنّ السيدة معصومة من الذنب والخطأ، وهذا ما ذهبَ إليه الشيخ المفيد والعلامة المجلسي إنّ عصمتها محل إجماع(3)، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((فاطمة سيدة نساء العالمين)) و((فاطمة سيدة نساء أهل الجنة))(4)، وقال(صلى الله عليه وآله) أيضاً: ((إن الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها))(5).

 

انقلاب الأمة:

بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله)، دخلت الأمّة في منعطف خطير، وفقاً للروايات التاريخية والمصادر الشيعية وبعض المصادر السنية، حدثت جملة من المواقف أدت إلى إبعاد الإمام علي(عليه السلام) عن الخلافة، وكان أقسى هذه الأحداث هو ما تعرضت له ابنة النبي(صلى الله عليه وآله)، فقد أقدم بعض الأشخاص على دخول دارها لإجبار بعلها علي(عليه السلام) على البيعة، ما أدى إلى تعرضها للأذى هي ومن في دارها، ونتيجة لذلك تعرضت لإصابة بالغة، وكسر في ضلعها وإسقاط جنينها (المحسن)، وهي الحادثة التي تُعرف بحادثة "إحراق الباب" أو "كدّ الدار"(6).

تقول الروايات التاريخية: إن الزهراء(عليها السلام) بعد هذه الحادثة، آلت على نفسها أن لا تكلم من آذاها، وظلت مكتئبة حزينة على فراق أبيها وجريحة الجسم والروح، وازداد وضعها الصحي سوءاً يوماً بعد يوم، وكانت ترفض أن يُداوى جرحها أو يُعَالَج، حتى اقتربت ساعة الرحيل في تلك اللحظات الأخيرة، كانت تتنهد ألماً، لا من جراح جسدها فحسب، بل من جرح ألمّ بها أكبر: وهو تخلي الأمة عن وصية نبيها، ومظلومية زوجها أمير المؤمنين(عليه السلام). وكانت تردد: "يا أبتاه، إلى رسول الله، يا أبتاه إلى جبرئيل يخبرك، يا أبتاه ماذا لقينا بعدك"، تشير المصادر إلى أنها أوصت الإمام علي(عليه السلام) بأمرين أساسيين في وصيتها:

الأول: أن يتولى هو شخصياً غسلها وتكفينها والصلاة عليها ودفنها ليلاً.

والثاني: أن يُخفي قبرها، حتى لا يحضر جنازتها أولئك الذين آذوها وتسببوا في شهادتها.

وهذا ما حصل بالفعل ففي ليلة الثالث من جمادى الآخرة (أو اليوم الثالث منه بحسب بعض الروايات) في السنة الحادية عشرة للهجرة، فاضت روحها الطاهرة إلى خالقها، ونفذ الإمام علي(عليه السلام) وصيتها، فدفنها سراً في جنح الظلام، وأخفى قبرها، الذي بقي مجهول الموقع إلى يومنا هذا، وإن كانت هناك اعتقادات قوية أنه في "البقيع".

 

الدروس والعبر:

ثمن المبدأ: تعلّمنا سيدة النساء أن الشهادة هي ثمنٌ يدفعه الأطهار أحياناً للتمسك بحقهم ومبادئهم.

صمود المرأة: كانت فاطمة(عليها السلام) أنموذجاً للمرأة القوية الصامدة التي تدافع عن الحق، حتى ولو كلفها ذلك حياتها.

السر الأكبر: إخفاء قبرها هو تنفيذ لوصيتها، وأيضاً تحول إلى رمز دائم على ظلامتها، يجعل قضيتها حية في الضمير الإنساني إلى الأبد.

 

آخر المطاف:

إن اللحظات الأخيرة لحياة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) بين جسدٍ مثخن بالجراح وروحٍ تواقة للقاء أبيها(صلى الله عليه وآله)، وبين باب دارها الذي اُعتدي عليه وبين جدار القبر المجهول، تظل لوحةً محفورة في الذاكرة إنها تذكرنا بأنّ طريق الحق قد يكون شائكاً ومليئاً بالألم، ولكن النهاية هي النصر الأبدي، فهي الشهيدة سيدة نساء العالمين، التي بقي قبرها سراً، ولكن ذكراها أصبحت ثورة في ضمير كل حرٍّ يواجه الـظلـم.

 

ــــــــــــــــ

1- جعفر السبحاني، السيرة المحمدية: 1/46 ، 125

2- الشيخ الصدوق، الآمالي: 113، الحمويي الجويني، فرائد السمطين: 2/ 35، الطبري الآملي، بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: 198

3- الشيخ المفيد، الفصول المختارة، ، المجلسي، بحار الانوار، ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب.

4- ابن حجر العسقلاني، صحيح البخاري: 7/132.

5- الحاكم النيسابوري، المستدرك: 3/154.

6- لابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة 1/30 (يذكر حادثة كدّ الدار).