د. السيد زين العابدين المقدس الغريفي
الحوزة العلمية / النجف الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 203 – الصفحة (74)
لا يمكن لأحد أن يحصي فضائل الزهراء (عليها السلام) أو يستوعب مقاماتها؛ اذ أعجزت ألبابَ العلماء وأخرستْ السنَ البلغاء واذهلتْ بحكمتها الحكماء، فالباحث المنصف يجد إن الكمالَ البشري والحسنَ المطلق والصفاءَ الروحي وجمالَ الأخلاق قد تجسد فيها؛ فهي نورٌ يمشي على الأرض، كيف لا وقد اشتق اللهُ سبحانه نورَها من نورِ عظمته، بل هي حجة من حجج الله تعالى على خلقه ومحور الاتصال الرابط بين النبوة والامامة.
الزهراء في المجتمع الإسلامي:
كانت للزهراء (عليها السلام) أدوار مهمة في المجتمع الإسلامي في حياة أبيها (صلى الله عليه وآله) وبعد رحيله، على الصعد العقدية والتشريعية والسياسية والاجتماعية، فضلاً عن حفظ بيضة الإسلام بمواقفها السلمية الرسالية.
فعلى الصعيد الشخصي تحلت بأعلى مراتب مكارم الأخلاق من الصبر والزهد والقناعة والإيثار، وطبقت ذلك عملياً، سواء في علاقتها داخل الأسرة أم خارجها ومن أوضح مصاديقه الحادثة المشهورة عند المفسرين والمحدثين والمؤرخين لإيثارها وتصدقها بطعامها وطعام أولادها(1) حتى نزل فيها قوله تعالى:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[الإنسان/8ــ 9].
وعلى الصعيد العقدي والتشريعي، فإن الزهراء بمقتضى وصولها إلى الكمال الإنساني التام وتحليها بالعصمة المطلقة تعد مصدراً لبيان العقيدة الحقة والأحكام الإلهية وملاكاتها وعللها التامة، كما يظهر جلياً في الأخبار المنقولة عنها فضلاً عن خطبتها في المسجد.
وعلى الصعيد السياسي، فإنها مارست أجلى مصاديق المعارضة السلمية للأنظمة الجائرة، إذ حفظت المجتمع من الانحراف وبينّت واقع المنقلبين على الرسالة وألقت الحجة عليهم لتثبت أركان الإمامة الإلهية لأهل البيت (عليهم السلام) بعد النبي(صلى الله عليه وآله)، بلا فصل حيث قالت: (فجعل الله... طاعتنا نظاماً للملة وإمامتنا أماناً من الفرقة وحبنا عزاً للإسلام)(2)، لتمثل بذلك معياراً يفرق بين الحق والباطل.
أما على الصعيد الأسري فإنها تعد المثال الأعلى في الحفاظ على كيان الأسرة، عبر حفظ الحقوق وأداء الواجبات وتوزيع الأدوار، فعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: ((إنّ فاطمة (عليها السلام) ضمنت لعلي (عليه السلام) عمل البيت والعجين والخبز وقم(3) البيت، وضمن لها علي (عليه السلام) ما كان خلف الباب من نقل الحطب وأن يجيء بالطعام))(4).
فالشريعة وإن لم تلزم الزوجة بالعمل داخل بيت الزوجية إلا أنها (سلام الله عليها) تدرك عدم استقامة الحياة إلا بالتعاون والتكاتف في أداء المهام، وبذلك قدمت درساً عملياً للأمة في كيفية الارتقاء بواقع الأسرة والمحافظة على تماسكها وانسجامها.
وعلى الصعيد الاجتماعي فإن لها أقوالاً عدة ومواقف كثيرة، يمكن أن تشكل لنا منظومة إصلاحية، بحيث ترتقي بالمجتمع إلى الفضيلة والكمال، فمما روي في أحوالها: ((إن أعمى وهو ابن ام مكتوم استأذن على فاطمة (عليها السلام) فحجبته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لها: لم حجبته وهو لا يراك؟ فقالت(عليها السلام): إن لم يكن يراني فأنا أراه وهو يشم الريح، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): أشهد أنك بضعة مني))(5).
وورد أيضاً انها سئلت: ((أي شيء خير للمرأة؟، فقالت: ما من شيء خير للمرأة من أن لا ترى رجلاً ولا يراها))(6).
فالحجاب عند الزهراء (عليها السلام) ليس مجرد لباس تغطي به جسدها، وإلا لما حجبت الصحابي ابن ام مكتوم عنها وهو لا يبصر، بل هو منظومة أخلاقية متكاملة، تبدأ بصيانة النفس وتنتهي بصيانة الجسد فتشمل الملبس وطريقة الكلام وحركات البدن وأمثال ذلك، وهو مبدأ يرتقي بالمرأة إلى أعلى درجات العزة والكرامة؛ لكونها قد حفظت نفسها وحفظت المجتمع من الفساد والانحراف.
ليتضح بذلك أن حجاب المرأة أمر عقلائي، له غاياته وحكمه، مما جعل كثيراً من نساء الغرب غير راضيات بعيشتهن وسلوكهن، إذ تتمنى كثيرٌ من الكاتبات والمثقفات الغربيات أن تكون نساؤهم كالخادمات اللاتي يخدمن في دور المسلمين؛ لما لمسنه من الحشمة والعفاف والطهارة في التعامل مع المرأة، ليحفظ فيها عرض المرأة من أن يُمس بأي سوء أو أذى، في حين تُترك المرأة في بلاد الغرب معرضاً الرذيلة بكل اصنافها، بما يخالف الفطرة السليمة التي خلقت عليها.
ولا نستغرب من نظرة نساء الغرب إلى الآداب الإسلامية باعتبارها الحل الأمثل لانتشال المجتمع من التفسخ والضياع؛ ذلك لأن العقل والفطرة السليمة يدركان أن المحافظة على الحياة الأسرية ضرورة اجتماعية تسلك بالفرد والأسرة الى الخير والسعادة المطلقة، لاسيما بعد أن شاهدن وعرفن حقيقة الحجاب ومحاسنه، وما يوفره للمرأة المسلمة من امتيازات وحقوق.
من هنا ندرك الحكمة من تشريع الحجاب، فهو أوجد لحماية المرأة والحفاظ على كيانها وحقوقها، وهذا الأمر له نظير في حياة العقلاء، إذ تراهم لا يغطون إلا الشيء النفيس المهم، الذي له قيمة وأهمية تستدعي المحافظة عليه، فالحجاب هو ستر بدن المرأة عن رؤية الأجنبي حال حصول الاختلاط، وليس هو منع خروجها من الدار؛ إذ لا يوجد في النصوص ما يدعو إلى حبس المرأة، أو منعها من مزاولة أعمالها، وأخذ دورها في المجتمع.
وليس الاقتداء بالزهراء (عليها السلام) مختصاً بالمرأة، بل هي مثال يحتذي به الجميع، إذ لم يقتصر دورها الاجتماعي على تعليم النساء، بل كانت تمتلك شخصية قيادية لها أثرها الواضح في حياة المسلمين، حيث تستقبل الأسئلة من مختلف الشرائح عبر وسائط، فضلاً عن خطبها التي يستمع لها الجنسان على حد سواء، لذا روي أن رجلاً بعث امرأته إلى الزهراء (عليها السلام) وقال لها: ((اذهبي إلى فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاسأليها عني، أني من شيعتكم أم ليس من شيعتكم؟ فسألتها. فقالت: قولي له: إن كنت تعمل بما أمرناك، وتنتهي عما زجرناك عنه فأنت من شيعتنا، وإلا فلا))(7).
فالتشيع عندها (سلام الله عليها) ليس المحبة المجردة عن العمل، فلا تغني عنه النية الصادقة والقلب السليم؛ لأن الإيمان بالله سبحانه لا يتحقق بقول اللسان فحسب، أو اعتقاد القلب ما لم يقترن بعمل الجوارح؛ لوجود علاقة وطيدة بين الاعتقاد والعمل، فهو المظهر والمبين لحقيقة الإيمان ومدى رسوخه في القلب، ويظهر ذلك جلياً في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾[فاطر/10] فالاعتقاد هو الكلم الطيب والعمل بالفروع والواجبات هو الذي يرفعه فيقبله الله سبحانه، وقد ورد عن إمامنا الباقر(عليه السلام)أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((إن لكلِ قولٍ مصداقاً من عملٍ يُصدقه أو يُكذبه فإذا قال ابن آدم وصّدق قوله بعملهِ رُفع قوله بعملهِ إلى الله وإذا قال وخالف عمله قوله رُد قوله على عملهِ الخبيث وهوى به في النار))(8).
وفي ترك ما أمر الله تعالى به استعبادًا للهوى، فنكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية/23].
إذن يتضح مما ذكرناه أن الزهراء مدرسة، قد حوت بين طياتها دروسا عظيمة وعبرا جليلة، يجدر بكل انسان ان يقتدي بها، ويتأسى بسيرتها على الصعد كافة، فهي خير مثال للمرأة في كل شؤونها وأحوالها، كما هي قدوة للرجال في أقوالها وأفعالها.
---------------------------
1.الكوفي، تفسير فرات الكوفي: 527 تفسير سورة الدهر (الإنسان).
2.ابن طيفور، بلاغات النساء: 16.
3.قم البيت: يعني كنسه.
4.العياشي، محمد بن مسعود: تفسير العياشي: 1/171 ح41؛ المجلسي، بحار الأنوار: 14 / 197.
5.المجلسي، بحار الأنوار: 43 / 91.
6.المصدر نفسه: 43 / 84.
7.المصدر نفسه: 65 / 155.
8.تفسير القمي: 208.