100%
قُرَّة الأَعين

السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنموذج الكمال الإنساني في المشروع الحضاري الإلهي

الشيخ محمد محمد مهدي وحیدي

النجف الأشرف

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 207 – الصفحة (62)

 

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ...) [الأحزاب: 21]

إنّ العمل على وفق أنموذجٍ مُعَدٍّ سلفًا يُعدّ من أنجع الطرائق في الوصول إلى الأهداف بأيسر السُّبل وأقلّ التكاليف؛ إذ إنّ الأنموذج يمثّل منهجًا مُجرَّبًا قد تجاوز مرحلة التجربة والخطأ، ورسم للإنسان الطريق الأمثل.

 

في هذا الإطار، فإنّ النماذج في القضايا التجريبيّة تُستخلص من تجارب الآخرين، لكون هذا النمط من المعارف قائمًا على الحسّ والتجربة، أمّا المعارف الإلهيّة، فهي مغايرة لهذا اللون من العلوم مغايرةً جوهريّة؛ ذلك أنّ مصدرها ليس عالم الطبيعة، ولا طريق تحصيلها الحواسّ الظاهرة والتجربة، بل منشؤها ما وراء الطبيعة، وطريق نيلها هو الوحي والاتصال بعالم الملكوت، ومن ثمّ، فإنّ القادر على تقديم هذا النوع من النماذج إنّما هو من له ارتباط بعالم الملكوت، ويُعدّ في الواقع واسطةً بين عالم المُلك وعالم الملكوت.

تسعى هذه المقالة، على وفق المنهج التحليلي – الوصفي، إلى بيان الأنموذج الذي قدّمه الله تعالى للبشريّة، وهو أنموذجٌ طُرح بهدف تأسيس حضارةٍ إلهيّة شاملة في أرجاء المعمورة.

 

الأنموذج الذي قدّمه القرآن الكريم:

إنّ القرآن الكريم، وهو أكمل كتابٍ سماويٍّ لهداية الإنسان إلى يوم القيامة، لم يكتفِ ببيان الطريق، بل قدّم أنموذجًا عمليًّا في مسار الهداية، ليهتدي به السالكون إلى الحقّ، ويعرفوا سبيل الوصول إليه.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا الأنموذج بمصطلح (الأُسوة)، فقد عرّف نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام)، ورسول الله الأكرم محمّدًا (صلى الله عليه وآله)، بوصفهما أُسوةً حسنة.

قال الله تعالى في شأن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب: 21].

وفي شأن النبي إبراهيم (عليه السلام): (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ) [الممتحنة: 6]  

ويُستفاد من مجموع الآيتين أنّ الانتفاع الحقيقي بهذا الأنموذج إنّما يكون لمن كان طالبًا لله واليوم الآخر، وهو ما يدلّ على أنّ من ينشد طريق النجاة، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الأنموذج الأكمل في هذا المسار.

وقد أفاد العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) في تفسير هذه الآية من سورة الأحزاب: "الأسوة القدوة وهي الاقتداء والاتباع، وقوله: فِي ((رَسُولِ اَللّٰهِ)) أي: في مورد رسول الله والأسوة التي في مورده هي تأسيهم به واتباعهم له والتعبير بقوله: {لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ}الدال على الاستقرار والاستمرار في الماضي إشارة إلى كونه تكليفاً ثابتاً مستمراً، والمعنى: ومن حكم رسالة الرسول وإيمانكم به أن تتأسوا به في قوله وفعله، وأنتم ترون ما يقاسيه في جنب الله وحضوره في القتال وجهاده في الله حق جهاده"(1).

   من هنا يتّضح أنّ تقديم النبي (صلى الله عليه وآله) بوصفه أُسوةً إنّما يكشف عن توجّه الإسلام نحو بناء حضارةٍ إلهيّة قائمة على الوحي؛ إذ إنّ القرآن، من جهة، يقدّم رؤيةً كماليّةً للإنسان قوامها الإيمان بالله والسير في طريق الحقّ(2)، ومن جهةٍ أخرى، يقدّم أنموذجًا جامعًا يُجسّد هذه الرؤية عمليًّا.

   ولا ريب في أنّ الحضارة لا تتشكّل إلا بوجود أنموذجٍ شاملٍ، يغطّي مختلف أبعاد الحياة الإنسانيّة، الماديّة منها والمعنويّة، فهل يستطيع الإنسان ـ مع قصور علمه، وتأثّره بالأهواء والشهوات ـ أن يضع لنفسه برنامجًا حضاريًّا جامعًا يضمن له السعادة والكمال؟

لقد أثبتت التجربة التاريخيّة أنّ أدقّ النُّظم التي أُسّست على الفكر البشريّ المجرّد عن الوحي، لم تصمد طويلًا، ولم تخلُ من ألوان القصور والخلل، بل ما لبثت أن انهارت وحلّت محلّها نظمٌ فكريّة أخرى.

   من هنا، تتأكّد ضرورة تأسيس حضارةٍ إنسانيّةٍ شاملة على أساس التعاليم الوحيانية؛ لأنّ خالق الإنسان هو الأعلم بحقيقته، والأدرى بما يصلحه أو يُفسده، قال تعالى:(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ)[يونس: 35].

  وهذا هو عين ما تخشاه القوى المناهضة للمسار الحضاريّ الإلهي، إذ إنّ قيام مثل هذه الحضارة يؤذن بزوال الظلم، وانتهاء عهد استعباد البشر عبر استغلال جهلهم، غير أنّ تفصيل هذا المبحث يخرج عن نطاق هذه المقالة المختصرة.

 

السيّدة الزهراء (عليها السلام) أُسوة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه):

   وتتجلّى مسألة الاقتداء بالأنموذج الكامل بوضوح في الروايات الشريفة، إذ ورد عن بقيّة الله الأعظم (أرواحنا فداه) في توقيعٍ شريف قوله: ((...وَ فِي ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ  لِي‏ أُسْوَةٌ حَسَنَة...))(3).

وتكشف هذه العبارة، فضلًا عن دلالتها على عظمة هذه الشخصيّة الفريدة، عن دليلٍ واضح على عصمتها الكبرى؛ إذ لا يُتصوَّر أن يقتدي الإمام المعصوم بشخصٍ غير معصوم، بل لا بدّ أن يكون الأنموذج في أعلى مراتب الكمال.

من هنا، فإنّ الاقتداء بالسيّدة الزهراء (عليها السلام)، وهي أُسوة إمام العصر (عجل الله فرجه الشريف)، يُعدّ أقصر الطرق وأسرعها لبلوغ الكمال الإنساني، غير أنّ الاقتداء بشخصيّةٍ ما يتوقّف على معرفتها، والإحاطة بجوانبها المختلفة، وبما أنّ العقول قاصرة عن إدراك مقامها الحقيقي، فإنّ السبيل الوحيد لمعرفتها هو ما ورد في الكتاب والسنّة من آياتٍ ورواياتٍ تُبيّن فضائلها وسيرتها.

ومن أهمّ تلك الروايات ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في بيان أسمائها (عليها السلام) عند الله تعالى - إذ ذكر أنّ لها تسعة أسماء، وكلّ واحدٍ منها يكشف عن مقامٍ حقيقيٍ من مقاماتها الوجوديّة- وهذا نصه: ((حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَظِيمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ (عليه السلام)‏ لِفَاطِمَةَ (عليها السلام) تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَاطِمَةُ وَالصِّدِّيقَةُ وَالْمُبَارَكَةُ وَالطَّاهِرَةُ وَالزَّكِيَّةُ وَالرَّضِيَّةُ وَالْمَرْضِيَّةُ وَالْمُحَدَّثَةُ وَالزَّهْرَاءُ ثُمَّ قَالَ تَدْرِي لِأَيِّ شَيْ‏ءٍ سُمِّيَتْ فَاطِمَةَ (عليها السلام) قُلْتُ أَخْبِرْنِي يَا سَيِّدِي قَالَ فُطِمَتْ مِنَ الشَّرِّ قَالَ ثُمَّ قَالَ لَوْ لَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) تَزَوَّجَهَا لَمَا كَانَ لَهَا كُفْوٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ))(4).

 

نقاط بشأن هذه الرواية الشريفة:

أوّلًا: إنّ التعبير بـعند الله عزّ وجلّ يدلّ على أنّ هذه الأسماء كاشفة عن مقاماتٍ حقيقيّة، وأنّ حقائق هذه الأسماء كانت ملازمةً لها منذ بدء خلقها، كما في سورة البراءَة حینما قال: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ...)[التوبة: 36] ویعني بذلك: أنّ عدد الشهور لیس أمرًا اعتباریًا، بل هكذا خلقت الشهور.

ثانيًا: إنّ جعل اسم فاطمة محورًا لسائر الأسماء، من دون استعمال عنوانات أُخَر كـبنت رسول الله، يدلّ على أنّ الحقيقة الوجوديّة لهذه السيّدة هي فاطمة، وأنّ سائر الأسماء والمقامات متفرّعة عن هذا المقام، وقد فسّر الإمام (عليه السلام)  ذلك بقوله: ((فُطِمَتْ مِنَ الشَّرِّ))، أي: إنّها منقطعة عن كلّ شرّ، ما يعني أنّها خيرٌ محض، والخير المحض هو أعلى مراتب الكمال التي لا يُتصوَّر فوقها مرتبة؛ لأنّ كثيرًا من الموجودات قد تكون خيرًا من جهة وشرًّا من جهة أُخرى، أمّا أن يكون الوجود خيرًا مطلقًا لا شرّ فيه، فهو الكوثر الذي هو منشأ كلّ خيرٍ في الوجود، ومن هنا، كان اختيارها أنموذجًا للإمام بقيّة الله الأعظم (أرواحنا فداه).

    فضلا عن أنّ عصمتها من المسلّمات عند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد دلّت عليها نصوصٌ كثيرة، من أبرزها ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله): ((إنّ الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها))(5).

   إنّ هذا النصّ يكشف بوضوح عن أنّ رضاها عين رضا الله، وغضبها عين غضبه، لا على نحو الحلول، بل على نحو التجلّي، كما بيّنته الروايات الواردة في تفسير صفات الفعل الإلهي.

فهل يُعقل أن يعلّق الله تعالى رضاه وسخطه مطلقًا على رضا  أحدٍ من مخلوقاته وسخطه، لو لم يكن منزّهًا عن الخطأ؟! إذ لولا العصمة، لاحتمل أن يغضب بلا حقّ، أو يرضى لهوى، فهل يُنسب ذلك إلى الله تعالى؟! إنّ تعليق رضا الله وسخطه على رضاها وسخطها دليلٌ واضح على أنّها لا تُخطئ في رضاها ولا في غضبها، بل یمكن أن ندعي أعلى من ذلك، والقول بأنّ رضاها هو عين رضا الله، وغضبها هو عين غضبه، بمعنى: أنّ صفات الفعل الإلهي تتجلّى فيها؛ إذ إنّ ذات الله تعالى لا تكون محلًّا للحلول، بل تتجلّى صفاته في أوليائه.

وقد روي في هذا المعنى عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى:(فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا)[الزخرف:55]، إذ بيّن (عليه السلام) أنّ أسف الله تعالى ليس كأسف المخلوقين، إذ إنّ التغيّر والانفعال ممتنعان في حقّه سبحانه، بل المراد أنّ الله عزّ وجلّ خلق أولياءَ لنفسه، فجعل سخطهم سخطه، ورضاهم رضاه.

   ثمّ استشهد (عليه السلام) بآياتٍ أُخَر من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه)[النساء 80]، وكذلك قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ)[الفتح 10].

وبيّن (عليه السلام)أنّ جميع هذه الموارد من بابٍ واحد، لا على نحو التشبيه والتمثيل، بل على نحو الحقيقة؛ إذ قال تعالى: (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه)، ولم يقل: «كمن يبايعون الله»، وكذلك الأمر في السخط والرضا.

   ثمّ أوضح الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه لو جاز تغيّر الحالات والانفعالات في حقّ الله تعالى، للزم القول بكونه حادثًا قابلًا للفناء؛لأنّ هذه الصفات من خصائص الممكنات لا من شؤون واجب الوجود، والحال أنّ الله تعالى منزّه عن ذلك كلّه.

واليك نص الرواية: (( وبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَ‏: {فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا} قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَا يَأْسَفُ كَأَسَفِنَا ولَكِنَّهُ خَلَقَ أَوْلِيَاءَ لِنَفْسِهِ يَأْسَفُونَ ويَرْضَوْنَ وهُمْ مَخْلُوقُونَ‏ مُدَبَّرُونَ فَجَعَلَ رِضَاهُمْ لِنَفْسِهِ رِضًى وسَخَطَهُمْ لِنَفْسِهِ سَخَطًا وذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمُ الدُّعَاةَ إِلَيْهِ والْأَدِلَّاءَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ صَارُوا كَذَلِكَ ولَيْسَ أَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ كَمَا يَصِلُ إِلَى خَلْقِهِ ولَكِنْ هَذَا مَعْنَى مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ وقَدْ قَالَ أَيْضًا مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ودَعَانِي إِلَيْهَا وقَالَ أَيْضًا: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏}وقَالَ أَيْضًا: {إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ‏} وكُلُّ هَذَا وشِبْهُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ وهَكَذَا الرِّضَا والْغَضَبُ وغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا يُشَاكِلُ ذَلِكَ ولَوْ كَانَ يَصِلُ إِلَى الْمُكَوِّنِ الْأَسَفُ والضَّجَرُ وهُوَ الَّذِي أَحْدَثَهُمَا وأَنْشَأَهُمَا لَجَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْمُكَوِّنَ يَبِيدُ يَوْمًا مَا لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَهُ الضَّجَرُ والْغَضَبُ دَخَلَهُ التَّغْيِيرُ وإِذَا دَخَلَهُ التَّغْيِيرُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ الْإِبَادَةُ ولَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يُعْرَفِ الْمُكَوِّنُ مِنَ الْمُكَوَّنِ ولَا الْقَادِرُ مِنَ الْمَقْدُورِ ولَا الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ عُلُوًّا كَبِيرًا هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ لَا لِحَاجَةٍ فَإِذَا كَانَ لَا لِحَاجَةٍ اسْتَحَالَ الْحَدُّ والْكَيْفُ فِيهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏))(6).

ومثل ذلك، الروايات التي تصف زيارة قبور الأئمّة (عليهم السلام) بأنّها زيارة الله، ومنها زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم المبعث، إذ يُقرأ ((...اللّٰهُمَّ وإِنِّي عَبْدُكَ وَزائِرُكَ مُتَقَرِّبًا إِلَيْكَ بِزِيارَةِ أَخِي رَسُولِكَ وَعَلَىٰ كُلِّ مَأْتِيٍّ وَمَزُورٍ حَقٌّ لِمَنْ أَتاهُ وَزارَهُ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَأْتِيٍّ، وَأَكْرَمُ مَزُورٍ...))(7).

   من مجموع ما تقدّم، يتّضح أنّ السيّدة الصدّيقة الكبرى (عليها السلام) تمثّل «عصمة الله العظمى»، وأنّها الأنموذج الأكمل، الذي يُمكن للإنسان أن يهتدي به في طريق الإنسانيّة الحقّة.

 

 

------------------------

1) محمد حسین الطباطبائي، المیزان في تفسیر القرآن: 16/ 288.

2) آيةُ 56 من سورة الذاريات: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) تُعَدّ من أصرح الآيات في بيان هدف خلق الإنسان والرؤية المثالية للقرآن، وتُبيّن هذه الآية بوضوح أنّ الغاية من خلق الجنّ والإنس هي عبادةُ الله تعالى، غير أنّ مفهوم «العبادة» هنا أوسع من الأعمال الظاهرية كالصلاة والصيام، وقد فسّر المفسّرون هذه الآية بأنّ العبادة تعني معرفةَ الله، والتعبّدَ له، والسيرَ في طريق الكمال الإلهي، فالعبادة في القرآن تُعرَّف على أنّها سبيلٌ للوصول إلى أسمى مراتب الإنسانية والقرب الإلهي، وهذه الرؤية المثالية للقرآن تُظهر أنّ الهدف من الإيمان هو تربيةُ إنسانٍ يعرف الله، ويتقرّب إليه، ويصل في النهاية إلى الكمال.

3) الطوسي، الغيبة. 286.

4) الصدوق، الأمالي: 592.

5) المتقي الهندي، كنز العمّال: 13/ 674.

6) الصدوق، التوحيد: 168.

7) عباس القمي، مفاتیح الجنان، زیارة أمیرالمؤمنین (عليه السلام) في لیلة المبعث ویومه.