100%
قاف

تجلّي اقتداء الإمام الحسين (عليه السلام) بسيرة النبي ووصيه (عليهما السلام) في ضوء النص القرآني

أسرة المجلة

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 204 – الصفحة (9)

 

 

أراد الإمام الحسين(عليه السلام) أن يوثّق للأجيال، ممن يأتي من بعده، نصًّا يعبِّر عن طبيعة مشروعه المبارك؛ ليكون بمفرداته شاهدًا على جميع من وصل له من أنه مبنيٌ على أُسس قرآنية واضحة لكل مَن امتلك أدوات فهم النص القرآني، بما لا يقبل التأويل وتعدد الاحتمالات، فتكون الحجة بالغة في كيفية تعاطي الأُمة مع مشروعه المقدس.

 

عمد الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كتابة وصية، سلّمها إلى أخيه محمد بن الحنفية (رضي الله عنه)، ولم تكن رسالة مرسلة يدخل فيها عنصرا الزمان والمكان أو الواسطة، ولم تُوصِ بإرث أو حقوق، كما أنها ليست شخصية وإنْ كان عنوانها العام كذلك، وإنما ذكر فيها هدفه من خروجه، وحدد موقفا من استجابة الأُمة أو عدمها، وفيها شدٌّ من عزم مريدي الإصلاح للمضي قُدمًا في مشروعهم الإلهي، حتى في حال عدم استجابة الأُمة، فالنتائج سوف تتحقق ولو بعد حين كما حصل مع كربلاء.

وبما أن الإمام الحسين (عليه السلام) يسعى لإقامة العدل والصلاح، فلابد من أن يكون له منهجٌ رباني يتبعه؛ ليستمد الشرعية لذلك المنهج في إدارة شؤون الأمة، وهو ما صرّح به في ضرورة السير على سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) المعصوم العامل بالقرآن الكريم، وبما يوحي الله تعالى له، وبسيرة باب علم رسول الله أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فيقول (عليه السلام) في وصيته: ((وأسير بسيرة جدي وأبي))(1).

والتصريح بالسير على سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) إحياءً لسنته والحفاظ على ما تبقى منها وسلم من يد التحريف، وهي من أُسس القرآن الكريم الرئيسة، إذ لولاها ما فُهمت آيات القرآن؛ لأن النبي (صلى الله عليه وآله)بوظيفته التبيينية لما أُجمل يُخلِّص الناس من اتباع أهوائهم في فهم مرادات الله تعالى، إذ يقول سبحانه: (وَأَنزَلنَآ إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44].

فيأتي تصريح الإمام(عليه السلام) بضرورة التمسّك بسيرة النبي (صلى الله عليه وآله) امتثالًا لقوله تعالى:(وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنهُ فَنتَهُوا وَاتَّقُواْ للَّهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ)[الحشر: 7]، وتحقيق الأسوة بالنبي في قوله سبحانه: (لَّقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَة لِّمَن كَانَ يَرجُواْ اللهَ وليَومَ الأٓخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرَ) [الأحزاب: 21]، وانّ إقامة فرض طاعة الرسول والامتثال لأوامره أساس قرآني جاء في آيات كثيرة، قال تعالى: (وَمَآ أَرسَلنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذنِ اللهَِ)[النساء: 64]. 

فتلك السُّنة التي أُريد لها الانطماس والمحو بشكلٍ مباشر من طرق وأساليب متعددة، بدايةً بمنع تدوين الحديث وعدم ذكر الأحاديث، بذريعة خوف اختلاطها بالقرآن الكريم، أو بشكلٍ غير مباشر من طريق المخالفة الفعلية لما أمر به النبي (صلى الله عليه وآله)، أو ما كان يقوم به في واقع الأُمة المسلمة، أو بلوغ الذروة في التعدي على أقوال الرسول والإقدام على تحريفها عمدًا، في محاولةٍ لتغييب مكانة أهل البيت (عليهم السلام) ورفع مكانة أعدائهم زورًا وبهتانًا، وإحياءً لٍلبدعة في قولهم: (حرمة الخروج على الحاكم وإنْ كان كافرًا)، وما إلى ذلك من انحرافات.

وتأكيدًا لضرورة إقامة الإمامة الإلهية في الأرض كونها فرع النبوة، وامتدادًا لولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) المثبَتة في القرآن الكريم، بعدد ليس قليل من الآيات منها قوله تعالى:(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوٰةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَوٰةَ وَهُم رَٰكِعُونَ) [المائدة: 55]، فيؤكد الإمام(عليه السلام) وجوب اقتفاء أثر أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسير على سيرته.

ومَنْ لا يعرف علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وموقفه من العمل بالكتاب والسنة النبوية، ورفضه لأي مصدر آخر غيرهما، ولا يبتغي بعد منهجهما منهجًا، وخير شاهدٍ على ذلك أقواله الكثيرة، منها قوله (عليه السلام): ((أنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه؛ فإنّ السنّة قد أُميتت، وإنّ البدعة قد أُحييت))(2).

ومما تجدر الإشارة إليه أنّ الوصية كما أنها وردت في المصادر الخاصة، فقد وردت في المصادر العامة أيضا، ومن هذه المصادر كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي (ت:314هـ) وهو أقدم مصدر بين الفريقين، فيأتي على ذكر نصّ الوصية مع زيادة عبارةٍ فيها، يبدو أنها دخيلة على النصّ الأصل؛ كونها لا تنسجم مع الروح الحسينية والقرآنية معًا، فبعد ذكر عبارة: ((أسير بسيرة جدّي محمد وسيرة أبي علي بن أبي طالب)) يأتي النص الدخيل فيُضيف عبارة: (وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم)(3).

ففي هذه العبارة نظر كثير من جهة أنّ مصطلح (الراشدين) كان تداوله متأخرًا زمانًا عن وقت صدور وصية الإمام الحسين (عليه السلام)، فلم يكن بذلك الشيوع حتى يستعمله الإمام(عليه السلام)، ومن جهة أخرى أن مصطلح (الراشدين) إذا قصد به الذين أتوا إلى الحكم بعد رسول الله على التتابع ومن ضمنهم الإمام علي، فلا يصح أن يعطف الراشدين على اسم الإمام(4).

فضلا عن عدم تصور المقارنة أو التكافؤ من قِبل الإمام الحسين (عليه السلام) بين النبي وأمير المؤمنين من جهة والخلفاء الذين جاؤوا من بعد النبي وسبقوا أمير المؤمنين من جهة أخرى؛ فلا يقاس المعصوم بسائر الناس ، هذا ثابت لدى الجميع، كذلك غير وارد ترضي الإمام على مَن سبق أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم، والأمر الآخر أنّ مثل هذا الكلام لا أساس له من القرآن الكريم.

والمحصلة أنّ  كل هذا يدلنا على أن السياق أُدخل في كلام الإمام الحسين، وهو من الموضوعات التي أضيفت إلى هذه الوصية المباركة؛ لإضفاء شرعية لمن ليس بمتشرع، ومن ثم مساواته بمن هو حجة في أقواله وأفعاله وتقريراته؛ ليكون الاقتداء واحدًا بينهم، أو على الأقل تحصيل الرضا بأفعال الخلفاء ممن سبق أمير المؤمنين (عليه السلام).

في حين تتلخص سيرة الخلفاء في مجيئهم إلى الحكم استنادًا إلى بيعة بعض المسلمين إياهم كيف ما كانت البيعة، ثم حكمهم المسلمين على وفق اجتهاداتهم الخاصة في الأحكام الإسلامية، بينما تتلخص سيرة جده المصطفى وأبيه المرتضى في حملهما الإسلام إلى الناس ودعوتهما الناس إلى العمل به، ووقوفهما عند أحكام الإسلام، كانت هذه سيرتهما في جميع الأحوال، سواء أكانا حاكمين مثل عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) في المدينة، والإمام علي (عليه السلام) بعد مقتل عثمان، أم غير حاكمين مثل حالهما قبل ذلك، فقد كان للرسول سيرة في مكة وللإمام علي سيرة قبل أن يلي الحكم، وسيرتهما في كلتا الحالين حُمل الإسلام إلى الأمة، أحدهما بلّغه عن الله بوحيٍ مباشر، والآخر بلّغه بوساطة الرسول، ففي كلتا الحالين دعوا إلى الاسلام وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، والإمام الحسين (عليه السلام) يريد أن يسير بسيرتهما كذلك، ولا يريد أن يسير بسيرة الخلفاء(5).

ومضمون كلام الإمام الحسين (عليه السلام) ينسجم مع أهم أُسس القرآن الكريم السامية، الداعية إلى عدم الخروج عما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، فبالقرآن الكريم والسُّنة المطهرة تُقاس المشاريع الدينية، وعلى رأسها مشروع الاصلاح وقيادة الأُمة وفقهما، ولا اجتهاد مقابل ما ينص عليه القرآن الكريم، أو ما أتت به السُنة المطهّرة القطعية.

فلا يخفى أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) صنو القرآن الكريم، وهو أحد أفراد الثقلين الملازمين للقرآن الكريم حتى يوم القيامة، كما أخبر به الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله)، وما أثبته له القرآن الكريم من فهمه حق الفهم؛ كونه أحد المطهرين الذين منحهم الله تعالى حق مس مكنونات كتابه، وأنه أحد الراسخين في العلم الذين أكرمهم سبحانه بحق تأويل الآيات، من دون غيرهم من العالمين، فلا غرو أن تكون حركات الإمام الحسين (عليه السلام) وسكناته جميعها وفقًا لما نصّ عليه كتاب الله عز وجل.

---------------------

(1)ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح (ت: 314هـ): 5/21.

(2)ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: 8/170.

(3)ابن أعثم الكوفي، الفتوح: 5/21.

(4)ظ: العسكري، معالم المدرستين: 3/50.

(5)ظ: م، ن: 3/303.