المحامي
محمد رضا الحسيني
النجف
الأشرف
المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (105)
اختلفت الأقلام، وتنازعت
الكلمات والأحلام في سبب تسمية خيبر، فمنهم من رآها نسبةً إلى جبارٍ من القدماء،
وهو: خيبر بن قانية بن مهلائيل بن إرم بن عبيلٍ، وعبيل أخو عاد بن عوض بن إرم بن
سام بن نوحٍ(عليه السلام) وهو عم الربذة وزرود والشقرة بنات يثرب وكان أول من نزل
هذا الموضع(1)، ومنهم من ربط اسمها بالأرض الخيرة ذات الثمر والمنافع
والبركات، وفريقٌ قال: بل هي كلمةٌ يهوديةٌ تعني الحصن والقلعة، فكثر فيها القيل
والقال، وبقيت خيبر ذكرى للنضال، ورمزًا للنصرة والمثال. وتشير آثار المؤرخين،
ويهتف التاريخ في العارفين، أن غزوة خيبر جاءت لقطع دابر الخونة والمتآمرين، إذ
كان يهود خيبر مفتاح الفتنة، ورأس المكيدة، يثيرون قريظة للغدر، ويغرون العرب على
الكيد والحرب، ويستعرضون جنودهم بلا وقفةٍ ولا تعب، وقد أمن رسول الله جانب قريشٍ
بهدنة الحديبية، فعزم على قطع خيط الخيانة، وإسكات صوت الفتنة، فخرج إليهم، وهم
يصيحون:(محمدٌ يغزونا؟! هيهات! هيهات!).
وتبرز فضائل عليٍ أمير المؤمنين(عليه السلام)،
في ملحمة خيبر الخالدة، وهو قاهر الأبواب، وحامل الرايات، ومطفئ نيران الفتن
والآفات، صراط الله المستقيم، ووجهه الكريم، فقد جمعت روايات صحيحةً، ووثقت أخبار
صريحةً في ذلك، وتضمنت الوقائع في خيبر أحاديث النبي(صلى الله عليه وآله) بشان
الإمام علي(عليه السلام) وتبيان كرامته ومكانته عند الله تعالى ورسوله الكريم، فقد
روي من أنه(صلى الله عليه وآله) قد قال لعلي(عليه السلام):((خذ الراية، وامض بها
فجبريل معك، والنصـر أمامك، والرعب مبثوثٌ في قلوب القوم..واعلم يا علي أنهم يجدون
في كتابهم أن الذي يدمر عليهم اسمه(إيليًا)، فإذا لقيتهم فقل أنا علي؛ فإنهم
يخذلون إن شاء الله))(2) وقول النبي(صلى الله عليه وآله) لأصحابه قبل
إعطاء الراية:((لا تتمنوا لقاء العدو))، وقول علي(عليه السلام):(اللهم لا معطي لما
منعت، ولا مانع لما أعطيت)،عند استلام الراية. وهنا إشارةٌ لطيفةٌ، تبين منهج
الرسول(صلى الله عليه وآله) بأن لقاء العدو بالقتال وسفك الدماء، ليس هو الهدف من
هذه الواقعة، بل إقناع العدو بالعدول عن عداوته للمسلمين، وبذل النصيحة له، وتأمين
جانبه، وذلك هو نهج الرسالة المحمدية، بترجيح السلم بدل الحرب، وتقديم السلام على
القتال، لذا قال الإمام علي÷ للنبي(صلى الله عليه وآله): يا رسول الله; علام
أقاتلهم؟ فقال(صلى الله عليه وآله):(على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول
الله فإذا فعلوا ذلك حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز
وجل)(3).
وقد قال
عليٌ(عليه السلام): مخاطبًا يهودياً سأله عن علامات الأوصياء:((إنا وردنا مع رسول
الله(صلى الله عليه وآله) مدينة أصحابك خيبر، على رجالٍ من اليهود وفرسانها، من
قريشٍ وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال، من الخيل، والرجال، والسلاح، وهم في أمنع
دارٍ، وأكثر عددٍ، كل ينادي، ويدعو، ويبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي
أحد إلا قتلوه، حتى إذا احمرت الحدق، ودعيت إلى النزال، وأهمت كل امرئٍ نفسه،
والتفت بعض أصحابي إلى بعضٍ، وكلٌ يقول: يا أبا الحسن، انهض. فأنهضني رسـول الله(صلى
الله عليه وآله) إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحدٌ إلا قتلته، ولا يثبت لي فارسٌ
إلا طحنته، ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم، مسددًا
عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي، حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها
من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها، حتى افتتحتها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلا
الله وحده))(4).
شعار
الجيش(سر الليل):
وكانت
كلمة السر في غزوة خيبر، يوم القموص: (يا علي ائتهم من عل)، جعلوا هذه الكلمة
علامةً بينهم، يتعارفون بها في ظلمة الليل، (سر الليل)، كما يصنعون في سائر
الحروب. فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شعارنا: (يا محمد يا محمد)،
وشعارنا يوم بدرٍ: (يا نصر الله اقترب اقترب)، وشعار المسلمين يوم أحدٍ: (يا نصر
الله اقترب)، ويوم بني النضير: (يا روح القدس أرح)، ويوم بني قينقاع: (يا ربنا لا
يغلبنك)، ويوم الطائف: (يا رضوان)، وشعار يوم حنينٍ: (يا بني عبد الله يا بني عبد
الله)، ويوم الأحزاب: (حم لا ينصرون)، ويوم بني قريظة: (يا سلام أسلمهم)، ويوم
المريسيع، وهو يوم بني المصطلق: (ألا إلى الله الأمر)، ويوم الحديبية: (ألا لعنة
الله على الظالمين)، ويوم خيبر، يوم القموص: (يا علي ائتهم من عل)، ويوم الفتح:
(نحن عباد الله حقًا حقًا)، ويوم تبوك: (يا أحد يا صمد)، ويوم بني الملوح: (أمت
أمت)، ويوم صفين: (يا نصر الله)، وشعار الحسين (عليه السلام): (يا محمد)، وشعارنا:
(يا محمد))(5).
وجاء في
روايات التاريخ والسير: أنه أخذ اللواء أبو بكرٍ، فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذ من
الغد عمر، فخرج فرجع ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذٍ شدةٌ وجهدٌ. وفي ليلة اليوم
العاشر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: (لأعطين الراية غدًا رجلًا
يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له). قال عمر بن الخطاب: ما
أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، فبات الناس يدوكون
ليلتهم: أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس، غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)
كلهم يرجو أن يعطاها.
فقال
(صلى الله عليه وآله): (أين علي بن أبي طالبٍ؟)، فقيل: هو يا رسول الله، يشتكي
عينيه. فأرسلوا إليه، فجاء به محمد بن مسلمة يقوده، وبه رمدٌ. فبصق رسول الله (صلى
الله عليه وآله) في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الراية.
فقال عليٌ (عليه السلام): يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال رسول
الله(صلى الله عليه وآله): (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام،
وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير
لك من أن يكون لك حمر النعم).
فسارع
عليٌ(عليه السلام) وتخفف من درعه الحربي الثقيل، وبادر بما أمره النبي(صلى الله
عليه وآله) فدعاهم إلى الإسلام، ولكنهم رفضوا، وغرتهم كثرتهم وحصونهم. وبعثوا إليه
بـ (الحارث) أحد شجعانهم فصرعه عليٌ(عليه السلام)، وخرج إليه آخر فصرعه أيضًا.
فتحداهم عليٌ(عليه السلام) أن يبعثوا إليه أشجع شجعانهم، فخرج إليه بطلهم المغوار
الذي يدعى(مرحب)، يخطر بسيفه، والحديد يغطي رأسه وساقيه، مدججٌ بالدروع والسلاح،
وليس في بدنه ثغرةٌ ينفذ منها سيفٌ أو رمحٌ.
فقال مرتجزًا:
قد علمت خيـبر أني مرحبٌ
شاكـي السـلاح بطلٌ مجرب
إذ الحـروب أقبـلت
تلـهب.
فأجابه علي بن أبي
طالبٍ(عليه السلام):
أنا الذي سمتـني أمي
حيدرةً
كليث غابـــاتٍ كريه
المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة.
فبادره(عليه السلام) ففلق رأسه بالسيف، فأرداه
قتيلًا، وكان الفتح على يديه. وفي ذلك ما ورد عنه(عليه السلام) أنه قال: ((لما
عالجت باب خيبر، جعلته مجنى لي، فقاتلتهم به، فلما أخزاهم الله، وضعت الباب على
حصنهم طريقًا، ثم رميت به في خندقهم)). وروي عن علي(عليه السلام)بألفاظٍ مختلفةٍ
أنه قال:(إني ما قلعت باب خيبر بقوةٍ جسمانيةٍ، ولكن بقوةٍ إلهيةٍ). وقال الإمام
الباقر (عليه السلام): ((إن عليًا (عليه السلام) حمل الباب يوم خيبر حتى صعد
المسلمون عليه، فاقتحموها ففتحوها، وإنه حرك بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلًا)).
عليٌ (عليه السلام) يفتح
حصن ناعمٍ:
وحصن ناعمٍ كان أول مجموعةٍ من حصون النطاة حمل
عليه المسلمون، ثم تم فتحه على يد علي بن أبي طالبٍ(عليه السلام).
قال الحلبي: وفتح الله
ذلك الحصن الذي هو حصن ناعمٍ، وهو أول حصنٍ فتح من حصون النطاة على يد علي(عليه
السلام)(6).
حصني
الصعب والزبير:
إن حصار
النطاة كان قد طال عشرة أيامٍ يقاتل فيها المسلمون حتى اشتد بهم الجوع، فشكت بنو
أسلم ذلك إلى النبي، فدعا لهم بفتح أكبر الحصون، وأغناها، وأوفرها طعامًا، ثم فتح
الحصن من يومه أو في اليوم الثالث بعد يومين من القتال، وصاحب الراية سعد بن عبادة
والحباب بن المنذر؛ وقد خلفت اليهود في هذا الحصن من الطعام ما كان يكفيهم شهرًا
ومن آلات الحرب التي كانوا قد غيبوها؛ منجنيقٍ مفككةٍ ودبابتان(آلةٌ تتخذ في
الحصار كانوا يدخلون فيها، ثم تدفع في واجهة الحصن لينقب إلى داخله) وغير ذلك(7).
فتح خيبر
واستعمال المنجنيق:
كان عمر
بن الخطاب يطوف بأصحابه حول العسكر، فأتي برجلٍ من اليهود في جوف الليل، فأمر عمر
أن يضرب عنقه، فقال اليهودي: "اذهب بي إلى نبيكم حتى أكلمه". فأمسكه عمر
وأخرجه إلى باب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فوجده يصلي، فسمع رسول الله(صلى
الله عليه وآله) كلام عمر، فسلم وأدخله عليه. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله):
"ما وراءك ومن أنت؟" فقال اليهودي: "خرجت من حصن النطاة عند قومٍ
ليس لهم نظامٌ، تركتهم يتسللون من الحصن هذه الليلة". فقال رسول الله(صلى
الله عليه وآله): "فأين يذهبون؟" قال: "إلى أذل مما كانوا فيه، إلى
الشق، وقد رعبوا منك حتى إن أفئدتهم لتخفق، وهذا حصن اليهود فيه السلاح والطعام
والودك، وفيه آلة حصونهم التي كانوا يقاتلون بها بعضهم بعضًا، قد غيبوا ذلك في
بيتٍ من حصونهم تحت الأرض". قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "وما
هو؟" قال: "منجنيقٌ مفككةٌ وسلاحٌ وسيوفٌ وبعض آلةٍ للحرب، فإذا دخلت
الحصن غدًا وأنت تدخله..." قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "إن شاء
الله". قال اليهودي: "إن شاء الله أوقفك عليه، فإنه لا يعرفه أحدٌ من
اليهود غيري، وأخرى!!" قال: "ما هي؟" قال: "تستخرجه، ثم تنصب
المنجنيق على حصن الشق وتدخل الرجال تحت الدبابتين فيحفرون الحصن فتفتحه من يومك،
وكذلك تفعل بحصن الكتيبة". فقال عمر: "يا رسول الله، إني أحسبه قد
صدق". قال اليهودي: "يا أبا القاسم، احقن دمي". قال: "أنت
آمنٌ". قال: "ولي زوجةٌ في حصن النزار فهبها لي". قال(صلى الله
عليه وآله): "هي لك". ودعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) للإسلام
فقال: "أنظرني أيامًا"، فلما أصبح رسول الله(صلى الله عليه وآله) غادى
بالمسلمين إلى النطاة، ففتح الله الحصن واستخرج ما كان قال اليهودي فيه. فأمر النبي(صلى
الله عليه وآله)بالمنجنيق أن تصلح وتنصب على حصن النزار، فلما استعصى على قوات
المسلمين، قذفوه بقذائف المنجنيق فأوقعوا الخلل في جدران الحصن واقتحموه. وتكرر
الأمر مع حصون الكتيبة، غير أنه لما همّ النبي(صلى الله عليه وآله)بنصب المنجنيق
عليهم، أيقنوا بالهلكة فسألوه الصلح. وكانت اليهود قد لاذوا بعد ذلك إلى حصنٍ يقال
له قلعة الزبير، وهو حصنٌ على رأس قلعةٍ عليةٍ لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال،
تاركين وراءهم حصني الصعب وناعمٍ. قد طال حصاره كذلك ثلاثة أيامٍ، فتح الحصن بعد
قتالٍ عنيفٍ، وعثر على معلوماتٍ بشأن الحصن. وكان آخر ما في النطاة من الحصون(8).
فلما
فرغ(عليه السلام) من فتح خيبر قال(عليه السلام):(والله ما قلعت باب خيبرٍ وقذفت به
ورائي أربعين ذراعًا، لم تحس أعضائي بقوةٍ جسديةٍ وحركة غريزيةٍ بشريةٍ، ولكني
أيدت بقوةٍ ملكوتيةٍ، ونفسٍ بنور ربها مضيئةٍ، وأنا من أحمد(صلى الله عليه
وآله)كالضوء من الضوء، لو تظاهرت العرب على قتالي لم ألتفت، ولو أردت أن أنتهز
فرصةً من رقابها لم تبق، ومن لم يبال متى حتفه عليه ساقطٌ كان جنانه في الملمات
رابط)(9).
وقال
الإمام الباقر(عليه السلام):(انتهى عليٌ(عليه السلام) إلى باب الحصن، وقد أغلق في
وجهه، فاجتذبه اجتذابًا وتترس به، ثم حمله على ظهره، واقتحم الحصن اقتحامًا،
واقتحم المسلمون الباب على ظهره، فوالله ما لقي عليٌ من الناس تحت الباب أشد مما
لقي من الباب، ثم رمى بالباب رميًا)(10).
--------------------
1.ابن
الفقيه، تحفة المدنيين: 1/ 52.
2.العلامة
المجلسي، بحار الأنوار:٢١ / ١٥.
3.البيهقي،
السنن الكبرى:5/ 111، الحديث 8406.
4.الشيخ
المفيد، الاختصاص:168.
5.العلامة
المجلسي، بحار الأنوار:19/163.
6.الحلبي،
السيرة الحلبية: 3/ 39.
7.الواقدي،
المغازي:2/ 659.
8.المصدر
نفسه: 2/ 667.
9.الشيخ
بن عبد الوهاب، عيون المعجزات: إصدار 17. دلائل الإمام علي (عليه السلام).
10.السيد
هاشم البحراني، مدينة المعاجز: ١ / ١٧٦.