هيئة التحرير
المصدر: مجلة الولاية – العدد 201 – الصفحة (22)
تُعدّ حادثة هدم قبور أئمة البقيع (عليهم السلام) من أخطر الوقائع التي شهدها التاريخ الإسلامي الحديث، لما تحمله من أبعاد دينية وحديثية وسياسية متشابكة. فقد جرى تبرير هذا الفعل بالاستناد إلى نصوص حديثية مخصوصة، قُدّمت على أنّها تعبّر عن الموقف الشرعي النهائي من القبور والبناء عليها، في حين يرى منهج مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ هذه القراءة تعاني من إشكاليات علمية عميقة، سواء على مستوى فهم النص الحديثي أم على مستوى إسقاطه على الواقع التاريخي. ومن هنا لا بد من تسليط الضوء على الفارق الجوهري بين النص الحديثي في سياقه العلمي والممارسة السياسية في توظيفه.
أولًا: القبور في النص الحديثي على وفق مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)
تنطلق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في تعاملها مع النصوص الحديثية من مبدأ الجمع بين الروايات، وردّ المتشابه إلى المحكم، وعدم عزل الحديث عن سياقيه الزماني والدلالي. وبالنظر إلى الروايات الواردة في شأن القبور، نلحظ وجود اتجاهين ظاهريين:
الأول: روايات النهي، كالنهي عن اتخاذ القبور مساجد أو السجود لها، وهي روايات فسّرتها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّها ناظرة إلى منع العبادة للقبور، أو ممارسات الغلو والانحراف العقدي، لا إلى أصل البناء أو الزيارة.
الآخر: روايات الإذن والحث، وهي كثيرة ومتظافرة، منها ما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) في زيارته لقبور البقيع ودعائه لأهلها، ومنها ما ورد عن الأئمة (عليهم السلام) في استحباب زيارة القبور، ولا سيما قبور الأنبياء والأئمة والصالحين.
وبناءً على ذلك، ترى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ أصل تعظيم القبور وزيارتها مشروع، ما لم يُقترن باعتقادٍ باطل أو فعلٍ شركي، وهو ما لا ملازمة بينه وبين مجرد البناء أو التشييد.
ثانيًا: خصوصية قبور أئمة البقيع في الوعي الحديثي
تتميّز قبور أئمة البقيع ـ وهم أئمة معصومون بنصوص معتبرة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ـ بمكانة عقدية وروحية خاصّة، فالروايات الدالة على وجوب مودّتهم وتعظيمهم، مثل حديث الثقلين وغيره، تفرض حضورًا رمزيًا دائمًا لهم في وجدان الأمة، ومن هذا المنطلق، يُعدّ الحفاظ على قبورهم مظهرًا من مظاهر الوفاء للنص النبوي، لا خروجًا عليه. بل أنّ إهمال هذه الخصوصية، أو التعامل معها بوصفها قبورًا اعتيادية، يُعدّ ـ في منطق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ـ تفريغًا للنصوص الداعية إلى تعظيمهم من مضمونها العملي.
ثالثًا: من النص إلى الممارسة السياسية
إنّ المتأمل في واقعة هدم قبور أئمة البقيع يلحظ أنّها لم تصدر عن اجتهاد فقهي جامع، ولا عن تحقيق حديثي شامل، بل جاءت في سياق سياسي وفكري محدّد، تمّ فيه تبنّي قراءة أحادية لبعض الروايات، وتعميمها على واقع الأمة بأكملها، وتُظهر هذه الممارسة نزعة واضحة إلى تسييس النص الديني، حيث تحوّل الحديث من كونه مادة للفهم والاستنباط إلى أداة لتكريس رؤية سلطوية، تتجاوز التنوّع الفقهي والتاريخي الذي عرفه المسلمون عبر القرون.
رابعًا: النقد الحديثي للتوظيف السياسي
على وفق المنهج الحديثي لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، يُعدّ هذا التوظيف إشكاليًا من عدّة جهات:
1. من الناحية السندية: تمّ إهمال عدد كبير من الروايات الصحيحة الدالة على مشروعية الزيارة وتعظيم القبور.
2. من الناحية الدلالية: جرى الخلط بين النهي عن الشرك والنهي عن التعظيم، وهو خلط لا تقبله القواعد الأصولية ولا القرائن النصية.
3. من الناحية التاريخية: تجاهُل السيرة العملية للمسلمين، بما فيهم كبار العلماء والمحدّثين، الذين لم يروا في بناء المشاهد والقباب مخالفةً شرعية.
ونخلص إلى أنّ هدم قبور أئمة البقيع لم يكن نتيجةً حتمية للنص الحديثي، بل نتيجة قراءة انتقائية، خضعت لدوافع سياسية وفكرية، أما النص الحديثي، عند دراسته على وفق منهج مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فيؤكد مشروعية زيارة القبور وتعظيم رموز الدين، ويرفض تحويل النهي عن الشرك إلى ذريعة لطمس الذاكرة الإسلامية، ومن هنا، تبقى قضية البقيع شاهدًا حيًّا على ضرورة الفصل بين العلم بوصفه منهجًا والسياسة بوصفها ممارسة.