قالَ تَعَالى: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلوُمَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ وما تَفْعَلوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وتَزَوَّدوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى واتَّقونِ يَا أُولِي الأَلبابِ)[1].
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) في خُطبَةِ يَوْمِ الغَديرِ: (مَعاشِرَ النّاسِ: حُجُّوا البَيْتَ بِكَمالِ الدِّينِ والتَّفَقُّهِ، ولا تَنْصَرِفُوا عَنِ المَشاهِدِ إِلّا بِتَوبَةٍ وإِقلاعٍ)[2].
وقالَ الإِمامُ الصَّادقُ(عليه السلام): (إِذا أَحْرَمْتَ فَعَلَيكَ بِتَقوَى اللهِ، وذِكرِ اللهِ كَثيراً، وقِلَّةِ الكَلامِ إلاّ بِخَير؛ فَإِنَّ مِن تَمامِ الحَجِّ والعُمرَةِ أن يَحفَظَ المَرءُ لِسانَهُ، إلاّ مِن خَير، كَما قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقولُ: (فَمَنْ فَرَضَ فيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ)، والرَّفَثُ: الجِماعُ، والفُسوقُ: الكَذِبُ، والسِّبابُ، والجِدالُ: قَولُ الرَّجُلِ: لا واللهِ، وبَلى واللهِ)[3].
ومِمّا يُنْسَبُ لِلإِمامِ الصَّادِقِ(عليه السلام): (إِذا أَرَدتَ الحَجَّ فَجَرِّد قَلبَكَ للهِ تَعالى مِن كُلِّ شاغِل، وحِجابِ كُلِّ حاجِب، وفَوِّض أُمورَكَ كُلَّها إِلى خالِقِكَ، وتَوَكَّلْ عَلَيهِ في جَميعِ ما يَظهَرُ مِن حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ، وسَلِّم لِقَضائِهِ وحُكمِهِ وقَدَرِهِ، ودَعِ الدُّنيا والرَّاحَةَ والخَلْقَ، واخرُجْ مِن حُقوقٍ تَلزَمُكَ مِن جِهَةِ المَخلوقينَ، ولا تَعتَمِد عَلى زادِكَ، وراحِلَتِكَ، وأصحابِكَ، وقُوَّتِكَ، وشَبابِكَ، ومالِكَ؛ مَخافَةَ أن يَصيروا لَكَ عَدُوًّا ووَبالاً، فَإِنَّ مَنِ ادَّعى رِضَا اللهِ، واعتَمَدَ عَلى شَيء، صَيَّرَهُ عَلَيهِ عَدُوًّا ووَبالاً، لَيَعلَمُ أنَّهُ لَيسَ لَهُ قُوَّةٌ، ولا حيلَةٌ، ولا لأَحَد إلاّ بِعِصمَةِ اللهِ وتَوفيقِهِ، واستَعِدَّ استِعدادَ مَن لا يَرجُو الرُّجوعَ، وأحسِنِ الصُّحبَةَ، وراعِ أوقاتَ فَرائِضِ اللهِ وسُنَنِ نَبِيِّهِ(صلى الله عليه وآله) وما يَجِبُ عَلَيكَ مِنَ الأَدَبِ، والاِحتِمالِ، والصَّبرِ، والشُّكرِ، والشَّفَقَةِ، والسَّخاءِ، وإيثارِ الزّادِ عَلى دَوامِ الأَوقاتِ.
ثُمَّ اغْسِلْ بِمَاءِ التَّوْبَةِ الخالِصَةِ ذُنُوبَكَ، والبَسْ كِسْوَةَ الصِّدْقِ، والصَّفاءِ، والخُضوعِ، والخُشوعِ، وأَحرِمْ مِن كُلِّ شَيءٍ يَمنَعُكَ عَن ذِكْرِ اللهِ، ويَحجُبُكَ عَن طاعَتِهِ، ولَبِّ بِمَعنى إجابَة صافِيَة، زاكِيَة للهِِ عَزَّ وجَلَّ في دَعوَتِكَ لَهُ، مُتَمَسِّكاً بِعُروَتِهِ الوُثقى، وطُفْ بِقَلبِكَ مَعَ المَلائِكَةِ حَوْلَ العَرشِ، كَطَوافِكَ مَعَ المُسلِمينَ بِنَفسِكَ حَوْلَ البَيتِ.
وهَروِل هَروَلَةً مِن هَواكَ، وتَبَرِّياً مِن جَميعِ حَولِكَ وقُوَّتِكَ، فَاخرُجْ مِن غَفلَتِكَ وزَلاّتِكَ، بِخُروجِكَ إِلى مِنَى، ولا تَتَمَنَّ ما لا يَحِلُّ لَكَ، ولا تَستَحِقُّهُ.
واعتَرِفْ بِالخَطايا بِعَرَفات، وجَدِّد عَهدَكَ عِندَ اللهِ بِوَحدانِيَّتِهِ.
وتَقَرَّب إِلَى اللهِ ذا ثِقَة [واتَّقِه] بِمُزدَلِفَةَ، واصعَدْ بِروحِكَ إلَى المَلأِ الأَعلى، بِصُعودِكَ إلَى الجَبَلِ.
واذبَحْ حَنجَرَتَيِ الهَوى والطَّمَعِ عِندَ الذَّبيحَةِ.
وارمِ الشَّهَواتِ، والخَساسَةَ، والدَّناءَةَ، والذَّميمَةَ، عِندَ رَميِ الجَمَراتِ. واحلِقِ العُيوبَ الظّاهِرَةَ، والباطِنَةَ، بِحَلقِ رَأسِكَ.
وادخُلْ في أَمانِ اللهِ، وكَنَفِهِ، وسَترِهِ، وكَلاءَتِهِ مِن مُتابَعَةِ مُرادِكَ بِدُخولِكَ الحَرَمَ، وزُرِ البَيتَ مُتَحَقِّقاً لِتَعظيمِ صاحِبِهِ، ومَعرِفَةِ جَلالِهِ وسُلطانِهِ، واستَلِمِ الحَجَرَ، رِضىً بِقِسمَتِهِ، وخُضوعاً لِعِزَّتِهِ.
ووَدِّعْ ما سِواهُ بِطَوافِ الوَداعِ.
وصُفَّ روحَكَ وسِرَّكَ لِلِقاءِ اللهِ، يَوْمَ تَلقاهُ بِوُقوفِكَ عَلَى الصَّفا.
وكُن ذا مُرُوَّة مِنَ اللهِ، تَقِيِّاً أَوصافَكَ عِندَ المَروَةِ، واستَقِمْ عَلى شُروطِ حَجِّكَ هذا، ووَفاءِ عَهدِكَ الَّذي عاهَدْتَ بِهِ مَعَ رَبِّكَ، وأَوجَبتَهُ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ)[4].