د. ستار جليل عجيل
مديرية تربية ذي قار
المصدر: مجلة الولاية – العدد 195 – الصفحة (46)
لم يترك التاريخ فضيلة أو خصلة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) إلا وأشرك معه بعضهم، لكن هنالك بعض الخصال التي تجعل من الصعب على غيره من الناس مشاركته فيها، وقد ذكرتها كتب التاريخ المعتبرة، إذ إن هناك خصالًا ومزايا تفرّد بها الإمام علي(عليه السلام) وحده من دون غيره، والتي جاءت على محورين مهمين:
المحور الأول - الخصال التي تفرد بها وجاءت عـلى لسانـه:
لقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كثيراً ما يذكر بعض الخصال التي خصّها به الرسول (صلى الله عليه وآله) من دون غيره، وهو بذلك يذكّر قومه بها بعد أن سلبوه بعض حقوقه، إذ قال (عليه السلام): ((وأيم الله لو أشاء أن أتكلم ثم لا يستطيع عربيهم ولا عجميهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك بردّ خصلة منها لفعلت))(1).
كما روي عنه(عليه السلام) أنه قال: ((أُنْشِدُكُمُ اللَّـهَ، هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللـَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ- إِذْ آخَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ- غَيْرِي! قَالُوا: اللَّهمّ لا))(2)، ثم قال (عليه السلام) أيضا: ((أنا عَبْد اللَّهِ، وأخو رَسُول اللَّهِ، لا يقولها أحد غيري إلا كذّاب))(3).
وفي رواية أخرى عن انس بن مالك أنه(عليه السلام) قال: ((آخى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين المسلمين وقال لعلي: أنا أخوك وأنـت أخي))(4).
وله(عليه السلام) العديد من المناقب والخصال التي أن يرددها على الملأ ويفتخر بها أمام الناس، وفي يوم الشورى قام(عليه السلام) للمجتمعين وقال لهم: ((أنشدتكم بالله أيها النفر جميعًا أفيكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء، قالوا اللهم لا، فقال أفيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر ذو الجناحين الموشى بالجوهر، يطير بهما في الجنة حيث يشاء، قالوا اللهم لا، قال أفيكم أحد له مثل سبطيّ رسول لله الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة قالوا اللهم لا))(5).
ثم أخذ أمير المؤمنين(عليه السلام) يفتخر بالسيدة الزهراء(عليها السلام) فقال: ((أفيكم أحد له مثل زوجي فاطمة بنت رســـول الله(صلى الله عليه وآله)؟ قالـــــــوا: اللهم لا))(6).
وقد افتخر(عليه السلام) أيضاً بتاريخه الجهادي الذي لم يدانيه فيه أحد من رجال القوم فقال: ((أفيكم أحد كان أقتل لمشركي قريش عند كل شديدة تنزل برســــول الله مني، قالوا: اللهــم لا))(7).
ثم ذكّرهم بما كان يعمله لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد تفرّد بهذه الخصلة، وهي الروح الفدائية التي أقرّت بها كتب التاريخ، ولم تصفها إلى غيره من الرجال فقال: ((أفيكم أحد كان أعظم غناء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، حين اضطجعت على فراشه ووقيته بنفسي وبذلت له مهجة دمي قالوا اللهم لا))(8).
كما ذكّر القوم بخصلة الطهارة التي فضله الله بها على غيره من المسلمين إذ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللّـَهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[الاحزاب /33]، وقد ترجمها رسول الله(صلى الله عليه وآله) على الواقع حين سدّ أبواب المسجد إلا باب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد افتخر بها على قومه فقال(عليه السلام): ((أكان فيكم أحد مطهر في كتاب الله غيري حين سد النبي(صلى الله عليه وآله) أبواب المهاجرين وفتح بابي، فقام إليه عمّاه حمزة والعباس فقالا يا رسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب علي فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم بل الله فتح بابـــه وسد أبوابكم))(9).
تحدى أمير المؤمنين(عليه السلام) العالم كله عندما انبرى وقال: ((سلوني، فو الله لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أَخْبَرْتُكُمْ، وَسَلُونِي عن كتاب الله، فو الله مَا مِنْ آيَةٍ إِلا وَأَنَا أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ، أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ))(10).
وله(عليه السلام) من الخصال الأخروية التي انفرد بها أنه قسيم الجنة والنار، فقال(عليه السلام): ((أنا قسيم الجنة والنار))(11)، وقد أشار الإمام الصادق(عليه السلام) إلى هذه الخصلة التي خص الله بها علي بن ابي طالب(عليه السلام) حين سُئل عن هذا الحديث فنقل الفيض الكاشاني عن المفضل بن عمر أنه قال: ((قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام) لِمَ صار علي بن أبي طالب(عليه السلام) قسيمَ الجنة والنار؟ قال(عليه السلام): لأن حبه إيمان وبغضه كفر، وإنما خلقت الجنة لأهل الإيمان، وخلقت النار لأهل الكفر، فهو(عليه السلام) قسيم الجنة والنار لهذه العلة، والجنة لا يدخلها إلا أهل محبته، والنار لا يدخلها إلا أهل بغضه))(12).
وفي حديث ينقله المكي في كتابه سمط النجوم العوالي قال: ((قال(عليه السلام): أنْشدكُمْ الله هَل فِيكُم أحد قَالَ لَهُ رَسُول الله أَنْت قسيم النَّار يَوْم الْقِيَامَة غَيْرِي قَالُوا اللَّهُمَّ لَا))(13).
وفي رواية عن جابر الأنصاري يذكر فيها إن أمير المؤمنين(عليه السلام) ساقي حوض رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين(عليه السلام): ((... ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟ والذي نفسي بيده إنك لذائد عن حوضي يوم القيامة: تذود عنه رجالا كما يذاد البعير الضال عن الماء بعصا لك من عوسج، كأني أنظر إلى مقامك من حوضي))(14).
المحور الثاني- الخصال التي تفرد بها وجاءت على لسان غيره:
كثيرة هي الخصال التي تفرد بها(عليه السلام)، وقد ملأت ما بين الخافقين، وامتلأت بها الكتب ، إذ روى ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس فقال: ((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لِعَلِيٍّ أَرْبَعُ خِصَالٍ لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرُهُ: هُوَ أَوَّلُ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ لِوَاؤُهُ مَعَهُ فِي كُلِّ زَحْفٍ، وَهُوَ الَّذِي صَبَرَ مَعَهُ يَوْمَ فَرَّ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي غَسَّلَهُ وَأَدْخَلَهُ قَبْرَهُ))(15).
كذلك روي عن جماعة من الصحابة يوم خيبر أن الرسول(صلى الله عليه وآله) قال: ((لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِعَلِيٍّ وَهُوَ أَرْمَدُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ))(16).
كما روي عن المسيب انه قال: ((مَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يقول: سلوني غير علي بن طالب رضى الله تعالى عنه))(17).
وفي حديث آخر قال: ((أَكَانَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ، فقال فيه الرسول(صلى الله عليه وآله) أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه))(18).
به وحده كان المسلمون يعرفون المنافق من المؤمن، فقد روي عن الزبير بن العوام عن جابر بن عبد الله انه قال: ((مَا كُنَّا نَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ إِلا بِبُغْضِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ))(19).
وفي رواية أخرى خصه بها الرسول(صلى الله عليه وآله) إذ قال: ((يا علي لولاك ما عرف المؤمنون بعدي))(20)، وهذا الخبر بما تضمنه من مناقب أمير المؤمنين(عليه السلام) لو قسّم على الخلائق كلّهم من أوّل الدهر إلى آخره لاكتفوا به شرفاً ومكرمة وفخراً.
وعندما اختلف القوم على الخلافة في من يتولهّا بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أخذت الناس تتناقل خصال أمير المؤمنين(عليه السلام) التي تفرّد بها فقال أحدهم: عليُّ يستحق الخلافة بخمس أشياء أتت له من دون غيره وهي: بالقرب من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والسبق إلى الإسلام، والزهد في الدنيا، والفقه في الدين، والنكاية في العدو، فلم تر هذه الخمسة الأشياء إلا في عليّ(عليه السلام)(21).
ومن الخصال التي سجلت لأمير المؤمنين(عليه السلام) فاختص بها وحده مناجاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) له، وهذه الخصلة لم نجد في كتب السير والتاريخ لغيره أو أشرك بها معه أحد إذ اختص به الرسول(صلى الله عليه وآله) فناجاه يوم الطائف، فقد روى المغازلي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: ((إن النبي(صلى الله عليه وآله) دعا عليّاً وهو محاصِر الطائف فقال ناس من أصحابه: قد طالت مناجاتُه منذ اليوم! فسمع النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال: ما أنا انتجيتُه ولكنّ الله انتجاه))(22).
هذه مجموعة من الخصال والمزايا التي تفرّد بها مولانا وأميرنا علي بن أبي طالب(عليه السلام)، كما وردت على لسانه ولسان غيره، فما اعظمها من خصال لا يشاركه فيها أحد من الخلق، وإن دلت على شيء فإنها تدل على عظم هذا الشخصية الفريدة ورفعة شأنها.
ــــــــــــــــ
1- ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق: 18/39.
2- ابن عبد البر، الاستيعاب: 3/1089.
3- المصدر نفسه.
4- محمد الكوفي، مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)1/314.
5- تاريخ ابن عساكر 42/434.
6- المصدر نفسه.
7- المصدر نفسه.
8- المصدر نفسه.
9- المصدر نفسه.
10- ابن عبد البر الاستيعاب 3/1091.
11- الطوسي، مصباح المتهجد 757.
12- العلامة المجلسي، بحار الأنوار:39/ ١٩٤.
13- المكي، سمط النجوم العوالي: 3/63.
14- العلامة المجلسي، بحار الانوار: 37/360.
15- ابن عبد البر، الاستيعاب 3/1089.
16- المصدر نفسه.
17- المصدر نفسه.
18- المصدر نفسه.
19- المصدر نفسه.
20- مسند زيد الشهيد: 457.
21- ابن منظور، مختصر دمشق: 18/39.
22- ابن شهر آشوب، مناقب علي بن أبي طالب: 124.