كلُّ متبحّرٍ في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) يتوقف على خصوصية الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، من حيث ارتباطه بأبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا من جهة أنه ولده الذي من صُلبِه – وهو منتهى الفخر والشرف-، وإنما من جهة أنهُ وصيّه وحواريّه ووليّ دمه.
فلقد أودعه الأمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فرائد علمه ومحاسن أخلاقه، بما لم يتهيّأ لغيرهِ من الناس طرًا، حتى استقرّ له معنى الخلوص ومصداق المصاحبة، وهذا الأمر يظهر جليًا مُشرقًا في الوصية التي توجّه بها إليه، حيث اشتملت على كل أصول المعرفة ونورانيات العبادة ومكارم الأخلاق، ولم يحظى أحدٌ بغزارة تلك المضامين العالية سواه، وهي ممّا يعظّم شأنه ويؤكد استثنائيته وفرادة قابلياته العقلية والنفسية، فهو - بعد أبيه -
الكاهل الأعظم والسنام الأضخم للأمة.
ونكتفي بالإشارة إلى هذا المقطع من الوصيّة المذكورة، لما فيها من إشاراتٍ جليلةٍ على سعة الفاعل ونبوغ القابل، وهو قوله (عليه السلام): ((واعْلَمْ يَا بُنَيَّ - أَنَّه لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لأَتَتْكَ رُسُلُه - ولَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِه وسُلْطَانِه - ولَعَرَفْتَ أَفْعَالَه وصِفَاتِه)).
إنَّ هذا القول يتجاوز حدود الاحتجاج العقلي إلى ما هو أبعد، فإنّ الظاهر من كلام أمير المؤمنين هو أنه يخاطب الناس من منظورٍ سرديٍّ يستوحي العلقة الطبيعية بين الوالد وولده، ولكنّه - كذلك وفوق ذلك - يكشف عن عميق دراية سبطِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمضامين الخفيّة والمقاصد غير المعلنة، لأنَّ معرفة الأفعال والصفات هي شأن الخاصّة من أهل العلم والسبق، وإنها لعمري شهادةٌ عظيمةٌ من حكيم حكماء الدهر بحقّ إمامنا الحسن المجتبى (عليه السلام).
وسبحان الله فيما خلق، ففي مشهدٍ آخر ينعى فيه الإمام الحسن أباه (عليهما السلام) في مسجد الكوفة، بعد فراغه من مواراة جثمانه الشريف، يؤكد هذه الشهادة بزاوية عكسية، من حيث أنه أعرف الناس بأبيه، وألصقهم به، وأعظمهم عليه، حيث أبّنه قائلًا: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ قُبِضَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ مَا سَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ وَلَا يُدْرِكُهُ الْآخِرُونَ)).
ولم تشهد المراثي والوجدانيات، من قصدٍ عميم، وأثرٍ بليغ كهذا، ولكنّها ذرية بعضها من بعض، والله سميعٌ عليم.
وتشتدّ الفكرة لمعانًا وإشراقًا بالتعرّض إلى صبيحة يوم القصاص من عدو الرحمن بن ملجم، حين طلب الإمام الحسن (عليه السلام) إحضاره، فلما مثل بين يديه قال له ابن ملجم: ما الذي أمرك به أبوك؟
فقال (عليه السلام): ((أمرني أن لا أقتل غير قاتله، وأن أشبع بطنك، وأُنعِمَ وطأك، ..))
فقال الأثيم منبهرًا: ((إن كان أبوك ليقول الحق، ويقضي بهِ في حال الغضب والرضا)).
واقتصّ منه الإمام الحسن (عليه السلام) ضربة بضربة ولم يزد، لكنّها ضربة حسنية يتيمة شطرت الأثيم لبعضين، وكأنّ عليًا هو الذي اقتص من قاتله، فحلّت على ابن ملجم لعنة الله ولعنة اللاعنين، ومن ولدوا، ومن ماتوا، ومن قال الله لهم: كونوا فكانوا، لعنةً تجفف النبع، وتخضم الزرع، وتحرق النبت في الأرض وهو وسيم، وجعل الله زفير جهنّم وشهيقها في أصول تكوينه، ولفحه بأفواه من اللهب ذات أجيجٍ وذات صفير!.
فالسلام عليهما من بداية الدهر إلى نهايته، وعلى شهر رمضان الذي تضمّن ذكرهما في الولادة والشهادة.