تعد المصائب التي مرت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعظم المصائب والمحن، التي أُصيب بها أنبياء الله وأولياؤه المصلحون عبر التأريخ، فهذا النبي الأقدس (صلى الله عليه وآله)ومنذ بدء دعوته في مكة المكرمة، مروراً بقيام دولته في المدينة وانتشار دعوته عالمياً، عانى كثيراً من المكائد التي حاكها المشركون والمنافقون ضده، فكم لاقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أذىً لحق بشخصه الكريم مرات عديدة، أصابه فيه الكثير من الانتهاك والتوهين بصورة لا تطاق، مع عظم منزلته عند الله تعالى، حتى ورد عنه (صلى الله عليه وآله) قوله: (ما أوذي نبي مثلما أوذيت)(1)، فقد روي أن أبا جهل نحر يوماً جزوراً، ثم أخذ سلاها فغرسها بين كتفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ساجد، فأقبلت فاطمة÷ تطرحه عنه، فلما فرغ قال: ((اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وبعتبة بن ربيعة، وبشيبة بن ربيعة، وبالوليد بن عتبة، وبأمية بن خلف، وبعقبة بن أبي معيط، إنهم أوهنوني))(2)، وكم من أمثال هذا الانتهاك تكرر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أتباع الشيطان.
وكم من مرة كانوا يريدون قتله فيها، إلا أن الله تعالى نجّاه منهم، وكانت أشهر حادثة منها اجتماع زمرة من المشركين على اغتياله عشية خروجه إلى يثرب، فكان أن فداه أمير المؤمنين (عليه السلام) بنفسه بمبيته على فراشه تلك الليلة، وكذلك كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كل موقف معه (صلى الله عليه وآله).
لم تكفّ أيدي المشركين عن أن تنسج المكائد باستمرار لرسول الله (صلى الله عليه وآله)حتى بعد أن استتب الأمر لأمة الإسلام، ولعل من أبرز تلك المكائد محاولة اغتياله (صلى الله عليه وآله) في العقبة حينما كان عائداً من غزوة تبوك، حيث أراد جماعة من المنافقين أن ينفّروا ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عليها عند حافة وادٍ سحيق.
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعيش التأثر النفسي الشديد وهو يرى صدّ الناس عن سبيل الحق، وإيثارهم البغي والضلال على الهدى والاستقامة، حتى نزل قول الله تعالى إليه: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)[الكهف: 6]، زيادة على ذلك، شدة كدحه في طاعة الله وطلب مرضاته، حتى ورد أنه كان يقف للعبادة عشر سنين على أطراف أصابعه، فتورمت قدماه واصفر وجهه، ويقوم الليل أجمع، حتى أنزل الله عز وجل عليه: (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ)[طه: 1-2].
ومن بين كل هذه المآسي والآلام، كان أشدها وقعاً على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) مصيبته في أهل بيته (عليهم السلام)، الذين لم يدّخر جهداً في بيان فضلهم وكرامتهم على الله سبحانه وتعالى، حتى قال مناشداً المسلمين في آخر ساعاته: (أوصيكم بأهل بيتي خيراً.. الله الله في أهل بيتي..)، إنه لو لم يكن لرسول الله(صلى الله عليه وآله) خصوصية من بين سائر خلق الله سبحانه، ولو لم يوجب الله على المسلمين مودة ذوي القربى أجراً على رسالته، لكان حريّاً بالناس أن يفوا له بجزء من فضل النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم، وذلك حينما يخلفونه في أهل بيته(عليهم السلام) بأحسن الخلف.
---------------
1- المتقي الهندي، كنز العمال: 3/130.
2 -هاشم البحراني، حلية الأبرار: 1/108.