100%
قاف

مَوقِف مُفسّري الإمامية من التعامل مع الروايات التفسيرية

د ساجد صباح العسكري

جامعة الإمام الصادق- ذي قار

المصدر: مجلة الولاية – العدد 206 – الصفحة (8)

 

تُعدّ السنة الشريفة المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، ومن أوسع المصادر نطاقًا في التفسير، وأفادت جوانب تفسيرية متعددة، منها: توضيح المعاني الغامضة، وتعيين المصداق، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان الناسخ من المنسوخ، وبيان بطون القرآن ...وما إلى ذلك.

 

لا يوجد مفسر لا يرى السنة الشريفة مصدرًا تفسيريًا مهمًا، ولكن يختلفون سعةً وضيقًا بحسب مباني كل مفسر في شروط قبول الرواية التفسيرية، فتعددت اتجاهاتهم في التعامل، ومن أهم تلك الاتجاهات ما يأتي:

الاتجاه الأول: الذي يحصر التفسير في نطاق الروايات فقط ولا يرى أي حجية واعتبار لغيرها من مصادر التفسير

وذهب إلى ذلك بعض الأخبارية، ومن أهم المدافعين عن هذا الاتجاه محمد أمين الاسترابادي(1) والحر العاملي(2)، ومن التفاسير التي كتبت في ضوء هذا الاتجاه تفسير البرهان للبحراني، ونور الثقلين للحويزي، فقد ذُكرت الروايات في ذيل الآيات من دون تعليق أو إبداء رأي، وليس كل التفاسير الروائية عند الإمامية على هذا الاتجاه، فهناك تفاسير روائية خطت خطوة للأمام بعدم اقتصارها على ذكر الروايات، بل تجد لها تعليقًا على الرواية أو استنادًا على اللغة وغيرها، ومن تلك التفاسير: تفسير القمي، والصافي للكاشاني، وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلةٍ كثيرةٍ منها(3):

1- عدم حجية الظواهر القرآنية.

2-إن فهم القرآن الكريم خاص بمجموعة من المخاطبين، وأي تفسير من غير المعصوم فهو تفسير بالرأي.

3- ورد النهي عن التفسير بالرأي وضرب القرآن بعضه ببعض.

4- إن العقول قاصرة عن فهم القرآن الكريم، وقد ورد النهي عن تفسيره بها.

وكل ما تقدم من أدلة فيها نظر ونُوقشت علميًا وتبين عدم سلامة الاستدلال بها على الغاء المصادر التفسيرية الأخرى، وإجمال الرد عليها: إن القرآن الكريم له مستويات متعددة من الفهم، والروايات التي أشارت إلى عدم إدراك حقيقة القرآن الكريم كانت بصدد الإشارة إلى ما في العوالم الغيبية، أما على المستوى الظاهري والفهم البسيط، فمن الضروري فهمه وإلا كانت دعوة القرآن للتدبر لغوًا، وتصريح القرآن بأنه بيّن كذبًا، حاشاه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.

فضلًا عن وجود معوقات كثيرة تواجه أصحاب هذا الاتجاه في تفسير القرآن من أهمها:

1- قلة الروايات التفسيرية التي وصلت إلينا، فالروايات التي بين أيدينا لا تغطي تفسير جميع الآيات القرآنية(4).

2- ضعف كثير من تلك الروايات، وبعضها روايات موضوعة(5).

3- دلالة كثير من الروايات لا تعطي فهمًا كليًا للآية، فقد تكون بعض الروايات في مقام بيان المعنى الباطني، أو بيان مصداق من مصاديق الآية، أو مصداقها الأتم، وأكثر الروايات من هذا القبيل(6).

الاتجاه الثاني: الاتجاه الرافض للروايات التفسيرية مطلقًا

يندرج ضمن هذا الاتجاه القرآنيين، وهم الذي يرون: "أن القرآن الكريم يعتبر مصدرًا معرفيًا دينيًا وحيدًا، وأن السنة الشريفة إنما هي قراءة الرمزيات الخفية للقرآن من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله)"(7).

وممّن ذهب في هذا الاتجاه أصحاب المنهج القصدي، وهذا ما أكّده عالم سبيط النيلي بقوله: " إن السنة المفسرة للقرآن ما هي إلا مفاتيح تُعين المتدبّر للقرآن وليست هي التدبر وهي بمثابة علامات ودلالات تمكن الباحث من التأكيد من صحة نتائج التدبر وتُضيف له بعدًا آخر أو تفتح له طريقًا آخر للتدبر، فهي نصوص لا تفسر القرآن وإنما تشير إلى أبواب تفسيره"(8).

ومما تقدم يتبين أن أصحاب هذا الاتجاه يرون أن الروايات قرائن مساعدة تمكّن الباحث من التأكد من صحة ما توصّل إليه من نتائج من خلال تدبّره في آيات القرآن الكريم، من دون اعتمادٍ على المصادر المعرفية الأخرى، فالرواية ليست مصدرًا من مصادر التفسير عندهم.

وهذا الاتجاه يمكن مناقشته بالآتي:

1- الاقتصار في تفسير القرآن على القرآن الكريم لا غير خلاف قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل:44].

والمراد بالذِكْر القرآن الكريم بقرينة سياق الآية، فالذي نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) القرآن الكريم(9)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:2]، ومعنى التعليم في الآية يرادف التبيين(10).

2- السيرة العملية للرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) في تفسير تفاصيل آيات الأحكام الواردة في القرآن الكريم ، فقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يقول: "صلوا كما رأيتموني أصلي"(11) أو قوله: "خذوا عني مناسككم"(12) وما ذلك إلا تبيان لتفاصيل ما أُجمل في القرآن عن بعض الأحكام الشرعية، ونحن مأمورون باتباع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، فتكون جميع أقواله حجة في التفسير وفي غيره، وما ثبت لقول النبي في الحجية ثبت لقول الأئمة المعصومين بدلالة حديث الثقلين الذي أمر فيه النبي باتباع العترة.

وتتأكد هذه الحقيقية بوضوح "إذا طالعنا سيرة أهل البيت (عليهم السلام) ، فهولاء الأئمة لم يترددوا لحظة في معنى آية من آيات القرآن، ولم يقفوا عاجزين عن تبيين معانى القرآن، ولم يحصل لهم أن تغير رأيهم على الرغم من تبدّل الأزمان وتغيّر الأحوال"(13) وهذا الكلام إنما يكون عندما تكون الرواية صحيحة مستوفيةً لشروط القبول، وإلا فلا تقبل الروايات التي لا تتحقق فيها شروط الصحة مطلقًا.      

الاتجاه الثالث: الاتجاه المُقيد للروايات التفسيرية

هذا الاتجاه لا يقبل من الروايات التفسيرية إلا ما كان منها موافقًا للقرآن الكريم أو لا يخالفه على أقل تقدير من ناحية الاعتبار، ولا يقبل منها إلا ما يخص الأحكام والقضايا الغيبية والقصص وغيرها، ويمثل هذا الاتجاه العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان(14)، والصادقي الطهراني في تفسير الفرقان بالقرآن والسنة(15).

وفي ما يخص قوله تعالى:﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمۡ﴾ [النحل:44]، قالوا: إن المقصود بها التبليغ الذي هو أعم من تبيين القرآن، فوظيفته الإرشاد للطريق الصحيح للتفسير وبذلك يتحقق البيان، "فالنبي إنما يعلّم الناس ويبيّن لهم ما يدلّ عليه القرآن بنفسه، ويبيّنه الله سبحانه بكلامه، ويمكن للناس الحصول عليه بالآخرة، لا أنه (صلى الله عليه وآله) يُبيّن لهم معاني لا طريق إلى فهمها من كلام الله تعالى"(16)، ويمكن مناقشة أصحاب هذا الاتجاه بالآتي:

1- لا شك في كون القرآن  بيّنًا وتبيانًا، بيد أن هناك إيهام في بعض آياته وخصوصًا فيما يتعلق بالآيات المجملة والحروف المقطعة،

2- لم يؤثر أن المعصومين فسروا جميع الآيات بالقرآن، بحدود ما وصل إلينا من روايات، فسيرة المعصوم(عليه السلام) القولية والفعلية قائمة على استعمال مناهج متعددة في التفسير.

3-  لوكان الأمر كما قالوا لما كان هناك تردد في تفسير بعض الآيات، فالعلامة الطباطبائي نفسه رغم كونه أحد أهم أعلام منهج تفسير القرآن بالقرآن نجده قد تردد في تفسير بعض الآيات من القرآن الكريم، كما في تفسير المقصود بدابة الأرض وغيرها من المجملات، وهذا ما أشار إليه العلامة، بقوله: "لا نجد في كلامه تعالى ما يصلح لتفسير هذه الآية وأن هذه الدابة التي سيخرجها لهم من الأرض فتكلمهم ما هي؟ وما صفتها؟ وكيف تخرج؟ وما تتكلم به؟ بل سياق الآية، نعم، الدليل على أن القصد إلى الإبهام فهو كلام مرموز فيه"(17).

وفي بعض الأحيان يذكر احتمالات متعددة كما في تفسير المقصود بالتشابه إذ ذكر ستة عشر قولًا في تفسيره(18).

الاتجاه الرابع: الاتجاه التوفيقي

وهو الاتجاه الذي يقع بين طرفي النقيض؛ إذ يعدّ الرواية قرينة تفسيرية يمكن أن تسهم في فهم النص القرآني كما تسهم بذلك بقية القرائن التفسيرية، وهذا الاتجاه عليه أكثر المفسرين الإمامية، وهو ما يراه الباحث راجحًا.

فبعد أن ثبتت حجية السنة الشريفة، فما المانع من الإفادة منها إذا استوفت شروط الصحة، كما أن الاستغناء عن أيٍّ من الثقلين لا يمكن، فهما لا يفترقان، فالاستغناء بالقرآن يعني عدم حصول فهم تام لجميع آيات القرآن الكريم وخصوصًا في آيات الأحكام، والاستغناء بالرواية يخالف دعوة القرآن للتدبّر، كما ان الاستغناء بالرواية يعني عدم وجود تفسير كامل للقرآن الكريم؛ لقلة الروايات التفسيرية، ولضعف كثير منها حتى لو قلنا بحجية خبر الواحد في التفسير.

 

----------

  1. ظ: الفوائد المدنية: 104.
  2. ظ: الفوائد الطوسية: 186.
  3. ظ: عبد النبي مهدي، المنهج الصحيح في تفسير القرآن: 29-46.
  4. ظ: محمد علي رضائي، منطق تفسير القرآن (أصول وقواعد التفسير): 59.
  5. ظ: جولد تسهير، مذاهب التفسير الإسلامي: 2/14.
  6. ظ: مهدي مهريزي، الروايات التفسيرية في المصادر الشيعية المنهجية والحجية، بحث منشور في مجلة نصوص معاصرة العدد 48: 29.
  7. أمين إيماني، القرآن المصدر المعرفي الديني الوحيد، نحو تأسيس فقهٍ قرآنيّ، بحث منشور في مجلة الاجتهاد والتجديد، العدد30-31، ربيع، صيف، 2014م- 1435هـ: 90. 
  8. عالم سبيط النيلي، النظام القرآني: 16.
  9. ظ: فتح الله نجارزاكان، مبادئ تفسير القرآن دراسة مقارنة: 120.
  10. ظ: مجمع البيان: 1/ى394.
  11. بحار الأنوار: 82/279.
  12. السنن الكبرى، البيهقي: 5/125.
  13. ظ: تفسير الميزان: 3/84.
  14. مبادىء تفسير القرآن: 193.
  15. ظ: تفسير الميزان: 3/84.
  16. ظ: محمد الصادقي، الفرقان في تفسير القرآن: 1/16.
  17. ظ: سيروان عبد الزهرة الجنابي، مناهج تفسير النص القرآني: 164.
  18. تفسير الميزان: 15/ 396.