د. علي زناد كلش
مديرية تربية ميسان
المصدر: مجلة الولاية – العدد 208 – الصفحة (92)
تعرضّت رواية (إنذار العشيرة) للدس والتشويه والتلاعب، حالها حال كثير من الروايات التأريخية الأخرى، لكن يبقى على الباحث أن ينبري بموضوعية علمية إلى إبراز التناقضات واقتناصها ونقاط الضعف وتشخيصها، ليكتشف بعد ذلك صور الإضافات والاقتطاع للرواية، ودراسة الأسباب التي أدت إلى هذا التوجه.
فبالإضافة إلى ما بيناه من اختلاف في إيراد الرواية وإثبات الرواية الأقرب للواقع، سنسلك في هذه النقطة تفكيك الروايتين وبيان أوجه التلاعب التأريخي فيهما، بغض النظر عن صحة أو ضعف الرواية.
مع الطبري وابن كثير في تاريخيهما:
ولعل هناك تلاعباً، يمكن أن يُسجّل على الرواية، وهو ما وجدناه عند الطبري، فالأخير في كتابه تأريخ الرسل والملوك يورد الرواية: بعدما انبرى الإمام علي (عليه السلام) لمؤازرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ومعاونته على الأمر بعبارة " فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي"(1)، لكن الطبري عاد وأبدل العبارة الأخيرة في كتابه التفسيري جامع البيان بـ " فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا... أنا يا نبي الله أكون وزيرك، فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا"(2)، إذ ذكر الطبري هذا الحديث في تأريخه على النحو المتقدم، لكنه اختزل النص في تفسيره جامع البيان، فإنه بعد أن ذكره حرفياً متناً وسنداً غيَّر فيه عبارة واحدة فقال: "فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي، وكذا وكذا " إلى أن قال: " ثم قال: إنّ هذا أخي، وكذا وكذا".فاستبدل كلمة: " ووصيي وخليفتي فيكم" بكلمة: وكذا.. وكذا "، وفيه دلالة على ان الحذف والتبديل كان من عدم الالتزام بالأمانة العلمية أولاً، فضلاً عن الأهداف السياسية القابعة خلفها ثانياً، إذ غَيّر الطبري كلامه من أجل التوهين بولاية الإمام علي (عليه السلام) وهي المسألة المهمة، التي وقع فيها الصراع الاجتماعي والسياسي، بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل غيرت وجه التاريخ. فكان وجود الإمام علي (عليه السلام) وقول الرسول (صلى الله عليه وآله) بحقه سبباً في استبدال الرواية وتحريف مضمونها، والحال كذلك ينطبق على ابن كثير أيضاً، إذ سار على منوال الطبري، لا سيما أن ابن كثير كان ناقلاً لتاريخ الطبري، بل العمود الفقري لكتاباته التاريخية وحتى تفسيره، لكنه عندما يصل إلى هذه الرواية في كتابه تفسير ابن كثير يترك تاريخ الطبري ويستند إلى ما ورد في تفسيره جامع البيان، إذ ورد " أمرني الله (عز وجل) أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا، فأخذ برقبتي ثم قال: إنّ هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا "(3)، وبهذا سلك ابن كثير الطريق نفسه الذي سلكه - من قبل - سلفُه الطبري، ضارباً عرض الجدار مبدأ أمانة النقل، ونحن لا نعذر ابن كثير في عمله هذا أبداً، لأنه قد اعتمد في رواياته التاريخية في تاريخه وتفسيره معاً تاريخ الطبري، لا تفسيره، ولا شك في أنّه قد مرّ على هذه القصة في تاريخ الطبريّ، ولكنّه مع ذلك حاد عن الطريق السويّ، فأعرض عن نقل رواية التاريخ في هذه الحادثة، وعمد بصورة غير متوقعة إلى نقل رواية التفسير، وليس هذا فقط بل جرى الخلف على خطى السلف ولكن بصورة أبشع وأشنع، فإن (محمد حسين هيكل) ذكر هذا الحديث أيضاً في كتابه حياة محمد (الطبعة الأولى) ص104، على وفق نص الطبري في تاريخه.لكنه في الطبعة الثانية لكتابه هذا نفسه، المطبوع سنة 1354 هـ. ذكر هذا الحديث عينه في ص139، إلا أنه حذف كلمة: «وخليفتي فيكم» واقتصر على قوله: «ويكون أخي ووصيي». وذلك لقاء خمس مئة جنيه مصري، أو لقاء شراء ألف نسخة من كتابه(4).
وواحدة من صور التلاعب التاريخي هو التشكيك في بعض الألفاظ الواردة في حديث الدار، من قبيل التشكيك بأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقل (من بعدي) عندما ذكر (خليفتي فيكم)، وقد كفانا مؤونة الردّ على هذا التشكيك أحد الباحثين بالقول: "والحقيقة أننا لا نجد فرقاً بين التعبيرين وإذا كان (خليفتي فيكم من بعدي) صريحاً في الدلالة فأن (خليفتي فيكم) كذلك أيضاً ، لأن معناه أن علياً هو الذي يخلفني فيكم لو أصابني مكروه ، وهذا نص على الخلافة بعد الموت، ويؤكد هذا المعنى ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) لكلمة (وصيي).، والوصاية في الإسلام إنما يقصد بها ما بعد الموت ، إذ يقوم الوصي بما طلب منه الموصي ان يقوم به، ولو كان الأمر يتعلق بما قبل الموت لقال وكيلي ولم يقل وصيي؛ لأن الوكالة هي التعبير الإسلامي عمن يطلب منه تنفيذ بعض الأعمال نيابة عن إنسان موجود على قيد الحياة"(5).
التهافت التاريخي:
وبمتابعة الرواية نجد هنالك جملة من الهنات التي لا يمكن القبول بها، منها ورود عبارة "يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار "والمقصود بها السيدة الزهراء (عليها السلام) بنت النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، ورواها البخاري بلفظ آخر جاء فيه "قام رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)حين أَنْزَلَ الله (عزوجل) (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) قال يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أو كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ من اللَّهِ شيئاً يا بَنِي عبد مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ من اللَّهِ شيئا يا عَبَّاسُ بن عبد الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ من اللَّهِ شيئاً وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)لَا أُغْنِي عَنْكِ من اللَّهِ شيئا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ من مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ من اللَّهِ شيئاً "(6).
ورب قائل يقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) خصَّ بالكلام بنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) ؛ لأنها ابنته والأقرب إلى قلبه، فإذا أخبرها أنه لا يملك لها من الله شيئًا، فمن المؤكد أنّ الأمر نفسه وأكثر سيكون مع الأخرين، ومن باب أولى مع كل عشيرته، فهذا أبلغ في البيان، لكن هذا الكلام من زج السيدة الزهراء (عليها السلام) في الحادثة لا يمكن أن يصمد إزاء التحقيق التاريخي لأسباب منها:
أولاً: تشير الروايات إلى أنّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تكن مولودةً بعد لأن حديث الإنذار في السنة الثالثة للبعثة والسيدة الزهراء (عليها السلام) ولدت في السنة الخامسة للبعثة على أقصى التقديرات أي: بعد سنتين من الحادثة إذ ورد "ولدت فاطمة، عليها وعلى بعلها السلام، بعد مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمس سنين"(7).
ثانياً: طبقاً لسن السيدة الزهراء (عليها السلام) وهو سنتان فتكون فاطمة الزهراء (عليها السلام) غير مُكلّفة شرعاً بالتكاليف الشرعيّة، إذ لا تصح مخاطبتها يومذاك كسائر المكلفين، وهذا طعن بالنبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً إذ كيف يأمر وينذر من لا يدخل في الإنذار والوعيد بعد؟ فالطعن يكمن في عدم علم النبي (صلى الله عليه وآله) بسن التكليف. وحتى لو قبلنا رأي الآخرين والذين اختلفوا في سنة مولدها(8)، فيكون عمرها عام البعثة قبل سن البلوغ فتخرج (عليها السلام) من دائرة التكليف.
وبالسياق نفسه نجد ذكر شخصيات لم تخرج للدنيا بعد، أو لم تسلم بعد، وذكرت وزُجّت في الرواية لا لغرض إلا لإضفاء أسماء شخصيات، لها ثقلها التاريخي؛ لتعطي مصداقية أكثر وقبولاً أوسع للرواية، ومن هذه الشخصيات أبو هريرة، وعبد الله بن عباس، إذ ذكر "وقال ابن عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جَعَلَ النبي (صلى الله عليه وآله) يُنَادِي يا بَنِي فِهْرٍ يا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ وقال أبو هُرَيْرَةَ لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قال النبي (صلى الله عليه وآله) يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ"(9).
ويمكن مناقشة ذلك من عدّة وجوه:
أولها: أن ابن عباس لم يكن قد وُلِد بعد في هذه الحادثة، حتى يمكن الاستدلال عليه في هذه القضية، إذ ولد ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنوات(10) وحديث الدار في السنة الثالثة للبعثة، أي: أنها وقعت قبل ولادته بسبع سنوات.
ثانيها: بخصوص أبي هريرة الوارد ذكره في الرواية، فإنه لم يسلم إلا في السنة السابعة للهجرة(11) في المدينة المنورة، أي بعد سبعة عشر عاماً من الحادثة في مكة.
ثالثها: علّق عليه ابن حجر بالقول: "هذا من مراسيل الصحابة... لأن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة، وهذه القصة وقعت بمكة، وابن عباس كان حينئذ إما لم يولد وإما طفلا"(12).
وثمة أنموذج آخر للتلاعب التاريخي يمكن استشفافه عبر ذكر نساء النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في الحادثة، وهُنَّ لم يتزوج بهنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) إلا في المدينة، وحديث الدار كان في مكة، وإليك نص الرواية "فأجلسهم على الباب وجمع نساءه وأهله فأجلسهم في البيت ثم اطلع عليهم...ثم أقبل على أهل بيته فقال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا أم سلمة، ويا فاطمة بنت محمد، ويا أم الزبير عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتروا أنفسكم من الله واسعوا في فكاك رقابكم "(13).
إذ من المعروف أنّ النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لم يكن قد تزوج حينئذٍ الا بخديجة بنت خويلد. ولم تكن أيٌّ من المذكورات من زوجاته (صلى الله عليه وآله)، ولم يبن (صلى الله عليه وآله) بأي منهن إلا في المدينة. وحادثة إنذار العشيرة كانت في مكة لا في المدينة كما هو معروف، وهذا ما أكده ابن حجر بالقول: "ولم تكن عائشة، وحفصة، وأم سلمة، عنده ومن أزواجه إلا بالمدينة"(14)، ولم يكن هناك تعدد للقصة حتى يمكن القول إن حادثة الدار قد جرت مرتين الأولى في مكة والثانية في المدينة لأن "الأصل عدم تكرار النزول"(15)، ويبدو أن سبب رواية إنذار العشيرة بطرق متعددة وزج أسماء كثيرة غير موجودة أصلاً، كان غرضها ومحورها إسقاط اسم علي (عليه السلام) من شرف الاخوة والوصاية والخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا يكفي في الاستدلال على أنّ أمثال تلك الروايات كانت موضوعة للتقليل من أثر الإمام علي (عليه السلام) في واقعة إنذار العشيرة.
ومن الأقاويل التي وضعت على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) في الرواية قوله " اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ من اللَّهِ شيئاً " إذ لا يتوافق هذا الكلام مع ما نص عليه القرآن بحق الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)" وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى "(16)، والرسول (صلى الله عليه وآله) نفسه يقول "إِنَّهُ سَيُكْذَبُ عَلَيَّ كَمَا كُذِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلِي فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي مِنْ حَدِيثٍ وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَهُوَ حَدِيثِي وَ أَمَّا مَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَلَيْسَ مِنْ حَدِيثِي"(17)، وهو ما لا يوافق ما جاء في القرآن، ثم أن هذا الكلام فيه نفيٌ لشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة وفضله على أمته، بل الأكثر من ذلك أن ابن سعد روى أن هذا الكلام في مرض وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وليس في حادثة الإنذار للعشيرة، إذ ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله " والله لا يمسك الناس علي بشيء لا أحل إلا ما أحل الله (عز وجل) في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، ثم قال: يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة رسول الله اعملا لما عند الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً، ثم قام من مجلسه ذلك فما انتصف النهار حتى قبضه الله"(18)، وبهذا يكون من حيث الزمان يناسب أن يكون في مرض وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وفي المدينة، وليس في مكة وفي السنة الثالثة من بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله) كما جاء في الأحاديث التي درسناها قبل هذا.
مع ابن تيمية:
وجرى ابن تيمية، على عادته، في إنكار فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) في سعيه الحثيث للتبديل والتمويه لكل ما يمت للإمام علي (عليه السلام) بصلة، وبدراسة ما أبداه ابن تيمية في خصوص حديث الدار نجد ظاهرة العناد والجحود واضحة للعيان في كتاباته بهذا الشأن، لا لشيء إلا لبغضه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى لو كان كلامه يخالف العقل والمنطق، إذ ورد في معرض كلامه عن إجابة الإمام علي (عليه السلام) للرسول (صلى الله عليه وآله) بأنها غير كافية لأن تجعله ولياً، وإليك نص كلامه" أن قوله للجماعة من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي كلام مفترى على النبي (صلى الله عليه وآله)، لا يجوز نسبته إليه، فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله، فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين الكلمتين وأعانوه على هذا الأمر، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامته وطاعته وفارقوا أوطانهم وعادوا إخوانهم وصبروا على الشتات بعد الألفة وعلى الذل بعد العز وعلى الفقر بعد الغنى وعلى الشدة بعد الرخاء وسيرتهم معروفة مشهورة، ومع هذا فلم يكن أحد منهم بذلك خليفة له"(19).
في الإجابة على إشكال ابن تيمية هذا يستوجب منا الالتفات إلى نقطة مهمة هي المناقشة لكلامه على وفق المنهج العلمي غير المتعصب، أو الذي يفرض قبليات إيديولوجية على النص، من دون مناقشتها أو تفكيك مضامينها، وجوابنا على إشكاله بالآتي:
أولاً: إنّ ابن تيمية نسي أو تناسى أنّ مسألة تعيين الخليفة لا تخضع للأمزجة والأهواء، ولا تخضع للارتباطات القبلية أو العاطفية، بقدر ما هي خاضعة للتقرير السماوي بنظرية الجعل الإلهي بنص القرآن (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(20) و"(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ)"(21).
ثانياً: ما ورد في إطار الرد على هذا الإشكال يدحض تقولات ابن تيمية، إذ نقل "إن قوله ـ أي: قول النبي (صلى الله عليه وآله) ـ هذا ليس علة تامة للخلافة، ولم يدِع (صلى الله عليه وآله)، ليشمل حتى من لم يكن من عشيرته، بل أمره الله بإنذار عشيرته، لأنهم أولى بالدفع عنه ونصره، فلم يجعل هذه المنزلة إلّا لهم، وليعلم من أول الأمر أنّ هذه المنزلة لعلي، لأنّ الله ورسوله يعلمان: أنه لا يجيب النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يؤازره غير علي، فكان ذلك من باب تثبيت إمامته بإقامة الحجة عليهم. ومع فرض تعدد المجيبين يعين الرسول (صلى الله عليه وآله)الأحق بها منهم"(22).
ثالثاً: تدل أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) بهذا الخصوص على العلم المسبق بالنتيجة، لكن إطلاق هذا الكلام هو من باب التأكيد، إذ روي "إن الله (عز وجل) لم يبعث رسولاً إلا جعل له أخاً ووزيراً ووصياً ووارثاً من أهله، وقد جعل لي وزيراً كما جعل للأنبياء قبلي، وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل علي " وأنذر عشيرتك الأقربين " ورهطك المخلصين، وقد والله أنبأني به وسماه لي، ولكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكم، وأعرض عليكم لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي، فأيّكم يسبق إليها، على أن يؤاخيني في الله ويؤازرني في الله (عز وجل)، ومع ذلك يكون لي يدا على جميع من خالفني، فأتخذه وصياً وولياً ووزيراً، يؤدي عني، ويبلغ رسالتي، ويقضي ديني من بعدي وعداتي "(23)، إذ يدل هذا النص على أن النبي محمدا كان يعرف أنهم سوف لا يجيبونه، باستثناء علي (عليه السلام)، كما أن ظاهر قول النبي: أيكم يؤازرني... الخ. أن الخطاب كان لواحد منهم على سبيل البدل، فالذي يجيب منهم أولاً يكون هو الوصي والولي. وتقارن إجابة اثنين أو أكثر بعيد الحصول، لو أجابه أكثر من واحد. فإنه سوف يوكل أمر التعيين إلى ما بعد ظهور المؤازرة، فمن كانت مؤازرته أتم وأعظم، وأوفق بمقاصد الشريعة، وظهر أنه الأقوى والأليق بالمقام، فإنه سيختاره من دون غيره، كذلك ليس المطلوب هو المؤازرة له في الجملة ليقال: إن سائر المسلمين قد آزروه في الجملة. بل المراد المؤازرة التامة في كل موطن وموقف، والثبات في كل الأحوال، بغض النظر عن تبدل الظروف، ومصاديقها تتمثل بالنوم على فراش النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ليلة الهجرة والتضحية بالنفس، وقلع باب خيبر، وقتل صناديد العرب من المشركين، وما إلى ذلك من مواقف مشرفة يسجلها التاريخ.
ولم يحصل ذلك إلا من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذه الامتيازات للإمام علي (عليه السلام) هي التي جعلت الآخرين يلفقون الأكاذيب وينمقون الأباطيل، لصرف الأنظار عن مستحقها والأليق بها.
التخفيف من وقع الحدث:
ومن صور التلاعب الأخرى هو تعدد الألفاظ في الرواية من قبيل (خليفتي في أهلي) و(خليفتي فيكم) و (خليفتي من بعدي)، إذ إن التعدد في الألفاظ كان الهدف منه التخفيف من وقع الحدث، الذي شغل حيزاً في الحقل التاريخي نظراً لأهميته، وتلافي قسط كبير من الإحراج بسببهِ نظراً لحساسيته، لكن التأمل في هذه النصوص يعطينا تصوراً أن هذا التصرف فيها ليس له تأثير في تحقيق الغرض الذي توخّوه منها. لأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد ذكر وصفين هما الوصاية والخلافة مما يعني أن المقصود بالخلافة معنى آخر غير معنى الوصاية، وأن موارد أعمال الخلافة وتأثيرها العملي يختلف عن مورد الوصاية، فالخلافة والوصاية في الأهل إما أن تكون لزوجات النبي (صلى الله عليه وآله) من بعده فلا يحتجن إلى وصي ولا إلى ولي يلي أمرهن، وإما أن تكون لابنته الوحيدة السيدة الزهراء (عليها السلام) فقد كان للسيدة فاطمة (عليها السلام) حين وفاة أبيها زوج يقوم بشؤونها، ويهتم بأمرها، وهل يحتاج حفظ البنت وحفظ الزوجات إلى جمع العشيرة كلها للنظر في ذلك ؟ علماً أن السيدة الزهراء (عليها السلام) لم تولد بعد على أغلب الروايات التي ذكرناها، فضلاً عن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يتزوج بالنساء بعد سوى السيدة الطاهرة خديجة (عليها السلام)، والمتعارف عليه لم يجر تقليد بين الناس بتنصيب ولي أو جعل وصي على البنت البالغة الرشيدة المتزوجة، التي تمتلك قرارها بيدها، والأمر ينسحب بالنسبة للزوجات الكبيرات الراشدات، اللواتي لهن أهل، وعشائر، فالمقصود بالولاية في الأهل معنى الإمارة والسلطة عليهم، ويبدو أيضا إن هنالك تلاعباً واستبدالاً للألفاظ لحاجة في النفس قضيت، ومنها في عبارة (خليفتي في أهلي) إذ نعتقد أن الأصل هو (خليفتي من أهلي) بدلالة ما تقدم من قول النبي (صلى الله عليه وآله):إن الله (عز وجل) لم يبعث رسولاً حتى جعل له وزيراً من أهله، تماماً كما قال موسى (عليه السلام):"وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي"(24)، وهذا التعبير هو المناسب لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) ذكر صراحةً قول (وزيراً من أهله) ولم يقل:(وزيراً في أهله)، ثم أن كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يخرج من دائرة القرآن ومخالفة مضامينه وما ورد فيه، وفيه أيضا دلالة تأكيدية على إلهية التعيين والجعل لمنصب الخليفة من بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: (حتى جعل له وزيرا) كما ذكرنا ذلك سابقاً، فالأصح (من أهلي) وليس (في أهلي)، أما عبارة خليفتي فيكم بمعنى خليفتي بالعشيرة، فالأهل معناها " الأقارب والعشيرة والزوجة "(25)، أما خليفتي من بعدي فتعني من بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) لا في حياته أولاً، كما أن مفهوم الخلافة يكاد أن يُجمع على أنه لا وجود لنوعين من الخلافة الخاصة على بعض والعامة على الكل، بل أن خلافته الخاصة تقتضي خلافته المطلقة على وفق المنظور الواقعي، فيدلنا ذلك على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أراد جعل الخليفة للناس كلهم من بعده، ويقوم مقامه ويسير بسيرته في مناحي الحياة كلها ثانياً.
--------------------